جوزي
خرجت.
اتجمدت في مكاني.
بعد ثواني، العربية اتحركت ببطء وفضلت ماشية ورايا.
قلبي كان هيقف.
غيرت اتجاهي فجأة ودخلت محل بقالة صغير.
العربية وقفت آخر الشارع.
استنيت دقيقتين، وبعدها خرجت من الباب الخلفي للمحل، وركبت تاكسي كان واقف بالصدفة.
قلت للسواق بسرعة
على عنوان الدكتورة هبة.
وصلت بعد حوالي عشرين دقيقة.
طلعت جري للعيادة.
أول ما دخلت، سلمت هبة الزجاجة.
هي ما فتحتهاش.
حطتها في كيس مخصص للعينات، واتصلت بالدكتور اللي كانت مستنياه.
بعد أقل من ساعة، دخل الدكتور.
بص للعينة، وبعدها قال
هنفحصها حالًا.
كل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة.
وأخيرًا خرج فني المعمل بورقة أولية.
ناولها للدكتور.
الدكتور قرأها... واتغيرت ملامحه تمامًا.
بص لهبة، وبعدها بصلي وقال
العصير... فيه فعلًا مادة غير طبيعية.
حسيت الأرض بتميد بيا.
لكن الدكتور كمل بسرعة
لسه لازم نحدد نوع المادة بدقة قبل ما نستنتج أي حاجة. الفحص الأولي وحده ما يكفيش.
وقبل ما حد فينا يتكلم...
دخلت الممرضة وهي بتلهث وقالت
دكتورة هبة... في راجل بره بيسأل على مدام جيهان بالاسم، وبيقول إنه جوزها... وبيقول إنه عارف إنها هنا اتحبس نفسي.
كنت مغمضة عيني بكل قوتي، لكن قلبي كان بيدق لدرجة حسيت إنه هيكشفني.
وقف جوزي جنبي ثوانٍ طويلة من غير ما يتكلم.
بعدها قال بصوت هادي جدًا
أنا عارف إنك صاحية... ومش هكرر كلامي.
ما رديتش.
فضل واقف، ثم سمعته بيتحرك ناحية الشباك، فتح الستارة سنة، وبعدين رجع.
وفجأة... ضحك ضحكة خفيفة.
يمكن أكون غلطان.
سمعت خطواته وهو بيخرج من الأوضة، لكن المرة دي ما قفلش الباب.
استنيت حوالي عشر دقايق كاملة قبل ما أفتح عيني.
بصيت ناحية الباب... كان مفتوح.
طلعت برا الأوضة على أطراف صوابعي.
لقيت الصالة فاضية.
لكن نور المكتب كان شغال.
قربت بهدوء، ولقيت الباب موارب.
بصيت من الفتحة...
كان جوزي قاعد على المكتب، وماسك موبايله، وبيقول بصوت منخفض
لا... لسه متعرفش حاجة أكيدة.
سكت شوية وهو بيسمع اللي قدامه.
وبعدين قال
لأ... التحاليل دي لازم تختفي.
جسمي كله اتجمد.
مين اللي بيكلمه؟
وليه عايز يخفي التحاليل؟
كمل كلامه
بكرة الصبح هتروح تجيب النتيجة الأصلية... ومحدش لازم يعرف.
في اللحظة دي، موبايلي اللي كان في جيبي اهتز.
رسالة من هبة.
وللأسف... صوت الإشعار كان عالي.
جوزي سكت فجأة.
رفع راسه ناحية الباب.
وقبل ما ألحق أهرب، قال بهدوء
مين هناك؟
جريت بسرعة ناحية أوضة النوم، ودخلت وقفلت الباب بهدوء، ورميت نفسي على السرير.
بعد ثوانٍ...
سمعت خطواته جاية.
وقف قدام الباب.
لكن بدل ما يدخل...
خبط خبطتين خفاف وقال
جيهان... إنتِ صاحية؟
تظاهرت إني لسه نايمة.
فضل ساكت دقيقة كاملة.
ثم سمعته يتمتم
غريبة...
وبعدها مشي.
فتحت الرسالة بسرعة.
كانت من هبة
اسمعيني كويس... المعمل كلمني من شوية. في شخص اتصل بيهم قبل ما تستلمي النتيجة، وسأل بالتفصيل عن تحاليلك، ولما رفضوا يدوله أي معلومات، حاول يعرف مين الدكتور اللي طلبها. الشخص استخدم اسم مستعار، لكن موظف الاستقبال افتكر صوته... وقال إنه نفس الشخص اللي جه المعمل قبل أسبوعين وسأل عن نوع معين من الحقن.
