تبرعت بكيسين دم
اللي بيراقبك.
بصيت حواليا.
الممر كان مليان ناس، أطباء وممرضين ومرضى وأقارب لكن فجأة حسيت إن كل شخص بيبص لي ممكن يكون هو المقصود.
رفعت عيني ناحية باب المستشفى الزجاجي.
وفي آخر الشارع
عربية سودا كانت واقفة.
النور مطفي.
لكن أول ما بصيت ناحيتها، العربية اتحركت ببطء واختفت عند أول شارع.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
رجعت أبص للموبايل.
الرقم المجهول كان لسه موجود.
كتبت
إنت مين؟
الرد جه فورًا
شخص كان يعرف أبوكي قبل ما إنتِ تتولدي.
كتبت
أبويا فين؟
ظهرت علامة الكتابة.
اختفت.
رجعت ظهرت.
ثم وصلت الرسالة
أقرب مما تتخيلي.
اتجمدت.
كتبت بسرعة
يعني عايش؟
ما جاش رد.
بدلًا منه وصلتني صورة جديدة.
صورة لباب حديد قديم.
عليه نفس الرقم
17
وتحتها
باقي 29 دقيقة.
بصيت للساعة.
1131.
اتحركت بسرعة ناحية موقف العربيات.
لكن قبل ما أوصل، سمعت صوت أحمد
مريم!
وقفت.
كان بيجري ناحيتي.
استني.
إنت بتراقبني؟
لأ.
رفعت الموبايل قدامه.
أمال مين اللي بعتلي ده؟
وشه اتغير.
أخد الموبايل من إيدي، وقرأ الرسائل.
سكت تمامًا.
تعرف الرقم؟
ما ردش.
أحمد!
قال
أيوه.
اتصدمت.
مين؟
رجع الموبايل لي.
الشخص اللي كنت أتمنى ما ترجعيش تسمعي صوته أبدًا.
مين؟
قال
عمّي.
عمك؟
أخو أبويا.
سكت لحظة.
ثم قال
والراجل اللي كان آخر شخص شاف أبوكي قبل ما يختفي.
قلبي اتقبض.
يختفي؟
أيوه.
يعني أبويا ما ماتش؟
أحمد بص بعيد.
أنا ما قلتش كده.
لكنك قلت يختفي!
لأن ده اللي حصل.
قربت منه.
طيب ليه عيلتك قالت إنه مات؟
سكت.
ليه؟
قال بصوت منخفض
علشان كان لازم الناس تصدق إنه مات.
مين الناس؟
رفع عيني لي.
الشرطة وشركاءه وإنتِ.
اتجمدت.
وأنا ليه؟
أحمد أخذ نفسًا طويلًا.
لأن أبوكي قبل اختفائه سلّم حاجة لحد من عيلتي.
إيه؟
ملف.
فيه إيه؟
أسماء.
أسماء مين؟
نظر في عيني مباشرة.
أسماء ناس سرقوا أموال شركته.
سكت.
ثم قال
وأسماء ناس كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة علشان الملف ده يختفي.
بدأت أفهم ليه كل حاجة كانت سرية.
ليه المكتب مقفول.
ليه أحمد كان مهووس بالقوانين.
ليه عيلته كانت عايزة تسيطر على كل حاجة.
لكن سؤال واحد كان لسه واقف قدامي
وإيه علاقة جوازي منك بالموضوع؟
أحمد ما جاوبش.
قلت
إنت اخترتني فعلًا بسبب دمي؟
غمض عينيه.
في البداية
توقف.
في البداية إيه؟
قال
كان لازم أتأكد إنك الشخص الصح.
الشخص الصح لإيه؟
قبل ما يجاوب، موبايلي رن.
الرقم المجهول.
رديت.
جالي صوت رجل كبير وهادئ
مريم؟
تجمدت.
مين؟
قال
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكي متصدقيش أحمد.
بصيت لأحمد.
ثم سمعت الرجل يقول
ومتفتحيش الخزنة رقم 17 قبل ما تلاقي الورقة اللي أمك خبّتها في بيتكم القديم.
أمي ماتت من سنين!
ضحك ضحكة قصيرة.
أنا عارف.
إنت مين؟!
قال
الشخص اللي كان واقف جنبها في آخر ليلة في حياتها.
ثم قفل.
فضلت ماسكة الموبايل.
أحمد قال
مين كان؟
ما رديتش.
لأني في نفس اللحظة
وصلتني رسالة جديدة.
باقي 18 دقيقة.
وتحتها عنوان.
عنوان البيت القديم.
