الخدامه

لمحة نيوز

الخدامة دي إزاي تبص في عيني وأنا صاحبة البيت المستقبلية؟!
قالتها ياسمين الجوهري بصوت عالي، من غير ما يفرق معاها إن اتنين من الجرسونات، والشيف الكبيرة، وكل اللي في المطبخ سمعوا كلامها.
ندى السيوفي ما وطّتش عينها.
كملت ترص كاسات الكريستال على سفرة السفرة الكبيرة بهدوء، بنفس الهدوء اللي اشتغلت بيه طول حداشر شهر في فيلا عيلة المنشاوي في التجمع الخامس.
ندى عندها تسعة وعشرين سنة، وكانت عارفة إن أخطر الناس مش دايمًا اللي بيعَلّوا صوتهم... ساعات بيبقوا اللي بيبتسموا وهم بيذلوا غيرهم، عشان متأكدين إن محدش هيوقفهم.
بالنسبة لأهل البيت، ندى مجرد شغالة محترمة، ببدلتها النبيتي، بتصحى قبل الكل تعمل القهوة، وتفكر الحاج عبدالرحمن المنشاوي بمعاد دواه، وتدخل وتطلع من أي أوضة من غير ما حد يحس بيها.
لكن محدش كان يعرف إنها، قبل ما تمسك فوطة التنضيف، قضت تمان سنين كاملة شغالة في الحراسات الخاصة وتأمين الشخصيات المهمة.
ولا حد كان يتخيل إنها تقدر توقع أي واحد على الأرض في ثواني... ولا إن السبب اللي خلاها تسيب الشغلانة دي كان ليلة لحد النهارده بتصحى منها مفزوعة.
قبلت تشتغل في الفيلا لأنها كانت نفسها تعيش حياة هادية... من غير صفارات، ولا دم، ولا أجهزة لاسلكي.
وكان لازم كمان تدفع مصاريف علاج أمها اللي كانت بتتعالج في طنطا.
كانت نفسها إيديها تبقى بتساعد الناس... مش بتأذيهم.
أما كريم المنشاوي، ابن أربعة وتلاتين سنة، فكان ماسك شركة المقاولات والاستثمار العقاري اللي ورثها عن أبوه.
وعلى عكس ياسمين، كان بيعامل كل اللي في البيت باحترام.
يعرف أسماء الجنايني والسواقين والعمال، وماينساش يقول متشكر لأي حد.
ولما كان بيرجع متأخر من الشغل في العاصمة الإدارية، كان ساعات يلاقي ندى قاعدة بتحضر طلبات اليوم اللي بعده.
في الأول كانوا بيتبادلوا كلمتين...
بعدها بقوا يتكلموا في حاجات عمرهم ما قالوها لحد.
كريم كان بيحكي عن إحساسه بالذنب إنه مش بيقعد مع جده وقت كفاية.
وندى كانت بتحاول تداري خوفها إنها ترجع للشخص اللي كانت عليه زمان.
والاتنين كانوا حاسين بوحدة غريبة... رغم إن البيت فيه أكتر من عشرين أوضة.
ياسمين لاحظت كل ده.
شافت إن كريم بيضحك مع ندى ضحكة حقيقية، وبيسمع رأيها باهتمام.
ومن يومها، قررت تحوّل حياة البنت لجحيم.
كل يوم تديها شغل خلصته أصلًا وتخليها تعيده.
ترمي ميك أب على الفوط النضيفة وتتهمها بالإهمال.
وتتكلم عن العاملين في البيت كأنهم قطع عفش.
كان فاضل تلات أسابيع على حفلة الخطوبة.
حفلة ضخمة هتتعمل في فيلا العيلة الكبيرة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي.
أكتر من تلتمية مدعو...
رجال أعمال...
مسؤولين كبار...
إعلاميين...
وأقارب عمرهم ما يفتكروا العيلة غير وقت الفلوس والميراث.
في يوم، ياسمين دخلت مكتب الحاج عبدالرحمن، ولمحت ملف التعيين بتاع ندى.
