اخويا الصغير حكايات زيزي

لمحة نيوز

أخويا الصغير أحمد اتجوز البنت الكفيفة اللي كانت أعز صاحبة ليه من وهما أطفال. وبعد ما توفى، هي أخيرًا قالتلنا السبب الحقيقي اللي خلاه يختار يقضي عمره كله معاها... والسبب كان يوجع القلب.
أخويا أحمد كان عنده سبع سنين بس لما رجع من المدرسة أول مرة ومعاه سارة.
سارة كانت كفيفة من يوم ما اتولدت. أطفال كتير كانوا بيتجنبوا اللعب معاها لأنهم ماكانوش فاهمين حالتها، لكن أحمد عمره ما عاملها كإنها مختلفة عن أي حد.
ولما أهلنا اتعرفوا على الأسرة اللي كانت مربيّاها، عرفنا إن أمها الحقيقية سابتها بعد ولادتها بفترة قصيرة.
من اليوم ده، أحمد خد على نفسه عهد إنه يفضل سند ليها.
كان يمشي جنبها كل يوم وهي راجعة من المدرسة.
يشيل عنها الشنطة.
يحجز لها مكان في الفسحة.
ويعمل أي حاجة تخليها عمرها ما تحس إنها لوحدها.
السنين عدّت، والصداقة اللي بينهم كبرت وبقت حب.
في ثانوي، أحمد مسك إيد سارة وقالها
في يوم من الأيام... هلبسك دبلة في الصباع ده.
وبعد ما خلصوا الكلية، وفّى بوعده.
لما طلب إيدها للجواز، دموعي نزلت من الفرحة.
سارة ما بقتش بس صاحبة أخويا... بقت مراته، والأخت اللي كنت دايمًا بتمنى يكون عندي زيها.
كانوا بيحبوا بعض بشكل يخلي أي حد يحسدهم.
أحمد كان يوصف لها كل حاجة حواليها... شكل الغروب، وألوان الورد، وتعابير وشوش الناس، وكل مكان جديد يدخلوا فيه.
وسارة كانت فاهمة أحمد بطريقة محدش فينا كان يقدر يفهمه بيها.
وكان جوازهم كله هدوء وحب.
لكن قبل عيد جوازهم الخامس بكام يوم، سارة كلمتني وهي منهارة من العياط.
قالتلي إن أحمد حصله تعب مفاجئ واتنقل المستشفى ودخل العمليات.
جريت على المستشفى.
لقيتها قاعدة لوحدها في الاستراحة، ماسكة العصاية بتاعتها بإيديها الاتنين.
قعدت جنبها.
وعشر ساعات كاملة فضلنا مستنيين أي خبر.
وفي الآخر، الدكتور خرج.
أول ما شفت وشه... عرفت قبل ما يتكلم.
أحمد... مات.
الكلمة كسرتني.
حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
وأنا لسه مش مستوعبة إن أخويا راح، لقيت سارة ماسكة في كم هدومي.
قالت بصوت واطي
يا منى... لازم أكلمك. حالًا.
بصيت لها وقلت
مش دلوقتي يا سارة... بالله عليكي.
لكن مسكتني أكتر وقالت
لازم دلوقتي... قبل ما مامتك وباباك يوصلوا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت لها
في إيه؟
قالت وهي بتاخد نفس بالعافية
في حاجة لازم تعرفيها عن أحمد.
قلت لها بقلق
إيه؟ كان مخبي حاجة؟
قالت
عمركم ما فهمتوا السبب الحقيقي اللي خلاه يتجوزني.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أحمد كان عايزك تعرفي الحقيقة... لكن في الوقت المناسب.
بصيت لها وأنا مش فاهمة.
قلت
له علاقة بفلوس؟ ميراث؟ تأمين؟
هزت راسها بالنفي.
لأ...
الحقيقة أصعب من كده بكتير.
ومسكت إيدي بقوة وقالت
اللي هقوله هيكسر قلبك... لكن لازم تسمعيه مني الأول.
لفت وشها ناحية طرقة المستشفى، كأنها بتسمع حد جاي.
وبعدين همست
باباك ومامتك هيوصلوا بعد خمس دقايق...
وقربت مني وقالت
اسمعيني كويس... وإوعي تقولي لحد أي حاجة هسمعهالك، غير لما تعرفي الحقيقة كلها.
سكتُّ وأنا ببص لها، وقلبي بيدق بعنف.
