ابويا زق الكرسي
أبويا زق الكرسي وقال مفيش مكان للفقرا على سفرتي فحطيت ملف على الطاولة وقلتله إنت لسه عملت أغلى غلطة في حياتك! كنت لسه هقعد على سفرة العشا، لكن أبويا مسك ضهر الكرسي وزقه بعيد عن السفرة.
وقال من غير حتى ما يبصلي
أنا مبقعدش مع عيل فقير ومالوش لازمة.
لثانية، محدش اتحرك.
وبعدين عمتي ضحكت.
وابن خالي ابتسم وهو بيبص في كوباية النبيذ بتاعته، ومامتي فضلت باصة في طبقها كأنها مش سامعة حاجة.
أما أختي الصغيرة، مادونا، فطلعت موبايلها بهدوء وبدأت تصور.
اسمي كارولين حسن. كان عندي 32 سنة، وسافرت من رالي لشارلوت عشان أحضر عيد ميلاد أبويا الستين، في قاعة خاصة جوه واحد من أغلى المطاعم في المدينة.
أبويا طول عمره بيقيس الناس بالحاجات اللي بيقدروا يظهروها.
عربيات.
بيوت.
مناصب.
ساعات غالية.
وأنا؟
معنديش ولا حاجة من دول.
على الأقل ده اللي هو كان فاكره.
من 3 سنين، سبت شركة المقاولات بتاعته بعدما رفض يرقيني من منسقة مشروعات، رغم إني كنت السبب في إتمام أكبر عقدين تجاريين في تاريخ الشركة.
أبويا قال لكل الناس إني معرفش أتحمل المسؤولية.
ساعتها استأجرت شقة صغيرة، وفضلت أركب عربيتي الهوندا اللي بقالها 8 سنين، وبدأت أشتغل بشكل مستقل في الاستشارات.
بالنسبة لعيلتي، ده كان معناه إني فشلت.
وعشان كده، لما أبويا زق الكرسي بعيد عني، مكنش بيهزر.
قال ببرود
روحي اقعدي عند البار. السفرة دي للناس اللي عملت حاجة في حياتها فعلًا.
وشي سخن من الإحراج، لكن صوتي فضل هادي.
حاضر.
مادونا نزلت الموبايل شوية.
هي كانت عارفة النبرة دي كويس.
أبويا لأ.
مديت إيدي في شنطتي، وطلعت ملف كحلي، وحطيته جنب طبقه.
وبصيت له وقلت
إنت عملت غلطة هتكلفك كتير أوي.
أخيرًا رفع عينه وبصلي.
إيه ده؟
افتحه.
ابتسامته اختفت أول ما شاف اسم الشركة المكتوب على الورق.
من 6 أسابيع، شركة أبويا، مجموعة حسن للتطوير العقاري، كانت متعثرة في سداد قرض تجاري قيمته 6 4 مليون دولار، متعلق بمشروع سكني متوقف.
البنك كان باع الدين في سرية لشركة استثمار خاصة.
وأبويا كان وقتها بيتفاوض معاهم عشان ياخد مهلة إضافية.
لكن اللي هو مكنش يعرفه
إن شركتي الاستشارية الصغيرة كبرت جدًا.
ومن سنتين، أسست شراكة استثمارية مع 3 عملاء سابقين ليا.
والشراكة دي
هي اللي اشترت الدين بتاعه.
أبويا بص للورقة، وبعدين بصلي.
إنتِ اشتريتي القرض بتاعي؟
هزيت راسي بهدوء.
مش القرض بس.
وقلبت الصفحة.
كان مرفق بالملف إخطار بالحجز والتنفيذ على المخزن، وساحة المعدات، ومبنى المكاتب اللي كانوا ضامنين للقرض.
القاعة كلها سكتت.
أبويا بص للورق، ووشه بدأ يفقد لونه.
وبصوت واطي جدًا، قال
كارولين إنتِ عملتي إيه؟وووو
حكايات_زيزي
كارولين إنتِ عملتي إيه؟
فضلت باصة له من غير ما أرمش.
اشتريت الدين اللي كنت بتفاوض البنك عشانه.
عمتي شهقت، وابن خالي حط الكوباية على الطاولة ببطء.
أما مادونا، فكانت لسه ماسكة موبايلها وبتصور.
أبويا مد إيده ناحية الملف، لكني سحبته قبله.
لسه مخلصناش.
