أخطر رئيس

لمحة نيوز

المصعد.
وفريدة كانت ماشية ورايا، لكنها كانت كل شوية تبص حواليها وكأنها خايفة تشوف وش تعرفه.
أول ما وصلنا للدور الأرضي...
لقيت دايرة كبيرة من الناس.
ورجالة العيلتين واقفين في صمت غريب.
شقّيت الزحمة.
كان الراجل الكبير ممدد على الأرض.
لسه عايش...
لكن أنفاسه كانت متقطعة.
ركعت جنبه.
فتح عينه بالعافية، وأول ما شافني شد على ياقة بدلتي بقوة غريبة بالنسبة لواحد في حالته.
همس
متثقش...
قربت ودني منه.
متثقش... في الصلح.
مين عمل فيك كده؟
بص حواليه بخوف.
وكأنه متأكد إن الشخص واقف وسط الزحمة.
ثم مد إيده المرتعشة ناحية فريدة.
هي اتجمدت مكانها.
حضرتك تعرفها؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
دي... آخر أمانة.
وقبل ما يكمل...
صدره هبط مرة واحدة.
وساب إيده تقع على الأرض.
في اللحظة دي، وصل الإسعاف.
لكن الدكتور أول ما كشف عليه، هز رأسه في هدوء.
البقاء لله.
ساد صمت ثقيل.
وفجأة...
واحد من رجالة عيلة الجبالي صاح بصوت عالي
فتشوا هدومه!
استغربت.
ليه مستعجلين بالشكل ده؟
قبل ما أي حد يقرب...
لقيت فريدة بتنزل على ركبتها جنب الراجل.
بصت ليا بخوف.
إيده...
مالها؟
كان حاطط حاجة فيها.
فتحت كفه بهدوء.
لقيت ورقة صغيرة جدًا، مطوية أربع مرات.
خبّيتها في جيبي قبل ما أي حد يشوفها.
في نفس اللحظة...
ظهر والد فريدة وسط الناس.
وشه كان جامد بشكل غير طبيعي.
أول ما شافها، قال بحدة
تعالي هنا.
لكنها ما اتحركتش.
كرر كلامه بصوت أعلى
سمعتي؟
لأول مرة...
فريدة بصت لأبوها من غير ما تنزل عينها للأرض.
وكان واضح إنها بتحاول تجمع شجاعتها.
أنا وقفت بينها وبينه.
دلوقتي مش وقته.
رمقني بنظرة باردة.
دي بنتي.
رديت بهدوء
وبقت مراتي.
التوتر زاد.
ورجالة العيلتين بدأوا يقربوا.
لكن قبل ما أي حد يتكلم...
دخل مدير الفندق وهو بيجري.
يا جماعة... في مشكلة.
كل الأنظار اتجهت له.
قال وهو يلهث
في حد دخل غرفة المراقبة... ومسح تسجيلات الكاميرات من بعد منتصف الليل.
اتعقدت حواجبي.
يعني حد كان مرتب كل خطوة.
وفجأة افتكرت الورقة اللي خدتها من كف الراجل.
استغليت الزحمة، وفتحتها بهدوء.
كان فيها رسم بسيط جدًا...
مش كلمات.
خريطة.
خريطة لمكان تحت الأرض.
وفي أسفلها جملة واحدة مكتوبة بخط مرتعش
لو وصلت هنا... هتعرف ليه كان لازم الجوازة دي تحصل طويت الورقة بسرعة قبل ما أي حد يلمحها.
لكن كان فيه تفصيلة شدت انتباهي.
في زاوية الخريطة...
كان مرسوم نفس الختم الأحمر اللي شوفناه قبل كده.
وتحته رقم واحد فقط.
12.
حاولت أفتكر.
الرقم ده شفته فين؟
وفجأة افتكرت...
الدور الثاني عشر.
الدور الوحيد في الفندق اللي اتقفل من يومين بحجة الصيانة.
بصيت لمدير الفندق.
مين اللي أمر بقفل الدور اتناشر؟
ارتبك.
شركة الصيانة يا فندم.
اسمها؟
بلع ريقه.
والله... العقد وصل من غير اسم شركة.
اتأكدت إن حد كان مجهز كل حاجة قبل الفرح بوقت طويل.
في اللحظة دي، حسيت إن فريدة شدت كم بدلتي برفق.
بصيتلها.
كانت بتبص ناحية نهاية البهو.
