حماتي حكايات زيزي
ناولني الورقة.
كان مكتوب بخط حماتي:
> "لو حد سأل، قول إنك لقيته تايه في الشارع. ممنوع ترجعه للبيت مهما حصل."
حسيت بصدمة.
بصيت لها وقلت:
"إنتِ كنتِ مخططة إنه ميعرفش طريقه لينا تاني؟"
نزلت عينيها في الأرض، لكنها ما ردتش.
الراجل قال بهدوء:
"والله يا مدام، أنا وافقت في الأول لأني صدقتها. قالتلي إن أصحابه سافروا ومبقوش عايزينه. لكن أول ما شفت الكلب، كان كل شوية يقف عند الباب ويبص بره، كأنه مستني حد ييجي ياخده."
وسكت لحظة، ثم أكمل:
"ولما الأستاذ كريم كلمني، عرفت إن الحكاية غير اللي اتقالتلي."
كريم لف الورقة، وحطها على الترابيزة.
قال لأمه بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"أنا زعلان منك... مش علشان روكي بس. علشان كسرتِ الثقة."
حماتي لأول مرة، دموعها لمعت في عينيها.
لكنها ما حاولتش تدافع عن نفسها.
فضلت ساكتة.
وفجأة...
روكي، اللي كان نايم من التعب، قام ببطء.
مشى ناحية حماتي.
أنا افتكرت إنه هيبعد عنها.
لكن العكس حصل.
وقف قدامها، وشم إيدها، ثم هز ديله مرة واحدة... بهدوء.
حماتي بصتله، وانفجرت في البكاء.
وقالت بصوت متقطع:
"أنا... أنا كنت فاكرة إني بعمل الصح... لكن واضح إني ظلمته."
ساد صمت في البيت.
وكريم قال:
"الاعتذار بداية... لكن إصلاح اللي اتكسر محتاج وقت."
وظلت عيون الجميع متجهة نحو روكي... الذي بدا وكأنه لا يحمل في قلبه أي كراهية، رغم كل ما مر به.كريم استغرب وقال:
"كاميرات مراقبة؟"
الراجل مد له كارنيه شركة الصيانة وقال:
"حضرتك كنت مبلغ من أسبوع إن كاميرا مدخل العمارة فيها عطل، وإحنا صلحناها النهارده. وإحنا بنراجع التسجيلات علشان نتأكد إنها شغالة، لاحظنا موقف حسينا إن لازم نبلغك بيه."
فتح اللابتوب اللي معاه.
أنا وحماتي وقفنا نبص.
ظهر الفيديو...
حماتي وهي خارجة من العمارة، ماسكة روكي من الطوق.
ورغم إن روكي كان ماشي وراها مطيع، إلا إنه وقف فجأة قبل ما يركب العربية، وبص ناحية باب العمارة كأنه مستني حد يناديه.
بعدها ظهر الراجل اللي أخده.
لكن اللي لفت انتباه كريم مش المشهد ده...
كان إن حماتي مدت للراجل ظرف صغير قبل ما تمشي.
كريم وقف الفيديو.
وبص لأمه.
"إيه اللي كان في الظرف؟"
حماتي ارتبكت وقالت بسرعة:
"ولا حاجة... شوية فلوس."
"فلوس ليه؟"
"علشان... علشان يهتم بيه."
لكن الراجل اللي جاب التسجيل قال باستغراب:
"الغريبة إن بعد ما الراجل فتح الظرف، جري وراها ورجع ينده عليها، وهي ركبت العربية ومشيت بسرعة."
كريم حس إن في حاجة ناقصة.
وفي نفس اللحظة...
رن جرس الباب مرة تانية.
ولما فتح...
لقى نفس الراجل اللي كان أخد روكي واقف قدامه، وفي إيده الظرف.
قال وهو بيمده لكريم:
"أنا جيت أرجعه... لأن اللي لقيته جواه مش فلوس بس."
فتح كريم الظرف ببطء...
ولما بص جواه، اتغيرت ملامحه فجأة، وبص لأمه في ذهول.
أما أنا... فما كنتش فاهمة إيه اللي خلاه يقول بصوت منخفض:
"معقول...؟!"عدّت أيام، والبيت رجع هادي... أو على الأقل ده اللي كنا فاكرينه.