بصلي بعصبية.
إنتِ فاكرة إنك كده بقيتي صاحبة الشركة؟
ابتسمت.
لا. أنا مش صاحبة شركتك.
وسكتُّ لحظة.
أنا صاحبة الورقة اللي ممكن تخلي شركتك تخرج من إيدك.
اتغيرت ملامحه فورًا.
قال بصوت منخفض
إنتِ بتهدديني؟
لأ. أنا بقولك الحقيقة.
قلبت الصفحة الأخيرة قدامه.
كان فيها جدول زمني واضح للسداد، وشروط التنفيذ، وأسماء الأصول المضمونة.
لكن في أسفل الصفحة كان فيه بند واحد
هو اللي خلى أبويا يقوم من مكانه فجأة.
قرأه مرة.
ثم مرة ثانية.
وبعدين رفع عينه ناحيتي.
مين اللي قالك عن العقد ده؟
هنا لأول مرة ابتسامتي اختفت.
لأن السؤال ده أكد لي إن شكوكي كانت في محلها.
أنا مكنتش أعرف كل حاجة.
لكن واضح إن أبويا كان مخبي عن العيلة سر أكبر بكتير من موضوع القرض.
قلت بهدوء
ليه؟ إيه اللي في العقد مخوفك؟
سكت.
ماما أخيرًا رفعت عينيها من طبقها.
وقالت بصوت مرتجف
كارولين بلاش تكملي.
بصيت لها.
ليه يا ماما؟
ما ردتش.
أبويا لف ناحيتها بسرعة.
إنتِ وعدتيني إنك مش هتقولي لها.
تجمدت في مكاني.
بصيت لأمي.
ثم لأبويا.
مش هتقولولي إيه؟
ولا واحد فيهم رد.
وفجأة، مادونا وقفت التصوير.
وقالت
أنا عارفة.
كلنا بصينا لها.
فتحت موبايلها، ومدته ناحيتي.
أنا صورت حاجة من شهر وكنت مستنية اليوم ده.
أخدت الموبايل منها.
الفيديو كان قصير.
لكن في أول عشر ثواني منه
سمعت صوت أبويا بوضوح.
وكان بيتكلم مع رجل غريب داخل مكتبه.
لو كارولين عرفت إن المشروع اتبنى على الأرض دي كل حاجة هتنهار.
وقفت عن التنفس للحظة.
رفعت عيني لمادونا.
إيه الأرض دي؟
مادونا بلعت ريقها.
أرض جدتنا.
سقطت الكلمة على الطاولة كأنها قنبلة.
وأبويا صرخ
مادونا! اقفلي الموبايل حالًا!
لكن كان فات الأوان.
لأني بدأت أفهم
إن الدين اللي اشتريته لم يكن أكبر أسرار عائلتي.
الأكبر كان السبب الحقيقي وراء إفلاس أبي.
والأسوأ
إن اسمي أنا كان موجودًا في المستندات القديمة المتعلقة بالأرض فضلت ماسكة موبايل مادونا وأنا بحاول أستوعب اللي سمعته.
اسمي موجود في المستندات؟
مادونا هزت راسها ببطء.
أيوه.
أبويا ضرب بإيده على الطاولة.
كفاية! الموضوع ده انتهى.
بصيت له بهدوء.
إنت مش اللي تقرر إمتى الموضوع ينتهي.
وشه احمر.
كارولين، إنتِ مش فاهمة حاجة.
يبقى فهمني.
سكت.
ثواني طويلة مرت، محدش فيها اتكلم.
وبعدين ماما قالت بصوت مكسور
أبوك كان المفروض يقولك من زمان.
لفيت ناحيتها.
يقول لي إيه؟
ماما بصت لأبويا.
وأبويا لأول مرة مقدرش يبص في عيني.
قالت
الأرض اللي الشركة بنت عليها أول مشروع كبير كانت ملك جدتك.
قلبي دق بسرعة.
وإيه علاقتي أنا؟
ماما مسحت دمعة نزلت على خدها.
جدتك كتبت اسمك في الوصية.
اتجمدت.
إيه؟
أبويا اتدخل بسرعة
وصية قديمة ملهاش قيمة.
بصيت له.
لو ملهاش قيمة ليه خايف منها؟
محدش رد.
فتحت الملف اللي قدامي، وبدأت أقلب الأوراق.
كنت فاكرة إني اشتريت مجرد دين.
