ابويا زق الكرسي

لمحة نيوز

يتحدث عن الأرض.
كان يتحدث عني.
وقال بوضوح
لو كارولين عرفت مين دفع فلوس دراستها من الأساس عمرها ما هتسامحني.
توقفت أنفاسي.
بصيت لأبويا.
مين دفع فلوس دراستي؟
أبويا أغلق عينيه.
ولأول مرة
لم يجد أي كذبة ينقذ بها نفسه فضلت ماسكة الموبايل، وعيني مثبتة على الصورة.
الرجل كان واقف قدام باب شقتي فعلًا.
نفس الباب.
نفس العمارة.
ونفس معطف الشتاء اللي كنت شوفته في الصور القديمة.
لكن التاريخ الظاهر على الرسالة كان من عشرين دقيقة فقط.
رفعت عيني لأبويا.
هو عارف أنا هنا؟
أبويا اتوتر.
مين بعتلك؟
وريته الصورة.
أول ما شافها، وقف من مكانه.
لا
عمتي قالت
إيه؟
أبويا قرب مني وخد الموبايل.
قرأ الرسالة.
ثم قال
إحنا لازم نمشي حالًا.
قلت
ليه؟
لأن لو هو رجع
سكت.
هيعمل إيه؟
مابصليش.
وهنا أدركت إن أبويا كان يعرف أكتر مما قال.
قلت
إنت كنت متوقع إنه يظهر؟
قال بصوت خافت
كنت خايف.
منه؟
من اللي معاه.
سألته
معاه إيه؟
قبل ما يرد، انفتح باب القاعة.
دخل رجل يرتدي بدلة سوداء، وفي إيده حقيبة جلدية.
وقف عند المدخل، وبص مباشرة ناحيتي.
ثم قال
كارولين حسن؟
قلت
أيوه.
مد لي ظرفًا أبيض.
ده ليكي.
أبويا حاول يمنعه.
متديهاش حاجة.
الرجل بص له وقال
اتأخرت سبع سنين يا حسن.
أبويا تجمد.
أخذت الظرف.
كان عليه اسمي بخط أعرفه.
خط جدتي.
فتحت الظرف ببطء.
كان بداخله مفتاح صغير، وورقة واحدة.
قرأت
يا كارولين، لو وصل المفتاح لإيدك، يبقى أبوكي أخيرًا خسر السيطرة على كل حاجة.
تحتها عنوان.
عنوان مكان لم أسمع عنه من قبل.
وبجوار العنوان جملة
هناك ستجدين الحقيقة التي أخفاها أبوك عنك طوال حياتك.
رفعت عيني للرجل.
المكان ده فين؟
قال
المخزن القديم في جنوب المدينة.
أبويا اندفع ناحيته.
إنت مجنون؟!
الرجل ابتسم.
هي لازم تعرف.
ثم وضع يده على الحقيبة.
لأن اللي جوا الحقيبة دي نسخة من كل المستندات اللي أبوها حاول يدفنها.
قلت
إيه المستندات؟
نظر إليّ مباشرة.
أصل عقد ملكية الأرض.
سكت لحظة.
ثم أضاف
والدليل إن توقيعك اتزوّر.
أبويا صرخ
كارولين، متسمعيش له!
بصيت لأبويا.
ليه؟
لم يرد.
الرجل قال بهدوء
لأن لو راحت للمخزن الليلة، هتعرف مين اللي قتل الحقيقة قبل ما يقتل صاحبها.
تجمدت.
إيه قصدك؟
الرجل فتح الحقيبة قليلًا.
لمحت صورة قديمة.
صورة جدتي.
وبجانبها رجل آخر.
لكن الرجل لم يكن أبي.
ولم يكن الشريك الذي ظننته أبي الحقيقي.
كان شخصًا ثالثًا
شخصًا أعرفه جيدًا.
شخصًا كان جالسًا على نفس طاولة العشاء طوال الوقت.
