بعد ماخلفت
أطول، كأنه إنذار أخير.
الأستاذ فؤاد قرب من الباب من غير ما يفتحه، وقال بصوت ثابت
مين؟
جاله الرد فورًا
إحنا معانا أمر نستلم الحاجة... ومن مصلحتكم تفتحوا.
بصلي فؤاد، وهز راسه بالنفي.
وفجأة... طلع مفتاح صغير من جيبه، وجرى ناحية المكتبة الخشبية اللي في الصالون.
ضغط على رف معين، فسمعنا صوت تك.
المكتبة اتحركت سنتيمترات قليلة، وظهر وراها باب حديد صغير، عمرى ما كنت أعرف إنه موجود في شقتي.
شهقت من الصدمة.
قلت
إيه ده؟!
رد وهو بيفتح الباب
المكان ده معمول من سنين... حتى جوزك نفسه ماكانش يعرف إنه موجود غير من فترة قريبة.
دخلنا بسرعة، وقفلت سماح الباب الحديدي ورانا.
المكان كان عبارة عن غرفة ضيقة جدًا، فيها خزنة قديمة، وطاولة خشب، وصندوق حديد أسود عليه قفل كبير.
قبل ما أسأل أي سؤال، سمعنا صوت الباب الرئيسي للشقة بيتكسر.
حد دخل الشقة.
واتسمعت أصوات ناس بيفتشوا كل ركن.
واحد منهم قال
دوروا كويس... الملف لازم يكون هنا.
والتاني رد
ولو ملقيناهوش... هاتوا الست، هي أكيد تعرف هو فين.
اتجمدت في مكاني.
هما بيدوروا عليا أنا.
الأستاذ فؤاد فتح الخزنة بسرعة، وأخرج منها ظرف أصفر قديم، كان عليه اسمي بالكامل.
ناولني الظرف وقال
الظرف ده كان المفروض توصلي له بعد سنين... لكن الظاهر إن الوقت سبقنا.
فتحت الظرف بإيدي المرتعشة.
كان جواه خطاب قصير جدًا، مكتوب بخط إيد أعرفه كويس...
خط إيد أبويا.
رغم إن أبويا متوفي من أكتر من عشر سنين.
كانت أول جملة في الخطاب
يا بنتي... لو بتقري الرسالة دي، يبقى حد عرف السر قبل معاده، ولازم تعرفي إن الشقة دي عمرها ما كانت مجرد شقة...
ولسه هكمل قراءة...
سمعنا صوت خبطة قوية جدًا فوقينا، وبعدها صوت حفر في سقف الغرفة السرية.
رفعنا راسنا في نفس اللحظة.
وكان واضح جدًا...
إن اللي بيدوروا علينا اكتشفوا مكان الغرفة، وبدأوا يفتحوا السقف علشان ينزلوا علينا شهقت سماح، وسندت على الحيطة كأن رجليها مبقوش شايلينها.
أما الأستاذ فؤاد، فقبض على إيده بقوة وقال بصوت مخنوق
مستحيل... هو كان في مكان محدش يعرفه.
جاءه الرد من وراء الباب الحديدي
كان في مكان محدش يعرفه... لحد ما حد منكم اتكلم.
ساد صمت ثقيل.
بصيت لسماح، وبصيت لفؤاد.
أول مرة الشك يدخل قلبي ناحية الاتنين.
مين فيهم سرب السر؟
فؤاد قرب من الباب وسأل
عايزين إيه؟
الرجل ضحك ضحكة قصيرة وقال
مش جايين ناخد الملف... إحنا خدينا اللي أهم منه.
وبعدين رمى حاجة من تحت الباب.
انحنيت أخدها.
كانت عربية لعبة صغيرة...
هي نفسها العربية اللي كنت جايباها لابني في عيد ميلاده، وكان عليها خدش صغير كنت أعرفه كويس.
قلبي وقع.
إزاي اللعبة دي وصلت عندهم؟
ابني أصلًا كان عند أمي.
رفعت اللعبة وأنا ببص لفؤاد بعين مليانة رعب.
قال بسرعة
اطمني... ابنك مع والدتك.
لكن قبل ما يكمل كلامه، رن موبايلي.
المتصل...
أمي.
رديت بسرعة وأنا بصرخ
ماما! ابني كويس؟
لكن اللي رد ماكانش صوت أمي.
كان نفس الراجل.
قال بهدوء
متقلقيش... الطفل بخير.
إحنا لمسناهش...
لكن والدتك لما رجعت من السوق ملقتوش في البيت.
وقفل الخط.
وقعت مني الموبايل.
حسيت الدنيا كلها بتلف.