روكي بقى ينام أغلب الوقت.
كان سنه كبير، وحركته بقت أبطأ من الأول.
لكن كل يوم الساعة خمسة إلا ربع، كان يقوم لوحده، ويقعد قدام باب الشقة.
ميعاد رجوع كريم من الشغل.
وأول ما يسمع صوت الأسانسير، يهز ديله ويقف مستنيه، مهما كان تعبان.
في يوم، كريم رجع ومعاه سرير طبي صغير للكلاب، وألعاب جديدة، وحتى بطانية ناعمة.
ابتسم وهو بيقول:
"لو فضل معانا يوم واحد كمان، لازم يكون أسعد يوم."
ابتسمت، لكن قلبي انقبض.
أول مرة أسمعه يتكلم بالطريقة دي.
كأنه حاسس إن الوقت بيجري.
حتى حماتي...
بقت كل يوم تحطله الأكل بإيديها.
وتقعد جنبه تمسح على راسه وهي ساكتة.
وفي مرة سمعتها بتهمس:
"سامحني يا روكي... أنا ظلمتك."
الغريب...
إن روكي كان كل مرة يسمع صوتها، يرفع راسه ويبصلها، ويهز ديله بهدوء.
كأنه سامحها فعلًا.
لكن بعد أسبوع...
صحيت في نص الليل على صوت خفيف.
قمت لقيت روكي واقف قدام باب أوضة النوم.
بصلي، وبعدين لف ومشى ناحية الصالون.
مشيت وراه.
وقف قدام صورة كبيرة متعلقة على الحيطة...
صورة فرحنا.
الصورة اللي كان هو فيها شايل علبة الدبل.
فضل يبصلها ثواني طويلة...
وبعدين قعد على الأرض بهدوء.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت جرس الباب بيرن بطريقة مستمرة، رغم إن الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
كريم فتح الباب بسرعة...
ولما شاف اللي واقف بره، اتغير لون وشه وقال في ذهول:
"إنت؟!... إزاي عرفت توصل لحد هنا؟!"كريم قفل الباب بعد ما مشى الضيف، وبص لروكي.
روكي كان تعبان جدًا.
قرب منه، وحط راسه على رجل كريم، لأول مرة من يوم ما رجع.
كريم نزل على ركبته، وفضل يمسح على راسه وهو بيقول:
"أنا هنا يا صاحبي... خلاص، محدش هيبعدك عننا تاني."
روكي رفع عينه، وبص ليا... ثم لكريم.
وهز ديله آخر هزة.
وبهدوء شديد... غمض عينيه.
في الأول افتكرناه نام.
لكن الدكتور البيطري، لما وصل بعد دقائق، كشف عليه، وشال السماعة من على صدره وقال بصوت هادئ:
"البقاء لله... مات وهو وسط الناس اللي بيحبهم."
انهرت في البكاء.
وكريم حضني وهو هو نفسه مش قادر يمنع دموعه.
حتى حماتي، الحاجة فاطمة، قعدت على الأرض تبكي بحرقة، وتردد:
"سامحني يا روكي... يا رب يكون سامحني."
في اليوم التالي، دفناه في جنينة صغيرة كان بيحب يلعب فيها وهو صغير.
وكريم عمل لوحة خشب بسيطة، وكتب عليها:
"هنا يرقد روكي... أوفى صديق عرفناه، وعضو من عائلتنا لمدة ستة عشر عامًا. الحب الحقيقي لا يُقاس بالكلام، بل بالوفاء."
من يومها، اتغيرت حماتي تمامًا.
بقت كل ما تشوف حد كبير في السن أو حيوان تايه، تقول:
"الرحمة ما بتتجزأش."
وبقت هي أول واحدة تحط أكل ومياه للقطط والكلاب في الشارع.
أما أنا...
فكلما اشتقت لروكي، أبص على صورته في فرحنا، وأفتكر إنه عاش عمره كله بيحبنا من غير أي مقابل... وإن آخر لحظة في حياته كانت وسط حضن عيلته، وده كان أكبر انتصار ليه.
تمت. ❤️