بعد ماقضيت

لمحة نيوز

هي لازم تعرف كل حاجة.
قلبت الورقة.
كان فيه رسم قديم للمكان، وخط أحمر مرسوم من الكوخ لحد البحيرة.
تحت الرسم مكتوب
الجزء الشرقي من الأرض غير مشمول في البيع.
قطبت جبيني.
يعني إيه؟
قال
يعني إنك لما اشتريتي الكوخ في المزاد، اشتريتي المبنى والأرض المحيطة بيه حسب حدود معينة... لكن فيه جزء من الأرض له وضع قانوني مختلف.
بصيت ناحية البحيرة.
الجزء ده فين؟
أشار للرصيف الخشبي.
تحت الكوخ مباشرة.
سكت الجميع.
داليا قربت وقالت
يعني فيه أرض مش بتاعتها؟
الراجل صحح
لأ. أنا قلت إن فيه جزء له وضع قانوني مختلف.
بابا قال بعصبية
كفاية كلام.
هنا فهمت إن غضبه مش بسبب الحفلة.
كان خايف من حاجة تانية.
قلت
بابا، إنت كنت عارف من البداية؟
ما ردش.
إنت عارف إن جدي كان مالك المكان؟
فضل ساكت.
قربت منه خطوة.
وعارف إن فيه مستندات قديمة تخصه؟
بابا أخيرًا بصلي وقال
أبوكي كان بيحاول يحميكي.
ضحكت بسخرية.
تحميني من إيه؟
قبل ما يرد، الراجل فتح الملف تاني.
وأخرج ظرف أصفر قديم.
ده كان محفوظ في ملف والدك من سنين.
مدهولي.
ومكتوب عليه اسمك.
مسكت الظرف.
كان عليه اسمي بخط يد قديم.
فتحت الظرف ببطء.
جواه ورقة واحدة.
أول سطر كان
إلى حفيدتي سارة...
تجمدت مكاني.
أنا عمري ما شفت الخط ده قبل كده.
بدأت أقرأ.
وفي منتصف الرسالة، ظهرت جملة واحدة خلت قلبي يدق بسرعة
لو وصلتي للمكان ده يومًا، يبقى لازم تعرفي ليه والدك حاول يمنعك من الاحتفاظ بالكوخ.
رفعت عيني فورًا ناحية بابا.
لكن قبل ما أقدر أسأله...
سمعنا صوت طرق قوي على باب الكوخ.
كلنا بصينا ناحية الباب.
كان فيه رجل غريب واقف برا.
مش من ضيوف الحفلة.
كان ماسك صورة قديمة في إيده.
وبمجرد ما شافني، قال
إنتِ سارة؟
قلت
أيوه.
رفع الصورة قدامي.
يبقى لازم نتكلم قبل ما تفتحي الرسالة دي.
بصيت للصورة.
وكان فيها جدي...
واقف قدام نفس الكوخ.
لكن المفاجأة مش كانت في وجوده.
المفاجأة كانت في الشخص الواقف جنبه.
شخص أعرفه كويس جدًا.
وشخص كان المفروض إنه ما يكونش موجود في الصورة أصلًا.
بابا شاف الصورة.
ولأول مرة...
وشه فقد لونه تمامًا مديت إيدي للصورة، لكن بابا سبقني وخطفها من إيد الراجل.
الصورة دي قديمة جدًا... ومش من حقك تدخل بيها هنا.
الراجل ما اتخانقش معاه.
بالعكس، ابتسم بهدوء وقال
لسه زي ما أنت يا محمود... أول ما الحقيقة تقرب منك، بتحاول تخبيها.
بابا اتجمد.
أنا بصيتله.
إنت تعرفه؟
ما ردش.
الراجل مد إيده ناحية بابا.
اسمي فؤاد.
ثم بصلي.
وأنا كنت شريك والد جدك في الأرض دي.
داليا قالت باستغراب
شريك؟!
فؤاد هز رأسه.
أيوه. والكوخ ده أصلًا ما اتبناش للراحة ولا المصايف.
بصيت حواليّ.
أمال اتبنى ليه؟
فؤاد ما ردش فورًا.
دخل خطوتين ناحية البلكونة، وبص للبحيرة.
في سنة ١٩٨٧، جدك كان داخل مشروع كبير هنا. المشروع فشل، لكن قبل ما يفشل حصلت مشكلة في الأوراق.
بابا قاطعه
فؤاد، كفاية.
فؤاد بصله وقال
أنت ساكت بقالك سنين. أنا مش هسكت أكتر.
قلبت للراجل.
إيه اللي حصل؟
أخرج نسخة من مستند قديم.
جدك سجّل جزء من الأرض باسم شخص تاني كضمان مؤقت.
قلت
مين؟
فؤاد بص ناحية بابا.
والدك.
سكتُّ.
بصيت لبابا.
إنت كنت مالك جزء من الأرض دي؟
بابا قال بسرعة
أنا كنت صغير!
