واخيرا بنتي حكايات زيزي
بخط واضح
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى الحمد لله... مريم انتصرت.
دموعي نزلت قبل ما أكمل.
وبدأت أقرأ
يمكن لما تعرفي أنا مين تستغربي، ويمكن تزعلي إني فضلت مستخبي كل المدة دي. لكن كان عندي سبب واحد... كنت عايز مريم تركز في علاجها، وإنتِ تفضلي قوية، من غير ما تحسي إن حد بيستنى منك كلمة شكر أو رد جميل.
وقفت عن القراءة لحظة.
رفعت عيني للدكتور.
قلت
أنا لسه معرفتش هو مين.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
كملي.
رجعت أبص في الرسالة.
أول مرة شوفت مريم كانت وهي داخلة أول جلسة علاج. كانت خايفة جدًا، لكن وهي معدية من قدامي وقعت منها الدبدوب الصغير اللي كانت حضناه.
افتكرت اليوم ده...
افتكرت فعلًا إن الدبدوب وقع، ورجل كبير في السن انحنى بسرعة، نفض عنه التراب، واداهولها وهو بيقول بابتسامة
الأبطال عمرهم ما يسيبوا أصحابهم.
مريم ضحكت وقتها لأول مرة بعد التشخيص.
لكن بعد كده... اختفى.
كملت القراءة.
من يومها بقيت أتابع أخبارها من بعيد. وكل مرة كنت أشوف ابتسامتها، كنت أحس إن ربنا رزقني بحاجة كنت فاقدها من سنين.
سألت الدكتور
هو كان قريب من حد في المستشفى؟
رد بهدوء
لا... كان مجرد إنسان شاف طفلة بتتألم، وقرر يساعد على قد ما يقدر.
بصيت للرسالة تاني.
كان باقي فيها صفحات كتير.
وفي آخر الصفحة الأولى مكتوب
لكن فيه سبب شخصي جدًا خلاني أتمسك بمريم تحديدًا... والسبب ده عمري ما حكيته لحد.
قلبي انقبض.
رفعت بصري للدكتور مرة تانية.
قال بصوت منخفض
السبب ده هو اللي هيشرحلك ليه كان بييجي كل أسبوع، حتى في الأيام اللي مريم كانت نايمة ومحدش بيشوفها... وليه كان بيرفض يمشي قبل ما يطمن عليها.
أخذت نفسًا عميقًا...
وقلبت الصفحة التالية، وأنا أشعر أن السر الحقيقي لم يبدأ بعد...قلبت الصفحة، وكانت الكتابة فيها أقل ترتيبًا، كأن صاحب الرسالة كتبها وهو متأثر.
من خمسة عشر سنة، كان عندي بنت في نفس سن مريم تقريبًا. كانت تضحك بنفس الطريقة، وتعشق الرسم والعرائس القماش. وفي يوم مرضت مرضًا شديدًا.
توقفت عن القراءة، ونظرت للدكتور.
قال بهدوء
كملي... هو كتب كل كلمة بنفسه.
أكملت.
الحمد لله، ربنا كتب لبنتي الشفاء، وهي دلوقتي متزوجة وعندها أسرة. لكن الفترة الصعبة اللي عشناها زمان عمرها ما خرجت من قلبي. وكل مرة كنت أشوف طفل بيحارب المرض، كنت أفتكر الأيام دي.
تنفست الصعداء.
لم تكن الرسالة تحمل مأساة جديدة، لكنها كانت تحمل وجعًا قديمًا جعل رجلًا غريبًا يقرر أن يساند أسرة لا يعرفها.
وأكملت القراءة
لما شوفت مريم، حسيت إن ربنا اداني فرصة أرد جزءًا من الجميل اللي ناس كتير عملوه معانا زمان. لذلك كنت أوصي إدارة المستشفى كل مرة لو احتاجت دواء، وفرّوه. لو نفسها في لعبة، هاتوها. ولو احتاجت أي شيء، بلغوني... لكن من غير ما تعرفوا اسمي.
أغلقت الرسالة لحظة، وقلت للدكتور
يعني عمره ما كان مستني أي مقابل؟
ابتسم وقال
ولا مرة. حتى لما حاولنا نشكره، كان يقول اشكروا ربنا بس، وأنا مجرد سبب.
