اخويا الصغير حكايات زيزي

لمحة نيوز

تعرف الحقيقة الكاملة عن اليوم اللي اتولدت فيه... وعن السبب الحقيقي اللي خلاني أعيش طول عمري من غير ما أعرف أهلي الحقيقيين.
شهقت.
يعني... كانت تعرف أمك؟
أغمضت سارة عينيها.
وقالت
أكتر من كده.
قالت إنها كانت موجودة يوم ولادتي.
سكتت ثواني، ثم أكملت
وأول جملة قالتها لأحمد كانت...
توقفت فجأة.
رفعت رأسها ناحيتي، وكأنها بتجمع شجاعة آخر كلمة.
ثم همست
البنت اللي ناوي تتجوزها... مش يتيمة زي ما الناس فاكرة.
تجمدت في مكاني.
لكن قبل ما أسألها أي سؤال...
رفعت سارة الملف الأسود، وقالت
واللي جوه الملف... هو الدليل الوحيد على إن الست دي كانت بتقول الحقيقة.
ثم وضعت يدها على الملف... لكنها لم تفتحه بعد فضلت أبص للملف الأسود وكأني مستنية يرد عليَّ لوحده.
قلت لسارة بصوت متوتر
افتحيه.
لكنها سحبت إيدي برفق وقالت
قبل ما نفتحه... لازم تعرفي حاجة قالهالي أحمد بالحرف.
سكتت لحظة، ثم قالت
قال لي لو في يوم منى فتحت الملف وهي متعصبة أو مكسورة، مش هتشوف الحقيقة... هتشوف بس الجزء اللي هيوجعها.
استغربت من كلامه.
يعني إيه؟
قالت
كان يقصد إن كل ورقة فيه ليها تفسير، ولو اتقرت من غير ترتيب هتتفهم غلط.
أخدت نفسًا عميقًا، وفتحت الملف بحذر.
أول ورقة كانت صورة قديمة جدًا لمستشفى.
وفي ضهر الصورة تاريخ يرجع لأكتر من خمسة وعشرين سنة.
وتحت التاريخ جملة بخط شخص مجهول
الطفلة خرجت من المستشفى باسم غير اسمها الحقيقي.
نظرت إلى سارة.
كانت دموعها بتنزل في صمت.
قلبت الصفحة الثانية.
كانت نسخة من شهادة ميلاد... لكن نص البيانات متغطي بشريط أسود، كأن حد حاول يخفي أسماء معينة.
وفي آخر الورقة توقيع دكتور.
أما الورقة الثالثة...
فكانت رسالة قصيرة بخط أحمد.
قرأتها بصوت مرتعش
أنا بدأت أدور ورا الحقيقة علشان أريح قلب سارة... لكن اللي اكتشفته خلاني أخاف عليها أكتر.
شهقت.
وقبل ما أكمل، وقع من بين الأوراق مفتاح صغير جدًا، غير المفتاح الأول.
كان مربوط بسلسلة فضية.
وفيه ورقة صغيرة مكتوب عليها
ده مفتاح الخزانة رقم 17.
قلت بسرعة
خزانة فين؟
ردت سارة
معرفش... أحمد عمره ما قال.
لكنها أخرجت من جيبها قصاصة ورق مطوية.
وقالت
لقيتها في هدومه بعد وفاته.
فتحتها...
وكان فيها عنوان مكتوب بخط واضح، وأسفله عبارة واحدة
كل الإجابات موجودة هنا... لكن لو دخلتوا المكان ده، حياتكم بعده مش هترجع زي الأول.
نظرت إلى سارة.
ونظرت هي إلى العنوان.
ثم قالت بصوت خافت
أحمد كان ناوي ياخدني هناك بعد عيد جوازنا الخامس...
وساد بيننا صمت ثقيل.
كان واضح أن الخطوة التالية هتكشف السر الذي أخفاه أحمد طوال حياته... لكننا لم نكن نعرف إن الحقيقة التي تنتظرنا ستكون مختلفة تمامًا عما توقعناه في صباح اليوم التالي، خرجت أنا وسارة من البيت قبل ما أي حد من العيلة يصحى.