ابن خالي فضلت باصة لابن خالي.
إنت زورت توقيعي؟
وشه اصفر.
أنا أنا مكنتش عارف إن الموضوع هيوصل لكده.
ضحكت من الصدمة.
يعني فعلًا زورت توقيعي؟
بص لأبويا، كأنه مستني منه ينقذه.
لكن أبويا كان ساكت.
وهنا فهمت.
إنت مش بس كنت عارف.
بصيت لأبويا.
إنت اللي أمرته.
أبويا أخيرًا اتكلم
كنت بحاول أحمي الشركة.
على حسابي؟
على حساب الجميع.
ضربت الورقة على الطاولة.
كفاية كذب!
عمتي مدت إيدها وأخذت الورقة.
في حاجة ناقصة.
فتحت الظرف مرة تانية، وأخرجت صورة قديمة.
حطتها قدامي.
كانت صورة لجدتي وهي واقفة أمام مبنى قديم.
وعلى ظهر الصورة مكتوب بخط يدها
اليوم اللي عرفت فيه الحقيقة عن أبو كارولين.
تجمدت.
أبويا؟
عمتي قالت
أيوه.
إيه الحقيقة؟
عمتي بصت لأبي.
قول لها.
أبويا هز رأسه.
مش هنا.
قلت
لأ. هنا.
كارولين
إنت أهنتني قدام عيلتك كلها من شوية.
سكت.
دلوقتي هتتكلم قدامهم كلهم برضه.
ماما بدأت تبكي.
أبويا جلس ببطء.
وبعد لحظات قال
أبوك الحقيقي
توقف.
قلبي توقف معه.
أبوك الحقيقي مش أنا.
القاعة كلها تجمدت.
سمعت صوت الكراسي وهي تتحرك، لكن محدش اتكلم.
بصيت له.
إنت بتقول إيه؟
ماما غطت وشها بإيديها.
كارولين سامحيني.
بصيت لها.
إنتِ كنتِ عارفة؟
بدأت تهز رأسها وهي تبكي.
أبويا قال
أنا ربيتك. وأنا أبوك مهما حصل.
لكنني لم أكن أسمعه.
كل شيء حولي كان يدور.
مين؟
سألته وأنا بالكاد أقدر أتكلم.
مين أبويا الحقيقي؟
أبويا نظر إلى عمتي.
عمتي لم تتكلم.
ثم نظر إلى ماما.
وماما انهارت تمامًا.
قال أبويا
الرجل ده هو السبب الحقيقي إن جدتك كتبت كل الممتلكات باسمك.
سألته
مين هو؟
أخرج من جيبه هاتفه.
فتح صورة.
ثم وضعها أمامي.
نظرت إلى الشاشة.
وفي اللحظة التي رأيت فيها الصورة
عرفت الرجل فورًا.
لأنني كنت أراه كل عام
في نفس المطعم.
في نفس المناسبات.
لكنني لم أعرف أبدًا لماذا كان أبويا يرفض أن يقترب مني.
كان الرجل
شريك أبي القديم.
الرجل الذي أعلنت الصحف قبل سبع سنوات أنه مات في حادث سيارة.
رفعت عيني ببطء.
ده مات.
أبويا قال
لأ.
ثم أضاف بصوت منخفض
هو عايش.
وقبل ما أستوعب الكلمة
وصلت رسالة جديدة إلى هاتفي.
رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها
لو عايزة تعرفي ليه أبوك الحقيقي اختفى متروحيش جلسة المحكمة بكرة.
وتحت الرسالة صورة حديثة.
للرجل نفسه.
واقفًا أمام باب شقتي.
منذ أقل من ساعة بصيت لابن خالي.
كان قاعد مكانه، وشه أبيض تمامًا.
إنت؟
ما ردش.
الرجل اللي جاب الحقيبة قال
هو مش صاحب القرار.
ابن خالي قام فجأة.
أنا معرفش حاجة!
مادونا رفعت موبايلها.
