كنت شايله بنتي
كنت شايلة بنتي الرضيعة لما حماتي بصتلي ببرود وقالت خديها وامشي من بيتي. فضلت أعيط ومش قادرة أستوعب اللي بيحصل... لكن جوزي مسك إيدي وقال جملة عمري ما هنساه الطفلة عمرها ما المفروض تثبت إنها تستحق الحماية. وقتها ماكنتش أعرف إن القرار ده هيكشف سر متخبي من يوم ما اتولد هو نفسه.
بنتي ليان كان عندها 13 يوم بس، لما حماتي سهير طردتنا من بيتها في عز أسوأ عاصفة مطر شافتها القاهرة الصيف ده.
ليان كانت قلقانة من بعد الضهر، لكن مع دخول الليل لونها بدأ يصفر بشكل غريب، وشفايفها نشفت، وعيطها بقى ضعيف جدًا، كأنه طالع بالعافية.
وأنا أصلًا كنت لسه خارجة من عملية قيصرية، وكل خطوة كنت باخدها كانت بتشد على الجرح وتوجعني.
لفّيت ليان في بطانية قطن، ونزلت بيها تحت، وأنا كل أملي إن حماتي توافق توصلنا مستشفى الأطفال.
لكن سهير كانت قاعدة قدام التلفزيون بكل هدوء، ماسكة كباية شاي مثلج، ولا كأن في حاجة.
قلت لها وأنا بحاول أمسك نفسي
يا طنط سهير... في حاجة مش طبيعية عند ليان، وأنا مش هينفع أسوق بالعلاج اللي باخده. لو سمحتي وصلينا المستشفى.
بصتلها من بعيد، وبعدين بصتلي باحتقار وقالت
يا نهار أبيض... بقالك أقل من أسبوعين أم، وكل عيطة صغيرة عاملالها حالة طوارئ.
حاولت أشرح لها إن ليان تقريبًا مش رضعت، وجسمها سخن، ومن الصبح مبللتش غير حفاظة واحدة.
لكن كانت بتقاطعني مع كل كلمة، وتتهمني إني ببالغ علشان ألفت الانتباه.
إحنا أصلًا كنا قاعدين عندهم إقامة مؤقتة تلات أسابيع، لحد ما شقتنا الجديدة تخلص تصليحات السباكة.
جوزي أحمد كان فاكر إن وجودنا عند أهله هيخليني أرتاح بعد الولادة وهو يخلص شغله.
لكن اللي حصل كان العكس.
سهير كانت بتعاملني كأني دخيلة على البيت... وتعامل بنتي كأنها خيبة أمل.
من وأنا حامل، وهي كل كلامها عن الولد اللي هيشيل اسم العيلة.
ولما عرفنا إن الجنين بنت، بطلت حتى تسأل عن الأوضة أو التجهيزات، وكانت كل شوية تقول
إن شاء الله المرة الجاية ربنا يرزقكم بولد.
ولما ليان عيطت تاني، قامت من مكانها بعصبية وقالت
اطلعي بيها فوق، أو امشي من هنا وروحي لأمك تصرف عليكم. لو مش عارفة تربي عيل واحدة، يبقى من الأول ماكنتيش جاهزة للخلفة.
قبل ما أرد عليها...
باب الشقة اتفتح.
أحمد دخل هدومه كلها مبلولة من المطر، لكن وشه كان هادي بشكل يخوف.
كان رجع بدري بعد ما قرا الرسالة اللي كنت باعتاهاله من حوالي أربعين دقيقة.
وقف قدام أمه وقال بهدوء
قولي اللي قولتيه تاني... وأنا واقف قدامك.
وشها اتغير فجأة، وقالت بنبرة أهدى
يا أحمد... مراتك بس متوترة بعد الولادة، وأنا كنت بحاول أفوقها.
قاطعها وهو بيحط إيده على جبين ليان.
أول ما لمسها، ملامحه اتبدلت.
لف بسرعة، جاب مفاتيح العربية، وطلع فوق.
في أقل من عشر دقايق كان لم هدومنا، وحفاظات ليان، واللبن، والأدوية، وكل أوراقنا في شنطتين.
وساعدني ألبس جاكيت ضد المطر.
سهير جريت وراه وهي بتزعق
إنت هتسيب بيت أهلك علشان مراتك الحساسة؟!
وقف عند الباب، وبصلها بهدوء غريب وقال
الأم اللي خارجة من عملية مش المفروض تستجدى الرحمة... والطفلة عمرها ما المفروض تثبت إنها تستحق الحماية. من اللحظة اللي خليتوا مراتي وبنتي يحسوا إنهم مش في أمان... البيت ده مبقاش بيتنا.
في اللحظة دي خرج والده الحاج محمود من أوضته، وقال بهدوء
استنوا للصبح بس... نتكلم بعقل.
بصله أحمد بحب، لكنه هز راسه وقال
يا بابا... طول عمري وإنت بتقولي اسكت علشان البيت يفضل هادي. بس السلام اللي بيتبني على سكوت المظلوم... مش سلام، ده سماح بالظلم.
ركبنا العربية وسط المطر، وروحنا مستشفى الأطفال.
بعد الكشف، الدكتور أكد إن ليان عندها صفراء شديدة وجفاف، ولازم تتحجز فورًا تحت العلاج الضوئي.