حطيت الملف الأسود في شنطة صغيرة، وسارة كانت ماسكة العصاية بإيد، وإيدي بالإيد التانية.
العنوان اللي كان مكتوب في الورقة أخدنا لمبنى قديم في آخر شارع هادئ.
ماكانش مستشفى... ولا بيت.
كان مبنى محفوظ بشكل غريب، وكأنه محدش بيدخله إلا نادر.
دخلنا، ولقيت راجل كبير في السن قاعد ورا مكتب خشب.
أول ما شاف المفتاح الصغير، اتغيرت ملامحه.
وقف وقال بهدوء
أخيرًا... حد جه.
اتسمرت في مكاني.
قلت باستغراب
إنت كنت مستنينا؟
رد
أنا كنت مستني الشخص اللي معاه المفتاح ده من سنين.
وبص ناحية سارة، ثم قال
والظاهر... إنها هي.
سارة قربت خطوة وسألته
حضرتك تعرفني؟
ابتسم بحزن.
أنا معرفكيش شخصيًا... لكن أعرف قصتك.
فتح درج المكتب، وطلع دفترًا قديمًا.
قلب صفحاته، ثم وقف عند صفحة معينة.
وقال
أحمد جه هنا من حوالي سنة ونص.
قلبي انقبض.
قالك إيه؟
تنهد الرجل وقال
طلب مني وعد.
قال لي لو أنا مت قبل ما أكمل اللي بدأت فيه، أسلّم الأمانة لصاحبة الاسم المكتوب هنا.
وأشار إلى اسم سارة.
بعدها قام من مكانه، ومشينا وراه في ممر طويل.
في آخر الممر كان فيه صفوف من الخزائن المعدنية.
وقف قدام الخزانة رقم 17.
وقال
المفتاح معاكم.
ناولته المفتاح الصغير.
لفّه في القفل...
وصدر صوت تك.
اتفتح الباب ببطء.
كان جواه صندوق معدني صغير، ومعاه ظرف سميك مكتوب عليه بخط أحمد
لسارة... ومنى فقط.
بصيت لسارة.
كانت إيديها بترتعش وهي بتمسك الظرف.
قالت
افتحيه إنتِ... أنا مش قادرة.
فتحت الظرف بحذر.
أول حاجة وقعت منه كانت صورة لطفلة رضيعة ملفوفة في بطانية بيضا.
وعلى ضهر الصورة جملة بخط مختلف
دي أول صورة اتاخدت للبنت... قبل ما تتسجل باسم الأسرة اللي ربتها.
تحت الصورة كان فيه خطاب طويل.
وفي أول سطر منه كتب أحمد
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا للأسف مش موجود. ولو كنتِ بتقريها يا منى، يبقى سارة قالتلك كل اللي تقدر تقوله... ولسه الجزء الأصعب ما اتقالش.
بلعت ريقي، وكملت القراءة.
أنا ما اتجوزتش سارة بدافع الشفقة أبدًا... أنا حبيتها من وأنا طفل. لكن أثناء بحثي عن ماضيها، اكتشفت سرًا كبيرًا... سر لو طلع من غير دليل، هيقلب حياة ناس كتير.
رفعت عيني بسرعة.
كل اللي في الأوضة كان ساكت.
أما آخر سطر في الصفحة الأولى، فكان مكتوب بخط أكبر من باقي الرسالة
الشخص اللي خلى سارة تعيش يتيمة... كان قريب جدًا مننا طول السنين دي.
وانتهت الصفحة الأولى...
أما الصفحة الثانية، فكانت لا تزال مطوية، ومقفولة بختم أحمر لم يُفتح بعد بصيت للختم الأحمر، وحسيت إني لو فتحته، مفيش رجوع بعده.
سارة كانت ساكتة تمامًا.
قالت بصوت مكسور
أحمد قال لي... الصفحة دي هي اللي كانت مخوفاه.
أخدت نفسًا عميقًا، وفتحت الختم بحذر.