هناك...
اتبعت نظرتها.
كان فيه راجل لابس بدلة رمادية، واقف بعيد وسط الضيوف.
أول ما لاحظ إننا شفناه...
لف ومشى بهدوء، من غير ما يجري.
قلت لفريدة
تعرفيه؟
همست
لا... لكن هو كان واقف قدام بيتنا كل يوم لمدة أسبوع قبل الفرح.
بدأت أمشي وراه.
كل ما أسرع خطوة...
هو يسرع خطوة.
دخل ممر جانبي هادي.
وصلت بعده بثواني.
الممر كان فاضي.
اختفى.
لكن على الأرض...
كان فيه مفتاح إلكتروني خاص بالفندق.
رفعته.
مكتوب عليه بخط أسود
1207
يعني غرفة في الدور الثاني عشر.
في نفس اللحظة، وصلني اتصال من كبير الحرس.
باشا... في خبر لازم تعرفه.
اتكلم.
الراجل اللي مات تحت...
ماله؟
بصماته طلعت موجودة في ملفات العيلة من خمسة وعشرين سنة.
وده طبيعي.
لا يا باشا... الغريب إنه...
سكت لحظة.
إيه؟
متسجل إنه مات من اتنين وعشرين سنة.
وقفت مكاني.
إزاي؟
وده اللي محيرنا.
قفلت المكالمة وأنا ببص للمفتاح في إيدي.
إذا كان الراجل مات رسميًا من سنين...
فمين كان عايش طول المدة دي؟
وليه ظهر النهارده بالذات؟
وقبل ما ألحق أرتب أفكاري...
سمعنا صوت مكبرات الفندق تعلن
نرجو من السيد... والسيدة... التوجه إلى قاعة الصباحية. جميع أفراد العائلتين في انتظاركما.
بصيت لفريدة.
هي بصتلي.
كلنا عارفين إن القاعة دي مش مجرد إفطار...
دي كانت بداية المواجهة.
لكن قبل ما نتحرك...
اهتز المفتاح الإلكتروني في إيدي.
كان عليه ضوء أحمر بيومض.
وبعد ثوانٍ...
اتحول اللون إلى أخضر وحده، وكأن باب الغرفة 1207 اتفتح في نفس اللحظة... دون أن يلمسه أحد بصيت للمفتاح في إيدي.
الضوء الأخضر فضل منور ثانيتين...
وبعدين رجع أحمر.
كأن اللي فتح الباب...
كان مستني حد يدخل بسرعة.
التفت لفريدة.
الصباحية تستنى.
همست بقلق
ولو سألوا علينا؟
يسألوا.
أخدتها معايا ناحية سلم الخدمة بدل المصعد.
لو حد بيراقبنا بالكاميرات، هيفكر إننا رايحين القاعة.
أما إحنا...
فطلعنا للدور الاتناشر.
الدور كله كان ساكت بشكل غريب.
لا عمال.
لا صوت معدات.
ولا أي أثر لصيانة.
يعني الكذبة كانت واضحة.
وقفت قدام أوضة 1207.
المفتاح في إيدي رجع ينور أخضر.
فتحت الباب ببطء.
الأوضة كانت فاضية...
إلا من مكتب خشب قديم.
وفوقه جهاز تسجيل كاسيت.
لسه شغال.
أول ما دخلنا...
اشتغل لوحده.
وطلع صوت ست كبيرة في السن.
لو إنت سامعني... يبقى الخطة نجحت.
فريدة اتجمدت.
أول ما سمعت الصوت، دموعها نزلت.
همست
...ماما.
الصوت كمل
يا بنتي... لو وصلتي للتسجيل ده، يبقى أنا غالبًا مش هكون موجودة أشرحلك الحقيقة بنفسي.
فريدة انهارت على الكرسي.
وأنا فضلت ساكت.
أنا خبيت عنك أسرار كتير... مش علشان أخدعك... لكن علشان أحافظ على حياتك.
صوت شهيق فريدة كان مالي الأوضة.
التسجيل كمل
الجوازة دي ما كانتش صدفة.
والصلح ما كانش الهدف الحقيقي.
الهدف... إن حد يجمع مفاتيح العهد كلها في مكان واحد.
بصيت للمفتاحين اللي معانا.
إيدي شدت عليهم من غير ما أحس.
لما تسمعي الكلام ده... يبقى مع العريس مفتاح.