وقال لنا بمنتهى الجدية
لو كنتوا اتأخرتوا كمان شوية... كان ممكن يحصل مضاعفات خطيرة جدًا على المخ.
أحمد قعد جنب حضانة ليان، ودفن وشه بين إيديه وهو بيعيط لأول مرة أشوفه بالشكل ده.
الساعة كانت 314 الفجر...
موبايله رن.
كان أبوه.
رد عليه، فسمع صوته بيرتعش
يا أحمد... لازم أكلمك قبل ما أمك تحكي اللي حصل بطريقتها.
سكت ثانية، وكمل
في حاجة عن يوم ولادتك... كان لازم تعرفها من 32 سنة.
أحمد مسك إيدي بقوة وقال
هو في حاجة ممكن تبقى أسوأ من اللي حصل النهارده؟
جاله الرد...
بهمسة خلت الدم يتجمد في عروقنا
الست اللي طول عمرك فاكرها أمك... هي أصلًا مش اللي ولدتك وووو
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي على النبي أحمد فضل ساكت ثواني، كأنه مستوعبش الجملة.
بص لأبوه وقال بصوت منخفض
إنت بتقول إيه يا بابا؟
رد الحاج محمود وهو بيحاول يسيطر على ارتعاشة صوته
مش هينفع أقولها في التليفون... أنا جاي المستشفى.
وقفل الخط.
فضل أحمد ماسك الموبايل، وعينه على حضانة ليان، لكن عقله كان في مكان تاني.
بعد حوالي نص ساعة، وصل الحاج محمود.
كان شكله مرهق، وشعره كله مبتل من المطر، وفي إيده ظرف قديم لونه اصفر من الزمن.
أول ما قعد قدام أحمد، فضل ساكت دقيقة كاملة.
وبعدين قال
قبل ما أتكلم... لازم تعرف إن اللي هقوله عمره ما كان سببه إننا مش بنحبك.
أحمد رد بسرعة
يبقى سببه إيه؟
الحاج محمود تنهد وقال
سببه الخوف... وخطأ فضل مكبر مع السنين، لحد ما بقى مستحيل يتصلح.
مد إيده بالظرف.
الظرف ده مقفول من يوم ولادتك.
أحمد فتحه بإيده المرتعشة.
كان جواه صورة لطفل رضيع ملفوف في بطانية بيضا...
ومع الصورة، ورقة قديمة مختومة بختم مستشفى.
وقبل ما يقرأ أي كلمة، سمع صوت خطوات سريعة في الممر.
رفع رأسه...
ولقى سهير داخلة المستشفى.
وشها كان شاحب، وعينيها مليانين خوف لأول مرة.
أول ما شافت الظرف في إيد أحمد، صرخت بصوت عالي
محمود!... إنت وعدتني إن الورق ده عمره ما هيطلع!
لف أحمد ناحيتها ببطء.
وبصوت هادئ لكنه مخيف قال
يبقى فعلًا... في سر.
سهير قربت خطوة، وحاولت تاخد الظرف من إيده.
لكن أحمد رجع لورا وقال
ولا ورقة هتتحرك قبل ما أفهم الحقيقة كلها.
سهير بدأت تبكي، وقالت
لو عرفت الحقيقة... حياتنا كلها هتتغير.
وفي اللحظة دي...
خرج طبيب الأطفال من غرفة ليان، وهو بيدور بعينيه عليهم وقال
مين فيكم والد الطفلة؟
وقف أحمد بسرعة.
ابتسم الدكتور ابتسامة مطمنة وقال
الحمد لله... استجابت للعلاج أسرع من المتوقع.
الجميع تنفس الصعداء...
لكن الدكتور كمل وهو ماسك ملف ليان
بس أثناء مراجعة بيانات الأسرة، لاحظت حاجة غريبة في السجلات الطبية القديمة... حاجة خلتني أطلب من قسم الأرشيف يراجع ملف قديم جدًا.
أحمد عقد حاجبيه وقال
ملف مين؟
الدكتور بص له مباشرة وقال
ملف ولادتك... لأنه طلع مرتبط بنفس التاريخ الموجود في الورقة اللي في إيدك.
ساد صمت ثقيل...
وسهير أغمضت عينيها، وهمست بكلمات بالكاد خرجت من بين شفتيها
واضح إن السر... خلاص مستحيل يفضل مستخبي ساد صمت ثقيل بعد السؤال.
حتى صوت أجهزة المتابعة داخل غرفة ليان كان أوضح من أنفاسهم.
ثم قالت السيدة العجوز ببطء
اسمه... الدكتور فؤاد منصور.
شهق الحاج محمود وقال بسرعة
مستحيل... قالوا إنه سافر من زمان!
ردت السيدة
سافر فعلًا... لكنه رجع من شهرين بعد التقاعد. وهو آخر واحد كان موجود في قسم الولادة الليلة دي.
أحمد قبض على الهاتف بقوة.
هو يعرف الحقيقة؟
قالت
يعرف كل حاجة... لأنه هو اللي كتب الملاحظة الأخيرة في ملفك بإيده.
وقبل أن يكمل كلامه، انقطع الاتصال.
حاول أحمد يعاود الاتصال أكثر من مرة...
لكن الهاتف أصبح مغلقًا.
في صباح اليوم التالي...
كانت ليان بدأت