كنت شايله بنتي
المحتويات
تتحسن، واصفرارها قلّ تدريجيًا.
خرج الطبيب يطمئنهم وقال
الحمد لله، استجابتها ممتازة. هنكمل الملاحظة، ولو فضلت بنفس التحسن ممكن تخرج خلال يومين.
ابتسم أحمد لأول مرة منذ ساعات.
ثم التفت إلى والده وقال
أول ما أطمن على بنتي... هنروح للدكتور فؤاد.
لكن قبل أن يرد الحاج محمود...
اقتربت منهم موظفة الأرشيف مرة أخرى.
وقالت
وأنا براجع الملفات... لقيت حاجة غريبة.
أخرجت ورقة صغيرة كانت ملتصقة بآخر الملف.
دي كانت مستخبية بين الصفحات.
أخذها أحمد بسرعة.
كانت مكتوبة بخط يد قديم
في حالة فتح هذا الملف مستقبلًا... لا تعتمدوا على النسخة الموجودة بالأرشيف فقط، لأن جزءًا من المستندات تم سحبه بأمر إداري، والنسخة الكاملة محفوظة في مكان آخر.
أسفل الورقة كان فيه توقيع واحد فقط
د. فؤاد منصور
وأرقام عنوان قديم.
قال أحمد بحماس
يبقى لسه في مستندات ناقصة.
لكن سهير شحب وجهها فجأة، وتمتمت
لا... لو رحتوله، كل حاجة هتنهار.
نظر إليها أحمد طويلًا، ثم قال بهدوء
لو الحقيقة هتهد بيت مبني على الكذب... يبقى لازم يتهد.
وفي تلك اللحظة...
دخل رجل أمن المستشفى وهو ينظر في المكان.
ثم سأل بصوت مرتفع
مين الأستاذ أحمد محمود؟
رفع أحمد يده.
اقترب منه الرجل وسلمه ظرفًا أبيض مختومًا، وقال
واحد راجل كبير سلّمهولي من عشر دقائق، وقال أوصلهولك بإيدي، وما تفتحوش إلا بعد ما يمشي.
فتح أحمد الظرف بحذر...
فوجد بداخله مفتاحًا نحاسيًا قديمًا، ومعه ورقة قصيرة مكتوب فيها
إذا كنت فعلًا تريد تعرف الحقيقة... فابدأ بالخزانة رقم 17، قبل ما يوصل لها غيرك.
نظر أحمد إلى والده في دهشة، بينما تغير وجه الحاج محمود مرة أخرى، وقال بصوت مرتجف
الخزانة رقم 17... دي موجودة في المكان اللي أقسمت عمرك ما ترجع له الدكتور استأذن دقيقة، ومشى ناحية مكتب التمريض.
أما أحمد، فكان واقف مكانه، عينه بين الورقة اللي في إيده وبين سهير.
قال بصوت هادئ، لكنه مليان غضب
آخر مرة هسألك... الحقيقة إيه؟
سهير مسحت دموعها بسرعة، وقالت
مش كل حاجة لازم تتقال دلوقتي... البنت أولى.
رد أحمد من غير ما يرفع صوته
أنا طول عمري كنت بصدقك... النهارده لأول مرة أحس إني معرفكيش.
الحاج محمود نزل رأسه للأرض وقال
سيبني أنا أتكلم.
قعد على الكرسي، وأخذ نفسًا طويلًا.
من اتنين وتلاتين سنة... يوم ما اتولدت، حصلت أزمة كبيرة في المستشفى. الكهرباء قطعت بسبب عاصفة، والدنيا كانت مقلوبة.
أحمد شد الورقة بين إيده.
وبعدين؟
بعد ساعات من ولادتك... جه موظف من المستشفى ومعاه ورقة قال لازم نمضي عليها. قال إن في خطأ إداري بسيط واتصلح.
سهير قاطعته بسرعة
قلتلك بلاش!
لكن الحاج محمود أكمل
أنا مضيت... من غير ما أقرأ كويس.
سكت لحظة، ثم قال
بعدها بأيام... وصلنا جواب من المستشفى يطلب حضورنا. لكن أمك... رفضت تروح.
أحمد بص لها بذهول.
رفضتي ليه؟
سهير كانت دموعها بتنزل في صمت.
لأني كنت خايفة.
خايفة من إيه؟
خايفة يقولوا إن في حاجة هتاخدك مني.
ساد صمت ثقيل.
الحاج محمود أخرج من الظرف ورقة تانية، أطرافها كانت متآكلة من الزمن.
الورقة دي عمرها ما حد شافها غيري.
ناولها لأحمد.
فتحها ببطء...
كانت عبارة عن إخطار رسمي من المستشفى، لكن آخر سطر فيه كان ممزق، كأن حد قطعه عمدًا.
قرأ أول السطور بصوت مسموع
نرجو حضور أسرة الطفل أحمد... لاستكمال إجراءات المراجعة الخاصة بملف الولادة...
رفع عينه بسرعة.
إجراءات إيه؟
الحاج محمود هز رأسه بأسى.
ماعرفتش... لأننا عمرنا ما رحنا.
وفي اللحظة دي رجع الدكتور، ومعاه موظفة من قسم الأرشيف، تحمل ملفًا سميكًا عليه طبقة تراب واضحة.
وضعت الملف على الطاولة وقالت
الملف ده متقفل من سنين طويلة... ومحدش طلب يفتحه قبل النهارده.
ثم نظرت إلى أحمد وسألته
حضرتك مستعد تسمع اللي فيه؟
قبل أن يرد...
رن هاتف الحاج محمود.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه فجأة.
همس
دي... الممرضة المتقاعدة اللي كانت موجودة يوم ولادتك.
