الخدامه

لمحة نيوز

إنها جثته.
ودفنوها.
ومن يومها وهي عايشة بإحساس الذنب.
لكن...
لو سامي بيقول الحقيقة...
يبقى مين اللي اتدفن؟
قطع شرودها صوت الحاجبة الكبيرة.
يا آنسة ندى... الشرطة وصلت.
خلال دقائق...
دخل ضباط المباحث.
بدأوا يعاينوا المكان ويسألوا الشهود.
لكن ندى كانت واقفة بعيد.
عارفة إن أي دقيقة هتضيع...
هتبعدها عن الحاج عبدالرحمن.
أحد الضباط قرب منها.
حضرتك آخر واحدة كلمت الخاطف؟
قبل ما ترد...
كريم تدخل.
أي معلومات عندها هتقولها... لكن دلوقتي أهم حاجة ننقذ جدي.
الضابط هز رأسه.
إحنا هنتصرف.
ندى بصت له نظرة سريعة.
وعرفت من نبرته...
إنهم لسه فاكرين إنها حادثة خطف عادية.
لكن دي ما كانتش عادية.
دي كانت حرب قديمة...
راجعة تكمل.
بعد أقل من عشر دقائق...
خرجت ندى من باب الخدمة الخلفي في هدوء.
كانت لابسة جاكيت أسود فوق هدوم الشغل.
وشدت شعرها لورا.
كأن الشخصية القديمة بدأت ترجع من جديد.
لكن أول ما وصلت لعربيتها القديمة...
اتفاجئت بكريم واقف مستنيها.
رماها بمفتاح عربيته.
هنروح سوا.
ندى رجعتله المفتاح.
لا.
ليه؟
لأن اللي هناك مستنيني أنا.
وأنا مش هسيب جدي.
ندى بصتله بثبات.
ولو جيت... أول واحد هيموت هو.
سكت.
لكن بعد لحظة قال
يبقى مش هتعرفي تمنعني.
وقبل ما ترد...
سمعوا صوت محرك عربية اشتغل.
لفوا بسرعة.
سيارة سوداء كانت واقفة على آخر الشارع.
وفجأة...
نورها العالي اشتغل.
ثم اتحركت بأقصى سرعة ناحية بوابة الفيلا.
ندى صرخت
ابعدوا!
قفزت هي وكريم بعيدًا.
السيارة اخترقت البوابة الحديدية...
لكنها ما كملتش.
وقفت في منتصف الحديقة.
ثانيتين...
ثلاثة...
ولا حد نزل منها.
الكل وقف يراقب في صمت.
ندى قربت ببطء.
كل خطوة كانت محسوبة.
ولما وصلت لباب السواق...
فتحته بسرعة.
لكن المقعد كان فاضي.
مافيش سواق...
ولا أي راكب.
الشيء الوحيد الموجود...
كان صندوق معدني صغير.
وعليه ورقة مكتوب فيها
اتأخرتي سبع دقايق... ولسه قدامك تلاتة وخمسين دقيقة.
ندى فتحت الصندوق بحذر.
جواه ساعة يد قديمة.
عرفتها فورًا.
كانت ساعة أخوها عمر...
الساعة اللي كانت الشرطة قالت إنها اتحرقت معاه.
لكن اللي جمد الدم في عروقها...
إن عقارب الساعة كانت شغالة.
ولما قلبتها...
لقيت منقوش على ظهرها تاريخ جديد...
تاريخ من أسبوع واحد فقط.
يعني...
حد كان لابس الساعة دي قريب جدًا.
وده معناه إن الحقيقة اللي كانت مستحيلة...
قد تكون أقرب مما تخيلت. يتبع...ندى قبضت على ساعة أخوها بقوة.
ثم رفعت رأسها، ونظرت إلى كريم.
قالت بهدوء
لو رجعت... هتعرف الحقيقة كلها.
رد كريم من غير تردد
ولو ما رجعتِش... هرجعك.
ابتسمت لأول مرة منذ بداية الليلة.
ثم استقلت السيارة وانطلقت وحدها إلى المنطقة الصناعية القديمة.
بعد أربعين دقيقة...