غريبة لأن التسجيل عندي بيقول غير كده.
ابن خالي بص لها بخوف.
امسحي التسجيل.
قالت
ليه؟
عشان مصلحتك.
هنا تدخلت عمتي.
ولا عشان مصلحته هو؟
ابن خالي سكت.
أبويا كان واقف في منتصف القاعة، وعينيه بتتنقل بيننا.
قلت له
أنا رايحة المخزن.
صرخ
لا!
ليه؟
لأن المكان ده خطر.
ضحكت بمرارة.
بعد كل اللي حصل، دي أول مرة تحاول تحميني فيها؟
اقترب مني.
كارولين، أنا غلطت.
غلطت؟
رفعت الملف.
زورت توقيعي، وخبيت عني ملكية أرض، وخليتني أصدق إني فاشلة، وكنت على وشك تخليني أتنازل عن حق ممكن يساوي ملايين.
سكت.
ثم قلت
لسه فيه حاجة واحدة مش فاهمها.
بص لي.
ليه كنت محتاج توقيعي أصلًا؟
أبويا لم يرد.
الرجل صاحب الحقيبة قال
لأن الأرض مش مجرد أرض.
كلنا بصينا له.
فتح الحقيبة وأخرج ملفًا أسود.
تحت الأرض دي فيه شيء أهم من العقارات كلها.
قلت
إيه؟
قال
سجلات مالية قديمة.
عمتي عقدت حاجبيها.
سجلات إيه؟
تحويلات. حسابات. أسماء شركات وهمية.
ثم نظر لأبي.
وأسماء ناس دفعوا فلوس علشان مشاريع معينة تختفي من السجلات.
أبويا قال بعصبية
كفاية.
الرجل ابتسم.
لسه البداية.
فتح صفحة.
كان فيها اسم شركة.
ثم اسم شخص.
ثم مبلغ ضخم.
لكن لما وصلت للسطر الأخير
شعرت ببرودة في جسمي.
كان فيه تحويل مالي بقيمة 2 8 مليون دولار.
وتاريخ التحويل كان نفس اليوم اللي توفيت فيه جدتي.
والمرسل كان
شركة أبي.
قلت
الفلوس دي راحت لمين؟
الرجل قلب الصفحة.
ده السؤال اللي لازم تعرفيه.
ثم أخرج ورقة أخرى.
لأن بعد التحويل بأربع ساعات حصل حادث السيارة اللي أعلنوا بعده وفاة أبوك الحقيقي.
سكتُّ.
يعني إيه؟
الرجل قال
يعني حادث أبوك الحقيقي ما كانش حادث.
ماما بدأت تبكي بصوت أعلى.
وأبويا غمض عينيه.
أما ابن خالي
فاستدار فجأة ناحية الباب.
مادونا صرخت
هو بيهرب!
جرى ابن خالي خارج القاعة.
لكن قبل ما يوصل للباب
رن هاتفه.
وقف.
بص للشاشة.
وببطء، رفع عينيه ناحيتي.
وقال جملة واحدة
كارولين لو عايزة تعرفي مين أمرني أزوّر توقيعك
سكت لحظة.
ثم قال
اسألي أمك.
اتجهت كل الأنظار ناحية ماما.
وهي
لم تنكر فضلت باصة لماما، مش قادرة أصدق.
إنتِ؟
ماما انهارت في البكاء.
أنا آسفة يا كارولين
إنتِ اللي طلبتي منه يزوّر توقيعي؟
هزت رأسها وهي بتبكي.
أيوه بس أبوكي هو اللي أجبرني.
أبويا صرخ
متكدبيش!
ماما بصت له لأول مرة من غير خوف.
كفاية يا حسن. أنا خفت عليك سنين وخوفت على بنتي أكتر.
ثم حكت كل الحقيقة.
جدتي اكتشفت إن أبويا كان بيحوّل أموال الشركة لحسابات سرية، وإنه حاول الاستيلاء على الأرض المملوكة ليها. ولما رفضت، بدأت تجمع الأدلة ضده.