رد بسرعة، ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
وجاء صوت سيدة مسنة، ضعيف لكنه واضح
أنا عرفت إن الملف اتفتح... وقبل ما أي حد يقول أي حاجة، لازم تعرفوا إن الحقيقة مش زي ما الكل فاكر... وفي شخص لسه عايش، وهو الوحيد اللي يقدر يثبت اللي حصل فعلًا في الليلة دي.
تبادل الجميع النظرات في صدمة...
وأحمد قال ببطء
مين الشخص ده؟
لكن السيدة سكتت ثواني طويلة...
ثم قالت اسمًا جعل الحاج محمود يقف من مكانه وكأنه تلقى صدمة جديدة أحمد اتجمد مكانه.
الصوت كان قريب... لكنه خارج من آخر الممر المظلم، من غير ما يبان صاحبه.
شد المفتاح في إيده وقال بصوت ثابت
مين هناك؟
ماجاش رد.
لكن بعد ثوانٍ، خرج راجل مسن، شعره كله أبيض، وماسك عصاية بيسند عليها.
أول ما الحاج محمود شافه، شهق وقال
دكتور... فؤاد؟!
الرجل هز رأسه بهدوء.
أيوه... وأنا مستني اليوم ده من سنين.
قرب أحمد منه بسرعة.
حضرتك تعرف الحقيقة؟
الدكتور فؤاد بصله طويلًا، وقال
أعرفها... لكن الحقيقة الكاملة مش موجودة عندي لوحدي.
وأشار بعصايته ناحية الحاج محمود.
ونصها التاني مع أبوك.
لف أحمد ناحية والده بصدمة.
بابا... كنت عارف إنه موجود؟
الحاج محمود نزل عينيه للأرض، وقال بصوت مكسور
كنت فاكر إنه مات.
الدكتور فؤاد تنهد.
كنت بعيد... لكني فضلت محتفظ بنسخة من كل المستندات، لأن اللي حصل يومها ماكانش مجرد خطأ.
أحمد قرب خطوة.
يبقى إيه؟
رد الدكتور
كان قرار... واتاخد في دقائق.
الكلمات وقعت على أحمد كالصاعقة.
قرار؟ قرار إيه؟
الدكتور فؤاد أشار إلى الخزانة رقم 17.
افتحها.
أدخل أحمد المفتاح.
القفل فضل يقاوم ثواني...
ثم أصدر صوت تك.
فتح الباب ببطء.
كان جواه صندوق خشبي صغير، وعليه ختم المستشفى القديم.
رفع الصندوق بحذر، وفتحه.
في الداخل كانت توجد ملفات قديمة، وصور، وسوار مولود صغير، وبطاقة مكتوب عليها اسم طفل حديث الولادة.
لكن الاسم كان مطويًا.
وقبل أن يفتحه...
قال الدكتور فؤاد بسرعة
استنى.
أخرج من جيبه مظروفًا آخر.
لازم تشوف دي الأول.
فتح أحمد المظروف.
وجد خطابًا مكتوبًا بخط يد امرأة.
في أول سطر مكتوب
لو ابني قرأ الجواب ده في يوم من الأيام، يبقى معناها إن الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.
اتسعت عينا أحمد.
أمي... هي اللي كاتبة الجواب؟
الدكتور فؤاد هز رأسه ببطء.
أيوه... لكن مش سهير.
تجمد المكان.
حتى الحاج محمود أغلق عينيه كأنه كان يخشى سماع تلك الجملة.
ثم أكمل الدكتور فؤاد
الخطاب ده اتكتب بعد ولادتك بساعات... وصاحبة الخطاب طلبت مني أسلمه لك لما تكبر إذا حصل أي محاولة لإخفاء الحقيقة.
مد أحمد يده المرتعشة ليفتح الخطاب...
لكن قبل أن يقرأ أول كلمة...
دوّى صوت ارتطام قوي في الممر.
التفت الثلاثة بسرعة.
وجدوا باب الأرشيف مفتوحًا...
والصندوق الذي كان يحتوي على بقية الملفات اختفى.
وفي آخر الممر، ظهر شخص يرتدي معطفًا داكنًا، يحمل الصندوق تحت ذراعه، ثم ركض خارج المبنى.
صرخ الدكتور فؤاد
ألحقوه! لو الملفات دي ضاعت... ممكن الحقيقة تضيع للأبد!أحمد فضل يبص للمفتاح للحظات، وكأن قطعة النحاس الصغيرة بقت أتقل من إيده.
رفع عينه لأبوه وقال
تقصد إيه بالمكان اللي أقسمت ما ترجعلهوش؟
الحاج محمود بلع ريقه، ورد بعد تردد
المبنى القديم بتاع مستشفى الولادة... اتقفل من سنين، لكن الأرشيف السفلي لسه موجود. والخزانة رقم 17 هناك.
سهير انتفضت من مكانها.
محدش هيروح في حتة! الموضوع انتهى.
بصلها أحمد نظرة ثابتة.
الغريب إن كل مرة أقرب من الحقيقة... إنتِ أول واحدة تحاولي تمنعيني.
لكنها ما ردتش.
كانت عينيها مثبتتين على المفتاح... كأنها تعرفه.
بعد ساعات...
اطمنوا على ليان، ووافق الدكتور إن أحمد يسيب المستشفى ساعتين بس ويرجع.
قالت له زوجته وهي ماسكة إيده
روح... بس ارجع بسرعة. إحساسي بيقول إن السر ده هو السبب في كل اللي حصل.
ابتسم لها ابتسامة خفيفة.
أول ما أرجع... هنبدأ صفحة جديدة، مهما كانت الحقيقة.
ركب أحمد مع والده العربية.
ومن أول ما اتحركوا...
لاحظ عربية سودا ماشية
متابعة القراءة