وقبل ما أستوعب الرسالة، وصلتها رسالة تانية من هبة
أنا احتفظت بنسخة من التحاليل في مكان آمن، لأن في حد حاول يطلب من المعمل إلغاء التقرير الإلكتروني.
قفلت الموبايل بسرعة.
في اللحظة دي سمعت صوت درج المكتب بيتقفل بعنف.
وبعدها...
صوت خطوات سريعة جاية مباشرة ناحية أوضة النوم.
وقبل ما أوصل للمخدة وأمثل إني نايمة...
لف مقبض الباب ببطء، وبدأ الباب يتفتح...اتجمد الدم في عروقي.
بصيت لهبة، وهي قامت من مكانها بسرعة وقالت للممرضة
متقوليلوش إنها هنا. قوليله إن العيادة فيها حالات ولسه هسأل.
الممرضة هزت رأسها وخرجت.
لفت هبة ناحيتي وقالت بصوت منخفض
اسمعيني كويس... خدي نفس عميق، ومتظهريش أي خوف لو شافك.
قلت وأنا مرتبكة
بس هو إزاي عرف إني هنا؟ أنا محدش عرف غيرك وصاحبتي.
هبة سكتت لحظة، ثم قالت
ده سؤال لازم نعرف إجابته بعدين.
في نفس اللحظة، دخل الدكتور اللي كان بيفحص العينة، وكان ماسك تقريرًا جديدًا.
قال بجدية
الفحص الإضافي خلّانا نعرف إن في أكتر من مادة موجودة في العينة، لكن تحديد نسبها النهائية محتاج وقت.
ثم قرب مني وقال
في سؤال مهم... بعد ما بتشربي العصير، بتنامي بسرعة؟
افتكرت كل الليالي اللي كنت أول ما أخلص الكوباية، أحس بجفوني بتتقفل بشكل مفاجئ.
هززت رأسي.
آه... في خلال دقائق.
كتب المعلومة في الورقة، وقال
تمام.
قبل ما يكمل، سمعنا صوت مرتفع بره.
كان صوت جوزي.
أنا جوزها... وعايز أطمن عليها. هي دخلت هنا من شوية.
الممرضة حاولت تهديه، لكنه كان مصر يدخل.
هبة بصت حواليها بسرعة، وقالت
تعالي معايا.
دخلتني أوضة صغيرة خلف المعمل، وقالت
استني هنا مهما سمعتي.
قفلت الباب، لكن كان فيه فتحة صغيرة في الزجاج أقدر أشوف منها جزء من الريسبشن.
بعد ثواني، دخل جوزي.
كان هادي بشكل غريب.
ابتسم لهبة وقال
آسف لو أزعجتكم... بس مراتي نسيت تليفونها في البيت، واتصلت بيها مردتش، فقلقت.
هبة ردت بابتسامة هادئة
هي مش موجودة هنا.
ابتسم أكتر.
غريبة... أصل عربيتي شافتها داخلة العمارة.
أول ما قال الجملة دي، حسيت قلبي وقع.
عربيتي شافتها؟
يعني كان في حد بيتابعني بالفعل.
هبة حاولت تحافظ على هدوئها.
يمكن حضرتك اتلخبط.
سكت ثواني، ثم طلع من جيبه ورقة صغيرة.
حطها على مكتب الاستقبال وقال
لما تيجي... ادوهالها.
لف وخرج.
فضلت هبة واقفة مكانها لحد ما باب العيادة اتقفل.
بعدها جريت على الورقة.
فتحتها...
وقرأت أول سطر، واتغير لون وشها.
خرجت بسرعة من الأوضة ودخلت عندي.
كنت أول ما شفت ملامحها عرفت إن في حاجة خطيرة.
قلت بلهفة
مكتوب فيها إيه؟
هبة بلعت ريقها وقالت
مكتوب...
وسكتت لحظة.
...أنا عارف إنك صحيت قبل ما أرجع الأوضة... وبلاش تسمعي كلام أي حد، لأن الحقيقة كاملة لسه ماوصلتلكيش.
وبأسفل الرسالة كان فيه سطر أخير بخط أصغر
ولو مش مصدقة... افتحي الدرج الأخير في دولاب أوضة المكتب قبل أي خطوة.
نظرت أنا وهبة لبعض في صمت.
لأول مرة... ظهر احتمال إن في سر كبير لسه مستخبي، وإن كل اللي عرفناه لحد دلوقتي قد يكون مجرد جزء من الحقيقة بعد ما قرينا الرسالة، هبة بصتلي وقالت
إحنا مش هنعمل أي خطوة غير لما نشوف الدرج اللي كتب عليه.