لكن المفاجأة كانت إن العنوان
كان بيتي أنا وأحمد الحالي رجعت البيت أنا وأحمد، لكن المرة دي ما دخلتش من باب الزوجة اللي راجعة تسمع أوامر.
دخلت وأنا عارفة إن البيت ده مخبي حاجة عني.
أحمد وقف عند باب المكتب.
مريم، قبل ما نفتحه، اسمعيني.
قلت
افتحه.
طلع المفتاح من جيبي.
دخلته في القفل.
لكن بدل ما أفتح الخزنة، بدأت أفتش في المكتب نفسه.
وفي درج قديم تحت مجموعة ملفات، لقيت ظرفًا أبيض.
عليه اسم أمي.
فتحته.
جواه رسالة قصيرة
يا مريم، لو وصلتي هنا، يبقى أحمد قال لك جزء من الحقيقة فقط. أبوكي عايش، لكنه مش محتاج إنقاذك هو محتاج إنك تعرفي إنه هو اللي اختار يختفي علشان يحميكي.
نزلت دموعي.
كملت
وسلمى ليست ابنة أبيك كما يعتقدون. هي أختك من الأم.
رفعت عيني لأحمد.
أمي كانت أم سلمى؟
هز رأسه.
أيوه.
وإنت كنت عارف؟
عرفت قبل جوازنا بشهور.
واتجوزتني ليه؟
أحمد سكت طويلًا.
ثم قال
لأن أبوكي طلب مني أحميكي.
ضحكت وأنا بعيط.
تحميني؟ بالقوانين والعقوبات؟
كنت غبي وافتكرت إن السيطرة معناها حماية.
وكنت بتستنى إيه؟ إن دمي ينقذ سلمى؟
هز رأسه.
لا. والله ما كنت أعرف إنك هتكوني المتبرعة الوحيدة. لما عرفت إن فصيلتك متوافقة، اتصلت بالمستشفى لكن القرار كان قرارك.
بصيت له.
بس إنت كنت عارف إن سلمى أختي.
كنت شاكك فقط.
وفجأة ظهر إشعار على هاتفي.
رسالة من نفس الرقم المجهول
كفاية أسرار. افتحي الخزنة.
فتحتها.
كان جواها ملف واحد.
صور قديمة.
أوراق ملكية.
تقارير طبية.
وفي النهاية صورة لأبي.
حي.
واقف أمام كاميرا، ومعه ورقة مكتوب عليها تاريخ اليوم.
وتحت الصورة
أنا بخير. وسيأتي اليوم الذي أشرح لك فيه كل شيء.
انهرت على الكرسي.
أحمد وقف بعيدًا.
لأول مرة ما حاولش يمنعني.
بعد أسبوع، ظهر أبي فعلًا.
عرفت الحقيقة كاملة.
كان قد اختفى بإرادته بعدما اكتشف فساد شريكه، وترك أمي وسلّمى بعيدًا عن الخطر. أما عائلة أحمد، فكانت تعرف جزءًا من السر، وحاولت السيطرة على كل شيء حتى لا تظهر الحقيقة.
وسلّمى؟
كانت أختي من أمي فعلًا.
وعندما احتاجت الدم، كانت مصادفة مؤلمة أن يكون دمي هو المتوافق معها.
أما أحمد
فلم أخضع لطلبه، ولم أرجع للجواز.
وقّعت الطلاق رسميًا.
ولم آخذ شقته ولا سيارته ولا أمواله.
أخذت فقط حقي في أن أبدأ حياتي من جديد.
وبعد شهور، سلمى خرجت من المستشفى.
وفي أول يوم قابلتها فيه خارج المستشفى، حضنتني وبكت.
قالت
أنا خسرت سنين من عمري وأنا فاكرة إنك مجرد مرات أخويا.
ابتسمت وسط دموعي.
وأنا خسرت سنين وأنا فاكرة إنك مجرد أخته.
ضحكنا لأول مرة.
أما أحمد، فبعد شهور طويلة حاول يرجعني.
لكن في كل مرة كان يقول
اتعلمت الدرس.
كنت أفتكر الورقة اللي رماها في وشي يوم رجعت من المستشفى، وأنا لسه ضعيفة بعد ما تبرعت بدمّي لأخته.
وأقول له
وأنا كمان اتعلمت الدرس.
ثم أنهيت المكالمة.
لأن الإنسان ممكن يسامح على كلمة قاسية
لكن أصعب حاجة تتسامح هي إن شخص يشوفك تنزفي من أجله، ثم يعاقبك لأنك تأخرت عن إعداد العشاء.
وأنا في اليوم ده فهمت أخيرًا
البيت اللي يحتاج قوانين تمنع الرحمة مش بيت يستحق إنك تكملي فيه.