كانت أول جملة مكتوبة
قبل ما تكملي قراءة الرسالة، لازم تعرفي إني حاولت أتأكد من كل كلمة أكتر من مرة. ولو لقيتِ أي ورقة ناقصة، يبقى في حد سبقكم ووصل للحقيقة.
نظرت بسرعة داخل الصندوق.
كل الأوراق كانت موجودة... إلا مكان واحد فاضي.
كان واضح إن فيه ملفًا كاملًا كان متشال.
قلت بقلق
في ورق ناقص.
سارة شهقت.
يعني... حد فتح الصندوق قبلنا؟
في اللحظة دي، الراجل الكبير اللي كان واقف بعيد قرب مننا وقال
الغريب... إن الخزانة دي ما اتفتحتش من يوم ما أحمد قفلها.
بصيت له باستغراب.
أمال الورق راح فين؟
هز رأسه وقال
معرفش.
رجعت للرسالة وكملت القراءة.
الورقة الأخيرة فيها اسم الشخص اللي كنت بدور عليه. لكني قررت ما أكتبوش في الرسالة. الاسم موجود في مكان تاني... لأن لو الرسالة وقعت في إيد الشخص الغلط، كل الأدلة هتختفي.
بدأت أحس إن أحمد كان متوقع إن حد يراقبه.
وفجأة...
سمعنا صوت خبط خفيف على باب القاعة.
دخل شاب لابس بدلة، ماسك ظرفًا أبيض.
سأل
مين فيكم الأستاذة منى؟
رفعت إيدي بتردد.
ناولني الظرف وقال
الرسالة دي كانت أمانة عند مكتبنا، وتعليماتها إنها تتسلم بعد تأكيد وفاة الأستاذ أحمد.
وقبل ما أسأله أي حاجة، استأذن ومشي.
فتحت الظرف بسرعة.
كان جواه خطاب قصير بخط أحمد
يا منى... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى توقعي كان صح. حد هيحاول يمنع الحقيقة إنها تظهر. علشان كده قسمت كل الأدلة في أكتر من مكان.
وفي آخر الخطاب كتب
متثقيش في أي حد لمجرد إنه قريب... لأن أقرب الناس أحيانًا بيكونوا أبعدهم عن الحقيقة.
رفعت رأسي أبص لسارة.
لكن قبل ما أتكلم...
لقينا الراجل الكبير بيبص ناحية باب القاعة، وملامحه اتغيرت فجأة.
همس بخوف
للأسف... الشخص اللي كنت خايف منه وصل.
واستدار الجميع ناحية الباب...
بينما مقبضه بدأ يتحرك ببطء اتسمرت مكاني وأنا ببص لمقبض الباب.
الصمت كان تقيل لدرجة إن صوت أنفاسنا كان مسموع.
المقبض لف ببطء...
ودخل رجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وماسك حقيبة جلد قديمة.
بص لنا بهدوء وقال
أنا آسف لو خوفتكم.
الراجل الكبير اللي كان معانا زفر براحة وقال
الحمد لله... افتكرت حد تاني.
استغربت وسألته
حضرتك مين؟
رد وهو بيطلع بطاقة تعريف
أنا المحامي اللي أحمد كان بيتعامل معاه.
حط الحقيبة على الترابيزة، وطلع منها ملف أزرق.
وقال
أحمد سلمني الملف ده من ست شهور.
بصيت للملف.
كان مكتوب عليه بخط أحمد
لا يُفتح إلا بعد الاطلاع على الرسالة الموجودة في الخزانة.
فتح المحامي الملف، وطلع ورقة واحدة.
وقال
دي آخر ورقة كتبها أحمد بإيده.
قلبي وجعني أول ما شفت خطه.
بدأت أقرأ
لو وصلتوا للمرحلة دي، يبقى عرفتوا إن الموضوع عمره ما كان عن الشفقة، ولا عن السر اللي يخص ماضي سارة.
سكت لحظة وأنا بقرأ.
وكملت
السبب الحقيقي اللي كنت مخبيه... هو إني وعدت إن الحقيقة ما تخرجش إلا بعد رحيلي، لأنها كانت هتدمر ناس أبرياء لو خرجت في حياتي.
حسيت إن كل ما
تم نسخ الرابط