كل الورق كان ممتاز...
تزكيات محترمة...
لكن كان فيه فراغ غريب مدته كام سنة...
ومجرد شهادة من شركة حراسات خاصة قفلت من سنين.
ابتسمت وهي قفلت الملف.
وفي نفس الليلة استنتها في الطرقة وسدت عليها السكة.
قالت وهي بتبصلها بتشفي
كنت حاسة إنك مخبية حاجة... وأقسم بالله هعرفها قبل ما أتجوز كريم.
ندى ردت بهدوء
أنا لا باخد مكان حد... ولا عايزة حاجة من حضرتك.
ياسمين قربت منها وقالت بنبرة كلها تهديد
يوم الخطوبة... هخليكي تعرفي مقامك قدام الناس كلها.
ندى افتكرت كلام مدربتها القديمة
أقوى إنسان... هو اللي يبقى قادر يدمر اللي قدامه، ويختار ما يعملش كده.
تاني يوم الصبح، حطت هدومها في شنطة صغيرة جوه الدولاب بتاعها.
كانت خدت قرارها...
أول ما حفلة الخطوبة تخلص...
هتقدم استقالتها وتمشي من غير ما تبص وراها.
لكنها ماكنتش تعرف...
إن ياسمين كانت محضرة لها إهانة قدام كل الضيوف.
ولا حد في الفيلا كان يتخيل...
إن اللي هيحصل بعد ساعات...
هيقلب حياة الكل رأسًا على يوم الخطوبة بدأ من الفجر.
العاملين في الفيلا كانوا بيجروا في كل اتجاه.
الورد بيتعلق.
الإضاءات بتتراجع.
والشيفات بيجهزوا آخر تفاصيل البوفيه.
أما ندى... فكانت بتشتغل بهدوء كعادتها.
كأنها نسيت تهديد ياسمين.
لكن الحقيقة إنها ما نسيتش ولا كلمة.
كانت بس قررت إنها تخلص اليوم من غير مشاكل... وتمشي للأبد.
الساعة بقت سبعة مساءً...
العربيات الفخمة بدأت تدخل واحدة ورا التانية.
رجال أعمال معروفين.
مذيعين.
نواب.
وأفراد من عائلات كبيرة.
كل واحد بيسلم على الحاج عبدالرحمن بابتسامة... وفي عينه حسابات تانية.
كريم كان واقف يستقبل الضيوف، لابس بدلته الكحلي، لكن ملامحه ما كانتش مرتاحة.
كان بيدور بعينه على ندى كل شوية...
ولما لمحها شايلة صينية العصاير، قرب منها وقال بصوت واطي
إنتِ واقفة من الصبح... ارتاحي عشر دقايق.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
أنا كويسة يا فندم.
قبل ما يرد...
ظهر صوت ياسمين من بعيد.
ندى!
لفت كل الرؤوس.
تعالي هنا.
مشيت ندى بهدوء لحد ما وقفت قدامها.
ياسمين كانت مبتسمة...
بس ابتسامتها كانت تخوف.
قالت قدام مجموعة من الضيوف
بصي كويس... الكاسات دي فيها بصمات.
مسكت واحدة ورفعتها.
هو ده مستوى الشغل؟
ندى أخدت الكاس بهدوء...
بصت فيه.
وقالت
الكاس متلمع يا هانم.
ياسمين ضحكت بصوت عالي.
يعني أنا بكدب؟
بدأ بعض الضيوف يبصوا عليهم.
واحدة من السيدات همست
واضح إن الخدامة قليلة الأدب.
ندى سكتت.
لكن كريم قرب وقال
خلاص يا ياسمين... سيبيها تكمل شغلها.
بصتله بضيق.
ولأول مرة قدام الناس قالت
إنت كل مرة تدافع عنها... ليه؟
المكان سكت.
كريم اتفاجئ من السؤال.
أما ندى فخطت خطوة لورا...
وحاولت تمشي.