ومعاكي مفتاح.
وفاضل المفتاح الثالث.
اتعقدت حواجبي.
يعني فيه مفتاح تالت.
لكن قبل ما التسجيل يكمل...
انطفأ الجهاز فجأة.
ثم سمعنا صوت قفل الباب من برة.
جريت ناحية الباب.
حاولت أفتحه.
مقفول.
في اللحظة نفسها...
اشتغل سماعة صغيرة في سقف الأوضة.
وجالنا صوت رجل هادئ جدًا.
كنت مستني اللحظة دي من عشرين سنة.
قبضت على الباب بقوة.
مين؟
ضحك ضحكة قصيرة.
أنا... صاحب العهد.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال
دلوقتي... معاكم مفتاحين.
وأنا معايا التالت.
ولو عايزين تخرجوا من الأوضة أحياء...
يبقى لازم تجاوبوا على سؤال واحد.
ثم توقف ثواني قبل أن يقول
مين فيكم مستعد يضحي بحياته... علشان التاني يعيش؟مرّت ثوانٍ من الصمت...
ثم قلت بصوت ثابت
أنا.
وقبل ما فريدة تنطق، ضغطت بإيدي على المفتاحين وحطيتهم على الطاولة.
لو لازم حد يدفع الثمن... هيكون أنا.
ضحكة هادئة خرجت من السماعة.
ثم جاء صوت الرجل
وده بالضبط السبب... اللي خلاك تختار.
وفجأة...
انفتح الباب لوحده.
خرجنا بسرعة.
الممر كان فاضي.
ولا فيه أي أثر لصاحب العهد.
لكن على الأرض كان فيه صندوق خشبي صغير.
فتحته.
لقيت المفتاح الثالث.
ومعاه ملف قديم جدًا.
أول ورقة فيه كانت كافية تقلب كل اللي عرفناه.
وصية مؤسس العيلتين.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
تنتهي الخصومة بين العائلتين يوم يتزوج حفيدي من حفيدتها برضاهما، لا بالإجبار. وأي زواج يتم بالإكراه يُعد باطلًا، وتسقط به كل شروط الصلح والميراث.
سكتُّ.
كل اللي حصل...
كان مخالفًا لوصية الرجل اللي بدأت باسمه الحكاية كلها.
كملت القراءة.
ومن يثبت أنه أجبر أحد الطرفين على هذا الزواج، يُحرم من إدارة أملاك العائلتين، وتنتقل السلطة إلى من يحمي الضعيف ولا يستغله.
رفعت رأسي ببطء.
وفهمت.
صاحب العهد ما كانش بيحاول يفرق بين العيلتين...
كان بيختبر مين يستحق يقودهم.
وفي نفس اللحظة، دخل كبير العائلتين ومعاه الجميع إلى القاعة.
وضعت الوصية على الطاولة أمامهم.
ساد صمت ثقيل.
بدأ المحامون يراجعون الأختام والتوقيعات.
وبعد دقائق...
وقف أكبرهم وقال
الوصية صحيحة... ومسجلة منذ عشرات السنين.
تحولت الوجوه.
الذين أجبروا فريدة على الزواج انكشف أمرهم أمام الجميع.
وسقطت عنهم كل صلاحياتهم وفقًا للوصية.
أما فريدة...
فوقفت لأول مرة دون خوف.
نظرت إلى والدها وقالت بهدوء
أنا مش هعيش بعد النهارده إلا بكرامتي.
ولم يستطع أحد أن يرد.
أما الرجل الذي كان يُعرف بلقب صاحب العهد...
فلم يظهر مرة أخرى.
ولم يعرف أحد اسمه الحقيقي.
ترك فقط رسالة أخيرة داخل الملف
العائلات لا يحفظها السلاح... يحفظها العدل.
بعد أسابيع، جلسنا أنا وفريدة نتحدث لأول مرة بلا خوف، وبلا أوامر من أحد.
قلت لها
من يوم الفرح، وعدتك إن
أول حاجة هاخدها منك هي الخوف.
ابتسمت ابتسامة هادئة، وقالت
ووفيت بوعدك.
وانتهت الحرب التي استمرت سنوات...
ليس بدمٍ جديد، ولا بانتقام...
بل بكشف الحقيقة، وعودة الحق إلى أصحابه، وبداية حياة اختارها الطرفان بإرادتهما.

تم نسخ الرابط