صرخت وأنا بعيط
ابني... ابني راح فين؟!
في اللحظة دي، سماح مسكت دراعي بقوة وقالت
اسمعيني... فيه حاجة أنا مخبياها من أول يوم.
بصيت لها بذهول.
قالت وهي تبكي لأول مرة
أنا وافقت أشتغل مع جوزك من شهور... لكن مش عشان الفلوس.
هو كان بيحاول يحميكم.
ومن يومها وإحنا كلنا تحت المراقبة.
لكن في شخص قريب جدًا منكم... هو اللي كان بينقل كل تحركاتنا.
وقبل ما أسألها مين هو...
سمعنا صوت رسالة جديدة وصلت على موبايلي.
فتحتها.
كانت صورة حديثة لابني...
قاعد على كرسي، ووشه هادي، ومافيش عليه أي أذى.
لكن اللي خلاني أتجمد...
إن اللي كان واقف وراه، وحاطط إيده على كتفه...
شخص أعرفه كويس جدًا، وشوفته مئات المرات...
لكني أبدًا ما كنت أتخيل إنه يكون له أي علاقة بكل اللي بيحصل إليك نهاية تربط كل الخيوط بدون خيانة أو علاقة غير شرعية، وتكشف السر بطريقة درامية
فضلت أبص للصورة وأنا مش قادرة أصدق عيني.
الشخص اللي واقف ورا ابني... كان خالي.
أخو أمي.
الرجل اللي كان داخل بيتنا طول عمره، واللي كنت بعتبره زي أبويا.
الأستاذ فؤاد أخد الموبايل من إيدي، وأول ما شاف الصورة قال
انكشف كل شيء.
بصيتله وأنا بصرخ
انطق... إيه اللي بيحصل؟!
أخذ نفسًا عميقًا وقال
أبوكي قبل ما يتوفى اكتشف عملية تزوير كبيرة في أملاك العيلة. كتب كل الأدلة في الملف، وخبّى مستندات الملكية الأصلية داخل الشقة. وكان عارف إن في ناس من أقرب الناس ليكم هيدوروا عليها، فكتب الشقة باسم جوزك مؤقتًا، واتفق معاه يحافظ عليها لحد ما ييجي الوقت المناسب.
لفيت أبص لجوزي، اللي دخل في اللحظة دي من الباب الخلفي للبدروم، ووشه كله تراب وآثار مطاردة.
قال وهو بيبصلي بعين مليانة أسف
كنت عايز أقولك الحقيقة... لكن كل ما كنت بقرب، كانوا بيهددوا إنهم هيأذوا ابننا.
وقتها فهمت ليه خلاني أروح عند أمي، وليه سماح كانت موجودة في الشقة.
ما كانتش عايشة فيها...
كانت بتحرس المكان، لأنها الوحيدة اللي محدش يشك فيها.
فجأة دوى صوت الشرطة في المكان
محدش يتحرك!
خرج الرجال اللي كانوا بيطاردونا من مخابئهم، واتقبض على خالي ومعاه باقي أفراد العصابة.
واعترف إنهم كانوا بيراقبونا من شهور، وإنهم خطفوا ابني ساعات قليلة عشان يضغطوا علينا، لكن الشرطة وصلت قبل ما يهربوا بيه، ورجعوه سالم من غير ما يمسه أي أذى.
بعد أيام، المحكمة أبطلت كل الأوراق المزورة، ورجعت الحقوق لأصحابها.
رجعت بيتي، لكن المرة دي وأنا عارفة إن أغلى حاجة فيه ما كانتش الدهب ولا الشقة...
كانت الثقة.
وقفت قدام سماح، ومديت لها إيدي.
قلت لها
سامحيني... ظلمتك لما شكيت فيكي.
ابتسمت والدموع
في عينيها وقالت
أنا كنت مستعدة الناس كلها تكرهني... المهم أوفي بالوعد اللي وعدته لأبوكي.
أما جوزي، فوقف قدامي وقال
يمكن أخطأت لما خبيت الحقيقة... لكن عمري ما خنتك، وكل اللي عملته كان علشان أحميك إنتِ وابننا.
سامحته بعد وقت طويل، لأن الثقة لا تعود في يوم واحد.
أما رسالة أبويا الأخيرة، ففضلت محتفظة بيها طول عمري.
وكان آخر سطر فيها يقول
المال ممكن يضيع ويرجع... لكن الإنسان اللي يحافظ على الأمانة، هو أغلى ميراث ممكن تسيبه لأولادك.
ومن يومها، كل ما أبص لبيتي، أفتكر إن الأسرار مهما طالت، الحقيقة في النهاية بتظهر، والحق عمره ما بيضيع.