لكن فجأة لقيت مستندًا قديمًا مرفقًا بملف الرهن.
وفي أسفل الصفحة
كان فيه توقيع أبي.
وتحته جملة واحدة
أقرّ بأن كارولين حسن هي المستفيدة الوحيدة من ملكية الأرض في حال نقلها دون موافقتها.
حسيت إني فقدت القدرة على الكلام.
رفعت الورقة.
إنت وقعت على ده؟
أبويا اتحرك ناحيتي.
هاتِ الورقة.
رجعت خطوة.
ليه؟
لأنك مش فاهمة معناها.
ابتسمت بسخرية.
أنا فاهمة حاجة واحدة بس.
قربت الورقة من صدري.
إنك من تلات سنين، لما كنت بتقولي إني فاشلة ومليش لازمة كنت عارف إن جزء من أكبر مشروع في شركتك كان مربوط بيا.
سكت.
ثم قلت
ومع ذلك طردتني.
مادونا قالت فجأة
مش بس كده.
بصينا لها.
فتحت فيديو تاني.
وقالت
فيه جزء ما وريتهولكيش.
شغلت التسجيل.
ظهر أبويا في مكتبه مع نفس الرجل الغريب.
لكن المرة دي، سمعت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
لو كارولين رجعت تطالب بحقها لازم نخليها توقع على التنازل قبل ما تعرف القيمة الحقيقية للأرض.
وقفت مكاني.
بصيت لأبويا.
إنت كنت ناوي تخليني أتنازل عن أرضي؟
أبويا سكت.
والسكوت كان إجابة كافية.
لكن قبل ما أقول أي كلمة
رن هاتفه.
بص للشاشة.
وتغير وجهه تمامًا.
مد إيده ورد.
ألو؟
سمعنا صوت الرجل من الناحية التانية، واضح ومتوتر
لازم تخرج من المطعم فورًا.
أبويا عقد حاجبيه.
ليه؟
جاء الرد
لأن البنك اكتشف إن الدين اتباع لشركة كارولين.
سكت أبويا.
ثم جاء الصوت مرة أخرى
والأسوأ من كده المحامي بتاعها قدم بالفعل طلبًا لفتح ملف الملكية القديم.
وقتها
بص أبويا ناحيتي.
ولأول مرة في حياتي شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
لكن الرجل على الهاتف قال جملة أخيرة
خلت أبويا يفقد السيطرة تمامًا
وفي حد تاني قدم بلاغ ضدك من ساعتين.
أبويا همس
مين؟
وجاء الرد
أختك.
رفع أبويا عينه ببطء ناحية عمتي.
عمتي كانت قاعدة بهدوء
لكنها كانت تبتسم مين دفع فلوس دراستي؟
سؤالي نزل على القاعة كأنه صفعة.
أبويا فضل ساكت.
بصيت لماما.
إنتِ عارفة؟
ماما بدأت تبكي.
كارولين الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
ضحكت بمرارة.
كل مرة تقولوا لي الجملة دي، ألاقي إن الموضوع أسوأ.
عمتي مدت إيدها للظرف.
اقري الورقة اللي تحت.
طلعتها.
كانت فاتورة قديمة جدًا، من أيام الجامعة.
لكن اسم الدافع لم يكن اسم أبي.
كان اسم شركة لم أسمع بها من قبل.
روز هولدينغز.
رفعت عيني.
دي شركة مين؟
عمتي قالت
شركة جدتك.
سكتُّ.
يعني جدتي هي اللي دفعت مصاريف دراستي؟
هزت رأسها.
مش جدتك بس.
قلبت الورقة.
كان فيه تحويلات منتظمة كل سنة.
مصروفات الجامعة.
السكن.
حتى أول سيارة اشتريتها بعد التخرج.
كلها كانت مدفوعة من نفس الحساب.
لكن الشيء اللي صدمني
إن آخر تحويل كان قبل ثلاث سنوات فقط.
بالضبط قبل ما أسيب شركة أبويا.
بصيت له.
إنت كنت بتاخد فلوس من جدتي عشان تصرف عليا؟
أبويا قال بصوت منخفض
أنا كنت بحميكي.
صرخت لأول مرة
تحميني من إيه؟!
انتفضت القاعة.
من الحقيقة؟ من حقي؟ ولا من إنك تخسر الشركة؟
أبويا وقف.