أما الرجل الذي ظن الجميع أنه مات، فكان شريك أبي الحقيقي، وقد اكتشف التحويلات أيضًا. دبر أبويا حادثًا مزيفًا لإخفائه، لكنه نجا واختفى حتى يجمع الأدلة.
جدتي قبل وفاتها كتبت كل شيء باسمِي، لأنها كانت تعرف أنني الوحيدة التي لن يستطيع أبي السيطرة عليها.
أما توقيعي المزور، فكان محاولة أخيرة لنقل الأرض للشركة قبل أن أكتشف حقي.
وال 8 مليون دولار؟
كانت الدفعة التي استخدمها أبي لإخفاء كل شيء.
نظرت إلى أبي.
كل ده عشان الفلوس؟
قال بصوت مكسور
كنت فاكر إني بعمل إمبراطورية.
ردت عمتي
الإمبراطورية اللي بتتبني على ظلم أهلها بتقع أول ما صاحبها يفتكر نفسه فوق القانون.
في صباح اليوم التالي، دخلت المحكمة ومعي الملف، وتسجيلات مادونا، وشهادة الرجل، والمستندات الأصلية.
وبعد ساعات طويلة
تم تجميد أصول الشركة.
وأثبتت المحكمة أن توقيعي مزور، وأن ملكية الأرض تعود لي.
أما أبي، فواجه التحقيقات في قضايا التزوير والاختلاس والتلاعب المالي.
لم أفرح بسقوطه.
لكنني لأول مرة شعرت أنني استعدت شيئًا أهم من المال
كرامتي.
بعد عدة أشهر، أسست شركتي رسميًا، واستثمرت في الأرض بدلًا من بيعها.
أما مادونا، فأصبحت شريكتي.
وعمتي بقيت بجانبي حتى آخر جلسة.
وفي يوم افتتاح أول مشروع باسمي، وقفت أمام المبنى الذي كان أبي يحلم أن يكتب اسمه عليه.
لم أكتب اسم عائلتي.
كتبت
CAROLINE HASSAN HASSAN LEGACY GROUP
لأنني لم أكن أريد الانتقام.
كنت أريد أن أثبت لنفسي أنني لم أكن يومًا العيلة الفقيرة والمالهاش لازمة كما قال أبي.
كنت المرأة التي وقف الجميع ضدها
ثم اكتشفت أن كل ما حاولوا إخفاءه عنها كان في النهاية سبب قوتها.
أما آخر شيء وصلني من أبي، فكان رسالة قصيرة من المحامي
والدك يسأل إذا كنتِ مستعدة تسامحيه.
قرأت الرسالة.
ثم أغلقت الهاتف.
لأني أخيرًا فهمت
المسامحة مش معناها إنك ترجعي للشخص اللي كسرك.
أحيانًا
المسامحة الحقيقية هي إنك تكملي حياتك من غير ما تسمحي له يكسرِك مرة تانية.
ومن يومها، كل ما أفتكر اللي حصل في عيد ميلاده، أفتكر جملته
مفيش مكان للفقرا على سفرتي.
وأبتسم.
لأنه كان فاكر إنه بيطردني من على سفرة.
لكن في الحقيقة
هو اللي طرد نفسه من حياتي.
والغلطة الأغلى في حياته
كانت إنه ظن إن البنت اللي أهانها قدام عيلته
ملهاش قيمة تانية.
ومن يومها، كل ما أفتكر اللي حصل في عيد ميلاده، أفتكر جملته
مفيش مكان للفقرا على سفرتي.
وأبتسم.
لأنه كان فاكر إنه بيطردني من على سفرة.
لكن في الحقيقة
هو اللي طرد نفسه من حياتي.
والغلطة الأغلى في حياته
كانت إنه ظن إن البنت اللي أهانها قدام عيلته
ملهاش قيمة.

تم نسخ الرابط