كانت أول مرة أحس إن سارة، رغم هدوئها الدائم، خايفة بالشكل ده.
بلعت ريقي وقلت
اتكلمي... أنا سامعاكي.
سارة أخدت نفس طويل، وكأن كل كلمة هتطلع منها بتوجعها.
وقالت
قبل فرحنا بأسبوع... أحمد أخدني مكان أنا عمري ما عرفته.
استغربت.
مكان؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
أنا ماكنتش شايفة طبعًا... لكنه وصفهولي بالتفصيل. قال إن فيه شجرة كبيرة، وتحتها ترابيزة خشب قديمة.
سكتت لحظة.
وقالي يومها لو حصل لي أي حاجة... افتحي الظرف اللي هسيبه عند المحامي.
قطبت جبيني.
ظرف؟!
هزت رأسها.
أيوه... لكنه خلاني أوعده إني ما أفتحهش إلا لو هو مات.
بدأت أحس إن الكلام أكبر بكتير مما توقعت.
قلت بسرعة
يعني هو كان حاسس إنه هيموت؟
ردت وهي بتضغط على العصاية في إيديها
المشكلة... إنه ماكانش حاسس.
كان... عارف.
الكلمة وقعت عليّا زي الصاعقة.
اتسعت عيني.
عارف؟! إزاي؟
لكنها هزت رأسها.
لسه... استني.
مدت إيدها ناحية شنطتها الصغيرة، وطلعت مفتاح نحاسي قديم مربوط بشريط أزرق.
حطته في كفي.
وقالت
المفتاح ده... أحمد كان بيلبسه في سلسلة تحت هدومه طول عمره.
بصيت للمفتاح باستغراب.
ماكنتش شفته قبل كده أبدًا.
قلت
ده بتاع إيه؟
قالت بصوت مهزوز
ولا مرة قالي.
كل اللي قاله... إن اليوم اللي هسلمهولك فيه، هيكون اليوم اللي تعرفي فيه الحقيقة.
وقبل ما أسألها أي سؤال...
سمعنا صوت خطوات سريعة في آخر الممر.
سارة رفعت رأسها فجأة.
وهمست
هما جم...
لكن الغريب...
إن الخطوات ما وقفتش قدامنا.
وقفت قدام أوضة العمليات تاني.
وبعد ثواني، خرج ممرض وهو بينادي بصوت عالي
فين أسرة الأستاذ أحمد؟
جريت عليه وأنا بصرخ
إحنا...
الممرض بص لينا، وقال جملة خلت ملامح سارة تتجمد في مكانها
في حاجة غريبة لقيناها مع المرحوم... والدكتور طلب تتسلم لحد من العيلة بنفسه.
وبعدين فتح كيس المتعلقات الشخصية...
طلع منه ظرف أبيض قديم، مكتوب عليه بخط أحمد
مايتفتحش إلا بعد ما سارة تقول الحقيقة... كلها بصيت للظرف، وإيدي بدأت ترتعش.
الخط بتاع أحمد كان واضح قدامي.
نفس الخط اللي كان بيكتب بيه رسايله في الأعياد، ونفس الطريقة اللي كان بيكتب بيها اسمي.
الممرض قال بهدوء
دي كانت آخر وصية مكتوبة مع متعلقاته.
مديت إيدي آخده.
لكن سارة حطت إيدها فوق إيدي بسرعة.
وقالت وهي بتتنفس بصعوبة
لأ... مش دلوقتي.
بصيت لها بانفعال.
إنتِ لسه هتمنعيني؟ أخويا مات!
قالت والدموع بتنزل من غير صوت
أنا بوفي بوعد وعدتهوله... لو فتحتي الظرف قبل ما تسمعي كل حاجة، هتكرهيه.
الكلمة وجعتني.
أكره أحمد؟! مستحيل.
هزت رأسها.
أنا كمان كنت بقول كده.
سكتت لحظة، وكأنها بتحارب نفسها.
ثم قالت
فاكرة قبل فرحنا بسنة... لما أحمد اختفى تلات أيام وقال إنه مسافر شغل؟
افتكرت فورًا.
فعلاً... كلنا افتكرنا إنه كان في دورة تدريبية تبع الشركة.
قلت
أيوه... ماله؟
قالت
ماكانش في شغل.
اتسعت عيني.
أمال كان فين؟
ردت بصوت منخفض
كان في مستشفى.
