طلبت مني

لمحة نيوز

وبقى يشتغل ويعتمد على نفسه.
الكلام كان بيريح قلبي.
ولأول مرة من سنين...
حسيت إن فيه حد فاهم فعلًا إحساسنا من غير ما أشرح.
وفجأة...
خبط خفيف على الباب.
دخل مدير الفندق، وكان ماسك ظرف أبيض.
قال للراجل
يا فندم... وصل الرد.
الراجل فتح الظرف بسرعة، وقرا الورقة.
وفجأة ابتسم ابتسامة كبيرة.
بص ناحيتنا وقال
واضح إن ربنا بعتكم الفندق ده لسبب.
أنا اتلخبطت وسألته
يعني إيه؟
طوى الورقة بهدوء، وحطها قدامه على المكتب.
وقال
القرار اللي فيها... هيكون مفاجأة كبيرة ليكم، لكن قبل ما أقوله، لازم تعرفوا حاجة حصلت من ساعة قليلة... والسبب فيها الشخص اللي اشتكى من آدم.
ثم مد إيده ناحية الورقة، وقال
لما تسمعوا اللي مكتوب هنا... هتفهموا ليه الموقف كله اتغير مدّ الراجل الظرف ناحيتي وقال
اقري بنفسك.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الورقة.
لقيت في أولها شعار الفندق، وتحتها سطر مكتوب بخط واضح
قرار الإدارة العامة.
لكن قبل ما أكمل، الراجل قال
اسمحيلي أوضح الأول.
قعد على الكرسي وقال
الست اللي حصل معاها الموقف النهارده مش أول مرة تعمل كده.
أنا استغربت.
قال
آخر ست شهور، وصلتنا أكتر من شكوى منها. مرة اشتكت من طفل عنده متلازمة داون لأنه كان بيغني بصوت عالي، ومرة طلبت تغيير مكان أسرة كاملة لأن ابنهم كان بيستخدم كرسيًا متحركًا.
أحمد قال بدهشة
وكنتم بتعملوا إيه؟
رد المدير
كنا بنحاول نحل المواقف بهدوء، لكن النهارده الموضوع كان مختلف... لأن كل حاجة موثقة بالفيديو والصوت.
فتح الراجل الورقة وقال
الإدارة العامة راجعت التسجيلات بالكامل.
ابتلعنا ريقنا في توتر.
ثم أكمل
واتخذت قرارًا بإلغاء باقي إقامة النزيلة، مع رد قيمة الليالي غير المستخدمة، لأنها خالفت سياسة الفندق الخاصة بعدم التمييز والإساءة للنزلاء.
ساد الصمت.
أنا ما كنتش متوقعة إن الأمور توصل لكده.
قلت بسرعة
إحنا والله ما كناش عايزين حد يمشي بسببنا.
ابتسم الراجل وقال
هي ما مشيتش بسببكم... هي مشيت بسبب تصرفاتها.
في اللحظة دي، خبط الباب.
دخل موظف الاستقبال وقال
يا فندم... الأسرة دي بره.
استغربنا.
المدير قال
مين؟
رد الموظف
الأسرة اللي ابنهم كان بيلعب مع آدم.
سمح لهم بالدخول.
دخل الأب والأم ومعاهم الولد الصغير.
أول ما شاف آدم، جري عليه وقال
هتنزل الميه معايا بكرة؟
آدم ابتسم لأول مرة من ساعة اللي حصل، وهز راسه بالموافقة.
الأب بص لنا وقال
أنا بس دخلت أشكركم.
استغربت وقلت
تشكرنا على إيه؟
ابتسم وقال
ابني كان طول عمره بيخاف يقرب من أي طفل مختلف عنه... النهارده رجع يقولي بابا، آدم صاحبي.
الأم مسحت دموعها وقالت
يمكن الدرس النهارده كان لولادنا كلهم... إن الاختلاف مش حاجة نخاف منها.
ساعتها حسيت إن الرحلة اللي بدأت بموقف مؤلم... اتحولت لذكرى عمرنا ما هننساها.
ولسه كان فيه موقف أخير حصل تاني يوم الصبح على شاطئ الفندق... خلّى كل النزلاء يقفوا يسقفوا لآدم، من غير ما حد يطلب منهم تاني يوم، آدم صحاني بدري على غير عادته.
كان واقف جنب السرير، لابس المايوه، وماسك عوامته.
قال بهدوء
ماما... البحر.
ابتسمت، ولبسنا بسرعة، ونزلنا قبل ما الزحمة تبدأ.
الشاطئ كان هادي.
الموج خفيف، والهوا جميل.