ثم أشار إلى آخر ورقة داخل الظرف.
دي آخر صفحة... وهي السبب اللي خلاني أجري وراكم قبل ما تمشوا.
فتحتها ببطء.
كان مكتوب فيها
لو قرأتي الرسالة دي، يبقى مريم خرجت من رحلة العلاج وهي بطلة حقيقية. وأنا عندي طلب واحد بس... لو وافقتِ عليه.
توقفت عيناي عند السطر الأخير، وشعرت أن الطلب لن يكون عاديًا.
رفعت رأسي إلى الدكتور، فابتسم وقال
اقري... هو كان نفسه الطلب ده يوصلك بنفس كلماته.
وانطلقت عيناي إلى السطر التالي، بينما كان قلبي يخفق بقوة، مستعدًا لمعرفة ذلك الطلب الذي انتظر صاحبه عامين كاملين ليكشفه ابتسم الدكتور ابتسامة هادئة وقال
كمّلي للنهاية... دي كانت أمنيته الوحيدة.
أخذت نفسًا عميقًا، وأكملت قراءة آخر سطور الرسالة
طلبي بسيط... لما مريم تكبر وتفهم اللي حصل، متقوليلهاش إن فيه شخص أنقذها أو غيّر حياتها. قولي لها إن ربنا هو اللي سخر ناس طيبة في طريقها. ولو في يوم شافت طفلًا مريضًا أو محتاجًا، تساعده على قد ما تقدر... وساعتها أبقى أنا أخدت أجمل مكافأة.
لم أشعر بنفسي إلا وأنا أبكي.
رفعت رأسي وسألت الدكتور
هو فين؟... لازم أشكره.
ابتسم وقال
مستني في حديقة المستشفى.
خرجت أجري، ومريم كانت ماسكة إيدي وهي مستغربة.
ولما وصلنا للحديقة، كان فيه رجل كبير في السن قاعد على مقعد خشبي، ماسك كتاب صغير، ولما شاف مريم ابتسم بنفس الابتسامة اللي افتكرتها من أول يوم علاج.
وقفت قدامه وأنا عاجزة عن الكلام.
قلت بصوت متقطع
حضرتك... أنت؟
وقف بهدوء وقال
الحمد لله إنها خفت... ده أهم خبر كنت مستنيه.
مددت إيدي أصافحه، لكنه رفض بلطف، وقال
الشكر لله وحده.
أما مريم، فاقتربت منه وهي تحاول تتذكر.
ثم قالت فجأة
أنت العمو اللي قال لي الأبطال عمرهم ما يسيبوا أصحابهم!
ضحك الرجل، وامتلأت عيناه بالدموع.
انحنى قليلًا وقال
وفعلًا... طلعتي بطلة.
أخرجت الرسالة من الظرف وقلت
حضرتك عملت معانا معروف عمرنا ما هنعرف نرده.
هز رأسه وقال
تقدري ترديه.
سألته
إزاي؟
أشار إلى قسم الأطفال داخل المستشفى، وقال
فيه دلوقتي أطفال لسه بيبدأوا الرحلة اللي مريم خلصتها. لو كل واحد ربنا أنعم عليه بعد أزمة، مد إيده لغيره... هتفضل الدنيا فيها خير.
في تلك اللحظة، أمسكت مريم بيدي وقالت بحماس
يا ماما... أنا عايزة كل سنة أجيب لعب للأطفال اللي هنا.
نظر إليها الرجل وابتسم ابتسامة واسعة، ثم قال
أهو ده كان حلمي.
بعد دقائق، استأذن وانصرف بهدوء، دون أن يترك رقم هاتف أو عنوانًا، وكأنه جاء فقط ليطمئن أن رسالته وصلت.
مرت سنوات...
كبرت مريم، وأصبحت تشارك كل عام في زيارة قسم أورام الأطفال، تحمل ألعابًا وكتبًا وترسم الابتسامة على وجوه الصغار، تمامًا كما فعل معها أناس لم ينتظروا شكرًا ولا شهرة.
وعندما سألتني يومًا
يا ماما... ليه فيه ناس بتعمل خير من غير ما حد يعرفهم؟
ابتسمت وقلت
لأن أجمل الأعمال هي اللي يعلمها الله وحده... والخير الحقيقي عمره ما بيضيع.
تمت.