قلبي انقبض.
هو كان تعبان؟
هزت رأسها بالنفي.
لأ...
كان رايح يقابل دكتور... علشان يعرف نتيجة تحليل عمره ما قال لحد إنه عمله.
بدأت أنفاسي تتسارع.
تحليل إيه؟
سارة عضت شفايفها.
تحليل غيّر حياته كلها.
في اللحظة دي وصل بابا وماما يجروا على الممر.
ماما أول ما شافت شنطة أحمد انهارت في البكاء.
وبابا حاول يتمالك نفسه وهو بيسأل الأطباء عن أي تفاصيل.
سارة قربت مني وهمست بسرعة قبل ما حد يسمع
النتيجة دي... هي السبب الحقيقي اللي خلاه يطلب إيدي للجواز بعدها بشهور.
شهقت وأنا ببصلها.
يعني... ماكنش اتجوزك بسبب الحب؟
نزلت دمعة على خدها.
وقالت
كان بيحبني... أكتر من أي حاجة.
لكن فيه سبب تاني... محدش يعرفه غيري.
وأخرجت من جيبها ورقة صغيرة مطوية بعناية.
وقالت
دي أول ورقة أحمد اداهالي بعد ما رجع من المستشفى.
فتحتها ببطء...
وكان مكتوب فيها بخطه
لو في يوم سألتيني ليه اخترتك من بين كل الناس... أوعي تصدقي أول إجابة هقولها. الحقيقة موجودة في الملف الأسود اللي مستخبي في المكان اللي محدش غيرنا يعرفه.
رفعت رأسي بسرعة.
ملف أسود؟!
هزت رأسها.
وقالت
وأقسملي... إن محدش يفتحه إلا بعد وفاته.
ثم سكتت فجأة...
لأن هاتف أحمد، الموجود داخل كيس متعلقاته، أضاء من تلقاء نفسه.
وظهر على الشاشة إشعار بوصول رسالة جديدة...
رغم أن الهاتف كان مغلقًا منذ لحظة وفاته.
والأغرب...
أن اسم المرسل كان مكتوبًا
لا تفتحوا الملف... إلا إذا كنتم مستعدين تعرفوا الحقيقة كاملة ثبتُّ عيني على شاشة الهاتف، وحسيت بقشعريرة سرت في جسمي.
الممرض نفسه استغرب وقال
غريبة... الموبايل ده كان مقفول.
لكن قبل ما أي حد يلمسه، الشاشة انطفت تاني.
فضلت أنا وسارة نبص لبعض في صمت.
بعد ما خلصنا إجراءات المستشفى، رجعنا البيت، والعزا كان مليان ناس.
كل واحد كان بيحكي موقف لأحمد، وكل كلمة كانت بتوجع أكتر.
أما سارة...
فقعدت في أوضة أحمد لوحدها، وما طلبتش تشوف حد.
بعد منتصف الليل، خبطت على باب أوضتي.
فتحت... لقيتها واقفة، وفي إيديها صندوق خشب صغير.
قالت بهدوء
ده هو.
بصيت للصندوق.
كان قديم، وعليه نفس القفل اللي يركب عليه المفتاح النحاسي.
دخلنا أوضة أحمد وقفلت الباب.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدخل المفتاح.
أول ما القفل اتفتح...
لقينا جواه ملف أسود فعلًا.
وفوقه ظرف صغير مكتوب عليه
لو فتحتوا الملف قبل ما سارة تحكيلكم كل حاجة... اقفلوه تاني.
بصيت لها.
قلت
احكي... خلاص.
قعدت على الكرسي، ومسحت دموعها.
وقالت
قبل الجواز بسنة... أحمد اختفى تلات أيام، صح؟
هززت رأسي.
قالت
في اليوم ده، ماكانش رايح يعمل تحليل واحد... كان رايح يقابل شخص.
استغربت.
مين؟
قالت وهي بتضغط على الظرف
ست كبيرة.
أول مرة شافها في حياته.
قطبت جبيني.
مالها؟
قالت
هي اللي طلبت تشوفه.
وقالت إن عندها سر بقاله أكتر من عشرين سنة.
ابتلعت ريقي.
سر إيه؟
قالت بصوت خافت
سر يخصني أنا.
قلبي دق بعنف.
إنتِ؟
هزت رأسها.
الست دي قالت لأحمد إنها

تم نسخ الرابط