انا شغال
باب الشقة.
أمي بصت للباب بخوف، وهمست
يا ترى مين اللي جاي دلوقتي؟
يتبع...انطلق صوت الرسالة في الصالة كلها...
كان صوت رجل غريب
مدام... أنا نفذت اللي طلبتيه. الخطابات اللي كانت بتوصل للبيت خلّيتها تفضل عندي لحد ما تقوليلي أتصرف إزاي. بس لازم تعرفي إن الموضوع كبر، ومش هينفع يفضل مخبي أكتر من كده.
الصمت نزل على المكان كأنه حجر.
أمي وقفت مكانها، ووشها فقد لونه.
أبويا بص لها بذهول
إيه اللي بيتقال ده؟
حاولت أمي تاخد الموبايل بسرعة، لكن هناء كانت أسرع.
مسكت الهاتف، وأعادت تشغيل الرسالة مرة تانية.
المرة دي الكل سمعها بوضوح.
سارة بصت لأمي وقالت
يعني حضرتك كنتِ بتخبي عنها حاجات؟
أمي بدأت تدافع عن نفسها
لا... الموضوع مش زي ما فاكرين! أنا كنت بحمي البيت!
هناء ضحكت ضحكة قصيرة حزينة.
تحميني؟ ولا تتحكمي في حياتي؟
أنا كنت واقف مش قادر أرفع عيني من الأرض.
لأول مرة حسيت إن كل الأكاذيب اللي بنيتها بدأت تقع واحدة وراء الثانية.
خالد قرب من هناء وقال
في حاجة تانية لازم تعرفيها.
فتح ملفه، وطلع ورقة جديدة.
دي إفادة من الجيران... بتثبت إن مدام هناء كانت مقيمة هنا طول السنين، وكانت هي اللي بتدير كل شؤون البيت، بعكس الكلام اللي اتقال عنها.
سارة نظرت لي وقالت
يعني حتى صورتها قدامي كانت مختلفة عن الحقيقة؟
قبل ما أرد...
هناء رفعت يدها وقالت
أنا مش عايزة حد يشفق عليا.
ثم بصت لي مباشرة
أنا بس عايزة أعرف إجابة سؤال واحد.
سكتت الصالة كلها.
وقالت
لو أنا ما اكتشفتش... كنت ناوي تخبرني إمتى؟
السؤال نزل عليا أثقل من أي اتهام.
ولأول مرة...
ما لقيتش كذبة أهرب بيها.
لكن قبل ما أتكلم، دخل اتصال جديد على هاتف خالد.
بص للشاشة، وملامحه اتغيرت.
قال
المكالمة دي لازم تردوا عليها كلكم...
ثم ضغط زر الإجابة.
وبعد ثوانٍ فقط، سمعنا صوت شخص لم يتوقع أحد أن يتكلم في هذه اللحظة...
يتبع...هناء فضلت تبص في الملف دقيقة كاملة من غير ما تنطق.
كلنا كنا مستنيينها تتكلم.
أمي قالت بقلق
في إيه يا بنتي؟
هناء رفعت الورقة الأولى، وقالت بصوت هادي
دي... مراسلات قديمة من الشركة.
بصيت للملف وأنا بحاول أشوف اللي فيه، لكنها قفلته بسرعة.
خالد قال
اقري اللي تقدري تقريه قدام الكل.
تنهدت هناء، وفتحت صفحة تانية.
واضح إن الشركة كانت باعت أكتر من خطاب على عنوان البيت خلال الشهور اللي فاتت... لكن ولا واحد وصل لإيدي.
سكتت لحظة، ثم بصت ناحية أمي.
أمي ارتبكت وقالت بسرعة
أنا... أنا معرفش حاجة عن خطابات.
لكن هناء لاحظت إن في آخر الملف توقيعًا باستلام بعض المراسلات.
قالت وهي بتقلب الصفحة
الغريب... إن في حد كان بيستلمها.
كل الموجودين حاولوا يشوفوا التوقيع.
لكن الخط كان غير واضح.
في اللحظة دي، ممثل الشركة قال
إحنا معانا نسخة أوضح في الإدارة، ولو احتاجتها اللجنة هتظهر.
سارة كانت قاعدة ساكتة تمامًا.
بعدين رفعت رأسها وقالت
أنا مش فاهمة... من أول اليوم وكل دقيقة بتكشف حاجة جديدة.
هناء قفلت الملف، وحطته قدامها.
وقالت بهدوء
وأظن... لسه في حاجات أكتر.
قبل ما حد يرد...
الموبايل اللي على الترابيزة اهتز.
كان موبايل أمي.
بصت للشاشة، واتغير لون وشها.
حاولت تقف وتقفل المكالمة، لكن أبويا لمح الاسم المكتوب.
وقال باستغراب
مين الأستاذ فؤاد... وليه بيتصل دلوقتي؟
أمي ارتبكت وقالت
رقم غلط.
لكن الموبايل رن مرة تانية... ومرة تالتة.
وفجأة وصلت رسالة صوتية ظهرت على الشاشة.
وقبل ما أمي تلحق تمنعها...
ضغط الطفل الصغير ابن أختي، اللي كان بيلعب بالموبايل، على زر التشغيل.
وانطلق صوت الرسالة في الصالة كلها...
يتبع...ضغط خالد زر الإجابة، ورفع الهاتف على السماعة.
جاء صوت رجل كبير في السن
مساء الخير يا أستاذ خالد... أنا اتصلت عشان أقول الحقيقة قبل ما الأمور تزيد.
أنا حسيت إني أعرف الصوت...