كنت رافضة أرجع البيت، لكن هبة أصرت تيجي معايا، ومعانا صاحبتي.
استنينا لحد ما عرفنا إن جوزي خرج للشغل، وروحنا.
دخلنا أوضة المكتب.
الدولاب كان في آخر الأوضة، وفعلاً فيه درج صغير مقفول بمفتاح.
فضلنا نفتش لحد ما لقينا المفتاح متعلق في سلسلة مفاتيحه القديمة.
فتحت الدرج...
ولقيت ملف سميك.
أول صفحة كانت تقارير طبية باسمي.
لكن لما قلبت الصفحة اللي بعدها... اتصدمت.
كل التقارير مكتوب فيها اسمي، لكن صورة المريضة كانت مش صورتي!
بصيت لهبة باستغراب.
قالت وهي بتقلب الأوراق
دي أوراق متفبركة... حد عامل ملف كامل باسمك.
وفجأة لقينا ظرف تاني.
كان جواه فلاشة.
وصلناها على اللاب توب.
ظهر فيديو من كاميرا صغيرة داخل أوضة النوم.
الفيديو كان بيبين اللي كان بيحصل كل ليلة.
بعد ما كنت بشرب العصير، كنت بدخل في نوم عميق جدًا.
لكن...
جوزي ماكانش بيديني أي حقنة.
كان بيدخل بعد حوالي ساعة، ويكشف البطانية، ويفحص دراعي ورجلي، ويحط كريم على مكان قديم، وبعدها يغطيني ويمشي.
بصيت لهبة بذهول.
أمال علامات الحقن دي جت منين؟!
هبة رجعت للفيديوهات اللي قبلها.
وفي تسجيل أقدم...
ظهر شخص تاني.
رجل لابس بالطو أبيض وكمامة، دخل البيت بالليل، وجوزي واقف معاه.
الرجل هو اللي كان بيدي الحقنة، وجوزي كان واقف متوتر.
لكن قبل ما يخرج، سمعنا صوت جوزي في التسجيل وهو بيقول
دي آخر مرة... أنا مش هكمل في الموضوع ده.
الرجل رد ببرود
دلوقتي خلاص... مينفعش ترجع.
سكتنا كلنا.
هبة قالت
واضح إن جوزك كان متورط... لكنه ماكانش الشخص الوحيد.
في اللحظة دي، سمعنا صوت باب الشقة.
جوزي رجع.
دخل المكتب، وشافنا واقفين.
ماهربش...
ولا أنكر.
بصلي بعين مليانة تعب وقال
أنا كنت
مستني اليوم ده.
قعد على الكرسي، وحط مفاتيحه على المكتب.
وقال
أيوه... غلطت لما خبيت عنك الحقيقة.
طلع ظرف من جيبه، واداه لهبة.
كان فيه كل أسماء الأشخاص اللي اشتركوا مع الراجل اللي كان بيجي البيت، وصور من كاميرات مراقبة، ورسائل تثبت إنه كان بيجمع أدلة ضدهم من شهور.
وقال بصوت مكسور
في الأول صدقت كلامه لما قال إن العلاج ضروري، لكن لما اكتشفت إنه بيستغل اسمي وبيستخدم مواد تانية من غير علمي، حاولت أوقفه. كنت خايف أقولك قبل ما يبقى معايا دليل، لأنه هددنا.
هبة راجعت الأوراق وقالت
الكلام ده متوافق مع اللي لقيناه.
تم إبلاغ الجهات المختصة بكل الأدلة، وتم القبض على الرجل الذي ظهر في الفيديو، واتضح أنه كان ينتحل صفة مختص ويستغل مرضى بطرق غير قانونية، بينما خضع جوزي للتحقيق بسبب إخفائه الحقيقة وعدم إبلاغه منذ البداية.
أما أنا...
احتجت شهورًا من العلاج حتى استعاد جسمي عافيته تدريجيًا.
وجوزي وقف قدامي في آخر جلسة بينا وقال
أنا أتحمل نتيجة سكوتي، حتى لو كنت فاكر إني بحميكي.
بصيتله وقلت بهدوء
الستر الحقيقي عمره ما يكون بالكذب... ولو كنت قلت الحقيقة من أول يوم، كان ممكن نوفر على نفسنا كل ده.
خرج كل واحد في طريقه.
وأدركت أن أخطر الأسرار ليست التي تُخفى عن الناس... بل التي تُخفى عمن نحبهم، لأن ثمنها قد يكون أغلى من أي شيء. تمت.