وقفت أمام مبنى مهجور، وعلى بابه لوحة صدئة مكتوب عليها
المخزن 17.
كان المكان ساكنًا بشكل مخيف.
دخلت بخطوات ثابتة.
وفجأة...
اشتغلت الأنوار.
ظهر سامي واقفًا في منتصف المخزن.
وبجانبه الحاج عبدالرحمن، مقيدًا لكنه سليم.
قال سامي
عرفتِ توصلي.
ندى نظرت حولها.
فين عمر؟
ابتسم سامي بحزن.
إنتِ لسه مصدقة إنه عايش؟
تجمدت مكانها.
رمى لها ملفًا قديمًا.
فتحته بسرعة.
كان يحتوي على صور... وتقارير... وأوامر رسمية.
الحقيقة كانت أقسى مما تخيلت.
في ليلة الحريق قبل تسع سنوات...
أخوها عمر لم يمت بسبب النار.
بل ضحى بنفسه ليمنع انفجارًا أكبر بعدما اكتشف شبكة فساد كانت تستغل مخازن الشركة لتهريب أسلحة ومستندات مزورة.
والشخص الذي أبلغ السلطات وقتها...
كان الحاج عبدالرحمن.
لكن حفاظًا على أسر الضحايا، وعلى سمعة البلد، تم إخفاء تفاصيل العملية بالكامل.
أما سامي...
فكان شقيق أحد المتورطين، واعتقد طوال تلك السنوات أن عبدالرحمن هو من تسبب في مقتل أخيه، فعاش مدفوعًا بالانتقام دون أن يعرف الحقيقة كاملة.
قرأ سامي آخر صفحة.
تغيرت ملامحه.
بدأت يداه ترتجفان.
همس
يعني... أخويا كان واحد من العصابة؟
أجابه الحاج عبدالرحمن بصوت متعب
حاولت أوصلك الحقيقة سنين... لكنك كنت بتجري ورا الانتقام.
ساد صمت طويل.
ثم أنزل سامي سلاحه.
نظر إلى ندى وقال
ضيعت عمري وأنا بحارب الشخص الغلط.
في تلك اللحظة...
وصلت سيارات الشرطة التي كان كريم قد أرسلها بعد أن تتبع إشارة سيارة ندى.
حاصروا المخزن من كل الجهات.
سامي لم يقاوم.
وضع مسدسه على الأرض، ومد يديه ليستسلم.
وقبل أن يقتادوه، التفت إلى ندى وقال
أخوكي مات بطل... وأنا حولت بطولته لكابوس. سامحيني لو قدرتِ.
بعد عدة أشهر...
تعافى الحاج عبدالرحمن.
وأعلن أمام العائلة والموظفين أن ندى ليست مجرد عاملة، بل صاحبة فضل في إنقاذ حياته وحياة عشرات الضيوف.
أما ياسمين...
فانكشف للجميع غرورها وطريقتها في معاملة العاملين.
أنهى كريم خطبته منها بهدوء، بعدما أدرك أن الاحترام أهم من المظاهر.
أما ندى...
فعادت إلى عملها في مجال الحماية، لكن هذه المرة أسست شركة صغيرة لتدريب حراس الأمن، وكانت تخصص جزءًا من دخلها لعلاج والدتها ومساعدة الشباب على تعلم المهنة بطريقة شريفة.
وفي يوم الافتتاح...
وقف كريم أمامها وقال مبتسمًا
المرة دي... مش هطلب منك تشتغلي عندنا.
سألته وهي تبتسم
أمال هتطلب إيه؟
قال
أطلب فرصة... نبدأ حياتنا من جديد، من غير أسرار، ومن غير فرق بين صاحب بيت وخدامة... لأن اللي بيصنع قيمة الإنسان عمره ما كان منصبه، لكن أخلاقه.
ابتسمت ندى، ومدت يدها إليه.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعرت أن الماضي انتهى فعلًا، وأن الحياة منحتها بداية تستحقها. تمت.

تم نسخ الرابط