لكن ماقدرتش أحدده.
خالد قال
اتفضل يا حاج، الكل سامعك.
سكت الرجل لحظات، ثم قال
أنا جار هناء من زمان... وشوفت بعيني كل اللي حصل.
هناء رفعت رأسها باستغراب.
عمّي محمود؟
قال الرجل
أيوه يا بنتي... أنا كنت ساكت، لكن بعد اللي حصل النهارده مقدرتش أفضل ساكت.
أمي بدأت تتحرك بتوتر
هو ليه كل الناس فجأة عايزة تتكلم؟
لكن عم محمود كمل
أنا شفت هناء وهي بتتعب وتخدم البيت، وشفت جوزك وهو بعيد عنها بالشهور. وشفت كمان اليوم اللي جت فيه ورقة مهمة من شغله.
بصيت ناحية خالد بسرعة.
ورقة إيه؟
قال عم محمود
ورقة كانت ممكن تغير كل حاجة.
هناء قربت من الهاتف وقالت
إيه الورقة دي يا عم محمود؟
سكت قليلًا، ثم قال
كان فيها إن الشركة عرضت عليك يا باشمهندس نقل شغلك للقاهرة من زمان... وإنك كنت تقدر ترجع تعيش مع مراتك بدل الغربة.
الصالة كلها اتجمدت.
سارة بصتلي بصدمة
يعني كان عندك اختيار؟
أنا فتحت بقي، لكن ماقدرتش أنطق.
أمي قالت بسرعة
لازم تفهموا الظروف...
لكن عم محمود قاطعها
الظروف حاجة... والاختيار حاجة تانية.
هناء نزلت عينيها للأرض، وكأنها كانت بتحاول تمنع دموعها.
ثم قالت بهدوء
يعني كل السنين دي... أنا كنت مستنية وعد ماكانش ناوي تنفذه؟
ماحدش رد.
وفجأة...
خالد فتح الملف الأخير، وقال
قبل ما أي حد يحكم... في معلومة أخيرة لازم تظهر.
طلع ورقة، ووضعها أمامي.
وقال
دي مش من الشركة... دي من شخص قريب منك جدًا.
نظرت للورقة...
ولما شفت التوقيع أسفلها، شعرت بصدمة أكبر من كل اللي حصل.
لأن الشخص الذي كتبها...
كان آخر شخص أتوقع أن يقف ضدي.
يتبع...فتح خالد الورقة ووضعها أمامي.
نظرت إلى التوقيع في أسفلها...
كان توقيع أمي.
سقطت الورقة من إيدي.
سارة شهقت
والدتك؟
هناء أخذت الورقة وبدأت تقرأ، وبعد لحظات أغلقت عينيها بألم.
كانت الورقة عبارة عن رسالة قديمة كتبتها أمي لأحد أقاربها، تطلب منه أن يساعدها في إقناعي بالبقاء في الغربة وعدم الرجوع للقاهرة، لأنها كانت تخاف أن أعيش مع هناء بعيدًا عنها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر سطر
لازم يفضل متعلق بالشغل هناك... هناء وجودها هنا أفضل لنا، لأنها اللي شايلة البيت.
ساد الصمت.
أمي بدأت تبكي وقالت
أنا غلطت... كنت أنانية. خفت أخسر ابني، فخسرت راحته وراحته مع مراته.
هناء لم ترد.
بصت لي فقط.
وفي عينيها كان فيه سؤال أكبر من كل الكلام.
قربت منها وقلت
أنا ظلمتك يا هناء... مش بس لما اتجوزت وخبيت، لكن لما صدقت إن تعبك واجب عليك، وإن وجودك في حياتي شيء مضمون.
سارة قامت ببطء، وقالت
وأنا كمان كنت ضحية كذبتك. دخلت بيت وأنا فاكرة إني ببني حياة جديدة، لكن اكتشفت إني دخلت على حياة موجودة من زمان.
وضعت يدها على بطنها وقالت
الطفل ده ملوش ذنب في أي حاجة... لكن أنا محتاجة وقت أفكر.
ثم نظرت لي وقالت
مش هكون جزء من ظلم حد.
بعدها خرجت مع أهلها الذين وصلوا ليأخذوها.
أما هناء...
فلم تطلب انتقامًا، ولم ترفع صوتها.
قالت فقط
أنا مش زعلانة إنك اخترت غيري... أنا زعلانة إنك خليتني أعيش سنين وأنا فاكرة إني زوجة، وأنا في الحقيقة كنت مجرد شخص بيخدم الكل.
مرت الأيام.
بدأت أتحمل نتيجة قراراتي.
اعتذرت لأهلي، واعتذرت لهناء، وحاولت أصلح ما أفسدته، لكن هناء لم تعد نفس المرأة التي كانت تنتظرني عند الباب.
هذه المرة كانت تهتم بنفسها، رجعت تزور أهلها، وبدأت تعيش لنفسها بعد سنين من العطاء.
وبعد فترة طويلة، جلست معها آخر جلسة.
قلت لها
لو الزمن رجع بيا، كنت اختارتك من أول يوم.
ابتسمت بحزن وقالت
المشكلة يا
أحمد... إن بعض الاختيارات لما نعرف قيمتها، بيكون الوقت فات.
وقفت، وتركتني أفكر في كل شيء ضيعته بيدي.
أما هناء...
فبدأت حياة جديدة، ليس لأنها نسيت الألم، ولكن لأنها أخيرًا عرفت أن قيمتها لم تكن مرتبطة بكونها زوجة أحد...
بل لأنها إنسانة تستحق التقدير.
النهاية