آدم كان ماشي على الرمل، وكل شوية يقف يبص للموج ويرجع يبتسم.
فجأة...
شاف سلحفاة بحرية صغيرة كانت الأمواج راميّاها قريب من الشاطئ.
الناس افتكرت إنها ماتت.
فيه أطفال قربوا منها، وواحد كان هيشيلها بطريقة غلط.
لكن آدم جري بسرعة.
وقف قدامها، ومد إيده يمنع الولد من لمسها، وهو بيقول بصوت منخفض
استنى...
أنا خفت يكون هيعمل حاجة.
لكن اتفاجئت إنه قعد على ركبته، وبقى يبص للسلحفاة من غير ما يلمسها.
بعد ثواني، أشار ناحية موظف الإنقاذ.
المنقذ جه يجري.
بص على السلحفاة، وقال بدهشة
دي لسه عايشة... ولو حد كان مسكها بالطريقة دي كانت ممكن تتأذى.
كلم فريق الشاطئ، وجابوا صندوق مخصص، وبعد فحص سريع، رجعوها للبحر بالطريقة الصحيحة.
المنقذ بص لآدم وقال قدام كل الناس
الولد ده أنقذها.
بدأ الناس اللي كانوا متجمعين يبتسموا.
واحدة من السيدات قالت
سبحان الله... امبارح كانوا فاكرينه هو المشكلة، والنهارده هو اللي حل المشكلة.
الأطفال اللي لعبوا معاه امبارح جروا عليه.
وقالوا بصوت واحد
برافو يا آدم!
وفجأة...
بدأ واحد من النزلاء يسقف.
وبعده واحد تاني.
وخلال ثواني...
الشاطئ كله كان بيسقف.
آدم وقف مكانه مستغرب.
بصلي، وسأل بصوت واطي
هم... بيسقفولي أنا؟
حسيت دموعي هتنزل.
حضنته وقلت
أيوه يا حبيبي... بيسقفولك أنت.
ابتسم ابتسامة واسعة، يمكن أجمل ابتسامة شفتها على وشه.
وفي اللحظة دي، المدير كان واقف بعيد بيتابع المشهد، ابتسم وقال لأحمد
فيه أطفال بيغيروا المكان بمجرد وجودهم... وآدم واحد منهم.
رجعنا البيت بعد انتهاء الإجازة، لكن اللي حصل في الفندق فضل معانا.
مش لأن الناس صفقت...
لكن لأن آدم رجع وهو حاسس، لأول مرة من زمان، إن الناس شافته كما هو... طفل يستحق الحب والاحترام، قبل أي وصف أو تشخيص بعد ما رجعنا البيت بأسبوع...
كنت برتب شنط السفر، ولقيت آدم مطلع صورة كان مصورّها موظف الفندق وهو واقف على الشاطئ والناس بتسقفله.
فضل يبصلها شوية...
وبعدين حطها في أوضة الأطفال، فوق مكتبه الصغير.
سألته
حطيتها هنا ليه يا آدم؟
ابتسم وقال
علشان لما أزعل... أفتكر إن فيه ناس بتحبني.
الجملة دي كسرتني.
لأنها خلتني أدرك قد إيه كلمة حلوة أو تصرف محترم ممكن يفضل مع الطفل سنين.
بعدها بأيام...
رن تليفوني.
كان مدير الفندق.
سلّم عليّ وقال
إحنا عاملين يوم ترفيهي للأطفال الشهر الجاي، وفيه أنشطة مخصصة للأطفال ذوي التوحد وذوي الاحتياجات الخاصة. لو تحبوا تشرفونا، هنكون سعداء جدًا بوجود آدم.
شكرتُه من قلبي.
ولما قفلت، قلت لآدم
تحب نروح؟
رد من غير تفكير
آه... علشان هشوف صحابي.
وفعلًا، رحنا.
وأول ما دخلنا الفندق...
اتفاجأنا إن الأطفال اللي اتعرف عليهم في الإجازة أول ما شافوه جريوا عليه.
حد حضنه.
وحد ناداله باسمه.
وحد جابله كورة وقال
يلا يا آدم... مستنيينك.
وقفت أبص للمشهد وأنا مبتسمة.
افتكرت اليوم الأول...
لما كان واقف
لوحده في حمام السباحة، والناس بتبصله باستغراب.
ودلوقتي...
بقى داخل المكان، والناس بتناديه باسمه.
وقتها فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت في آدم...
المشكلة كانت في بعض الناس اللي بتحكم قبل ما تعرف.
أما اللي عرفوه عن قرب...
فاكتشفوا إنه طفل، قلبه أنضف من ناس كتير، وكل اللي كان محتاجه فرصة... مش شفقة.
تمت.

تم نسخ الرابط