أبوك ما كانش عايز يخسرك.
عمتي ردت ببرود
هو كان خايف يخسر الشركة، مش كارولين.
ثم أخرجت ورقة أخرى.
ودي هتثبتلك كل حاجة.
أخدتها.
وكانت عبارة عن عقد شراكة.
لكن الاسم الموجود عليه جعل يدي ترتعش.
اسمي أنا.
وتاريخ العقد كان قبل سبع سنوات.
يعني قبل ما أعرف حتى إن عندي أي علاقة قانونية بالشركة.
قلت
إيه ده؟
أبويا اقترب مني.
كارولين، اسمعيني قبل ما تعملي أي حاجة.
رجعت خطوة.
إنت وقعت باسمي؟
لم يرد.
رد عليا!
قال
كنت مضطر.
عمتي قاطعته
لأ.
بصت له.
إنت كنت طماع.
ثم التفتت إليّ.
أبوك استخدم اسمك في اتفاقية كان الهدف منها نقل جزء من ملكية الأرض للشركة.
شهقت.
من غير علمي؟
من غير علمك.
قلبت الورقة بسرعة.
وفي أسفل الصفحة
كان فيه توقيع.
توقيعي.
نفس اسمي.
لكنني لم أوقع هذا العقد في حياتي.
رفعت الورقة أمام أبي.
مين زوّر توقيعي؟
وجهه تغير.
مادونا قربت مني وقالت
كارولين في حاجة تانية.
إيه؟
أنا عرفت مين كان بيشتغل في مكتب أبويا وقت ما العقد ده اتعمل.
مين؟
مادونا بصت ناحية ابن خالي.
القاعة كلها سكتت.
ابن خالي ابتسامته اختفت.
قال بسرعة
مادونا، متدخليش في حاجة مش فاهمها.
لكن مادونا فتحت هاتفها.
وشغلت تسجيلًا جديدًا.
وفي التسجيل
كان صوت ابن خالي نفسه.
وهو بيقول
أنا نفذت اللي طلبه مني عمي بس لو كارولين عرفت، كلنا هنروح في داهية.
بصيت لأبويا.
ثم لابن خالي.
ثم للورقة.
وفجأة فهمت إن القصة كلها أكبر من مجرد شركة وقرض وأرض.
حد زوّر توقيعي من سبع سنين وأبويا كان عارف.
لكن السؤال الأخطر كان
إيه اللي أخفوه عني وقتها لدرجة إنهم كانوا مستعدين يخاطروا بالشركة كلها عشانه؟عمتي كانت بتبتسم.
ابتسامة هادية جدًا
ومش شبه ابتسامة واحدة اتفاجئت بخبر زي ده.
أبويا حدق فيها.
إنتِ؟
عمتي رفعت كوباية المية، وشربت منها بمنتهى الهدوء.
أيوه، أنا.
ماما شهقت.
إنتِ عملتي بلاغ؟
عمتي حطت الكوباية على الطاولة.
كان لازم حد يعمل.
أبويا وقف بعصبية.
إنتِ عايزة تدمري أخوكي؟
ضحكت ضحكة قصيرة.
أنا؟
وبصت لي.
اللي دمّر نفسه هو اللي قاعد قدامنا.
أنا كنت لسه مش مستوعبة.
عمتي إنتِ كنتِ عارفة كل ده؟
هزت رأسها.
من أول يوم.
سألتها
طب ليه ما قولتيليش؟
نظرت لأبي.
لأني كنت مستنية اللحظة اللي يقع فيها في الغلطة الوحيدة اللي محدش يقدر ينقذه منها.
أبويا صرخ
اسكتي!
لكنها كملت
وكانت غلطة واحدة كفاية.
ثم نظرت إلى الملف الموجود أمامي.
لما كارولين اشترت الدين كل الضمانات بقت تحت سيطرتها.
أبويا ضرب بيده على الطاولة.
هي مش فاهمة حاجة!
قلت
يبقى اشرح.
عمتي ابتسمت.
مش هو اللي لازم يشرح.
ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا بنيًا قديمًا.
ووضعته أمامي.
جدتك سلمتهولي قبل وفاتها.
قلبي اتقبض.
ليه؟
قالت
وقالت لي لو أبوك حاول ياخد منك حقك، سلّميه لكارولين.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان بداخله مستندات قديمة، وصور، وصورة من الوصية.
لكن في آخر الصفحة كان فيه