لكن ياسمين شدت الصينية من إيديها بعنف.
الصواني اتقلبت.
أكواب الكريستال اتكسرت على الأرض.
وصوت التكسير دوّى في القاعة كلها.
في اللحظة دي...
ياسمين صرخت وهي بتشاور على ندى.
شفتوا؟! دي خدامة مستهترة... وبتبوظ حاجات بمئات الآلاف!
وقبل ما ندى تنطق بحرف...
دخل أحد أفراد الأمن الداخلي يجري من ناحية الباب الرئيسي وهو بيصرخ
اقفلوا البوابات حالًا!
كل الموجودين لفوا ناحية الصوت.
الراجل كان وشه شاحب.
ونَفَسه مقطوع.
قال بصعوبة
في عربية سودة كسرت البوابة الخارجية... وفي ناس مسلحين نزلوا منها!
في ثانية واحدة...
القاعة كلها اتحولت من حفلة خطوبة...
إلى حالة ذعر.
الستات بدأت تصرخ.
والرجالة وقفت مكانها مش فاهمة تعمل إيه.
أما ندى...
فأول ما سمعت كلمة مسلحين...
اتغيرت ملامحها بالكامل.
اختفت نظرة الخادمة الهادية...
ورجعت النظرة اللي حاولت تدفنها من سنين.
رفعت عينيها بسرعة على مخارج الفيلا...
وعدّت عدد الأشخاص...
وبدأت تتحرك بثبات.
لكن ياسمين وقفت قدامها وهي فاكرة إنها بتحاول تهرب.
وقالت باستهزاء
رايحة فين؟ اقفي مكانك... الحساب لسه ما خلصش.
ندى بصتلها للمرة الأولى بنظرة مختلفة تمامًا...
نظرة خلت ياسمين تتجمد مكانها.
ثم قالت بهدوء مخيف
لو فضلتي واقفة قدامي عشر ثواني كمان... مش هيكون عندك وقت تندمي.
وفي نفس اللحظة...
دوّى صوت أول طلقة نار من خارج الفيلا...أول طلقة دوّت...
وبعدها بثانيتين...
اتكسر الزجاج الضخم اللي بيطل على الجنينة، وتناثرت الشظايا في كل اتجاه.
الصرخات علت.
الضيوف جَرَوا يستخبوا ورا الترابيزات والأعمدة.
الحرس اللي على البوابة حاولوا يردوا، لكن واضح إن اللي برا كانوا مجهزين كويس.
كريم اندفع ناحية جده.
جدو... بسرعة!
أما الحاج عبدالرحمن فكان واقف مكانه، مذهول.
في اللحظة دي...
ندى تحركت.
مش جري.
ولا ارتبكت.
اتحركت بخطوات ثابتة، كأنها عارفة كل ثانية هتحصل بعدها.
خطفت جهاز اللاسلكي من إيد فرد الأمن اللي كان واقع على الأرض.
ضغطت الزر وقالت بنبرة حازمة
كل أفراد الأمن يسمعوني... اقفلوا الممر الشرقي فورًا. ماحدش يطلع الجنينة. التهديد الأساسي من المدخل الأمامي.
العسكري بص لها باستغراب.
إنتِ... إنتِ مين؟
لكنها ما ردتش.
كانت بتراقب انعكاس الإزاز المكسور بدل ما تبص على الباب مباشرة.
وفجأة صاحت
انبطحوا!
في نفس اللحظة...
رصاصتين اخترقوا المكان من خلال الشباك.
ولو كانوا فضلوا واقفين...
كانت الرصاصات هتصيب أكتر من شخص.
كريم بص لها بصدمة.
إنتِ عرفتي إزاي؟
ندى ردت من غير ما تلتفتله
اللي برا استخدم الإزاز عشان يشوف حركتنا.
ثم أمسكت بطفلة صغيرة كانت بتعيط وسط الزحمة، وسلمتها لأمها.
ادخلوا المخزن الداخلي... واقفلوا الباب

تم نسخ الرابط