فؤاد رد
بس كنت بالغ وقتها، ووقّعت.
ماما كانت واقفة بعيد، ووشها متوتر.
قلت
ليه محدش قالي؟
ماما همست
لأننا كنا فاكرين إن الموضوع انتهى.
فؤاد هز رأسه.
الموضوع ما انتهيش.
ثم أشار إلى الأرض أسفل البلكونة.
فيه صندوق اتدفن هنا من سنين.
حدقت فيه.
صندوق؟
أيوه.
داليا ضحكت بتوتر.
هو إحنا في فيلم؟
فؤاد تجاهلها.
جدك ترك مستندات أصلية تخص المشروع. وكان فيه شرط مكتوب لو العقار انتقل لمالك جديد بطريقة معينة، المستندات لازم تظهر.
قلت
وأنا اشتريته في المزاد.
بالضبط.
صمت لحظة.
ثم قال
عشان كده كنت بدور على المالك الجديد من أول ما اتنقل العقار.
بصيت للورقة اللي كانت في إيدي.
والرسالة؟
قال
الرسالة جزء من الموضوع.
فتحتها من جديد.
كان آخر سطر فيها
لا تثقي في أي شخص يقول لك إن الكوخ بلا قيمة.
قلبي اتقبض.
لأن بابا نفسه كان أكتر شخص قاللي الجملة دي.
رفعت عيني له.
إنت كنت عايزني أبيع الكوخ؟
بابا ما ردش.
فؤاد قال
مش بس كده.
ثم أخرج ورقة أخرى.
والدك حاول بالفعل يتصرف في الأرض قبل المزاد.
بصيت للورقة.
وكان عليها توقيع بابا.
داليا قربت منه.
بابا... إنت عملت إيه؟
بابا انفجر
كنت بحاول أحل مشكلة قديمة قبل ما توصل لسارة!
قلت
تحلها إزاي؟
سكت.
فؤاد وضع الورقة أمامي.
كان فيه عرض لشراء الأرض بمبلغ كبير جدًا.
بصيت للرقم.
وسكتُّ.
المبلغ كان أضعاف اللي دفعته في الكوخ.
أضعاف مرتبي.
أضعاف كل اللي كنت أتخيل إن المكان ممكن يساويه.
رفعت عيني ببطء.
مين كان مستعد يدفع كل ده؟
فؤاد قال
شركة.
شركة إيه؟
قبل ما يجاوب، سمعنا صوت عربية جديدة بتقف قدام الكوخ.
رجل أنيق نزل منها، ومعاه ملف أسود.
بص ناحية فؤاد، ثم ناحية بابا.
وقال
أعتقد إنكم لسه ما قلتوش لسارة أهم جزء.
تقدّم خطوة.
الشركة اللي أنا بمثلها كانت بتحاول تشتري المكان من سنين.
ثم نظر إليّ مباشرة.
لكن بعد ما اشتريتيه أنتِ...
فتح الملف.
عرفنا إن الكوخ رجع لاسم العيلة بطريقة ما كانتش موجودة في حساباتنا.
بابا أغلق عينيه للحظة.
وأنا بدأت أفهم إن حفلة داليا كانت مجرد شرارة...
لكن السر الحقيقي كان مدفون تحت الكوخ من عشرات السنين الرجل حط الملف الأسود على الترابيزة.
وقال
قبل ما حد يسأل، أنا مش جاي آخد الكوخ منك.
بصيتله بحذر.
أمال جاي ليه؟
رد
عشان أحذرك.
بابا ضحك بسخرية.
تحذرها من إيه؟
الرجل فتح الملف، وطلع صورة جوية قديمة للمنطقة.
حط إصبعه على الكوخ.
المكان ده مش مهم بسبب منظر البحيرة.
ثم حرك إصبعه ناحية الأرض الخلفية.
مهم بسبب اللي موجود تحته.
داليا شهقت
يعني فعلًا فيه حاجة مدفونة؟
الرجل قال
فيه غرفة قديمة.
سكتنا كلنا.
قلت
غرفة؟
تحت الجزء الشرقي من الكوخ.
فؤاد أومأ برأسه.
جدك بناها قبل ما المشروع يبدأ.
بصيت للأرض.
فجأة افتكرت حاجة.
من أول يوم دخلت فيه الكوخ، كان فيه جزء من الأرضية في المخزن صوته مختلف.
كنت فاكرة إن السبب إن الخشب قديم.
لكن لما رممته، اضطررت أحط طبقة جديدة فوقه.
قلت
المخزن.
بابا رفع عينه بسرعة.
عرفت من نظراته إني لمست حاجة هو كان عارفها.
مشيت ناحية المخزن.
بابا وقف قدامي.
سارة، متدخليش.
قلت
ليه؟
عشان مفيش حاجة هناك.
فؤاد قال بهدوء
سيبها تشوف.
دخلت المخزن.
حركت الصناديق القديمة.
رفعت سجادة صغيرة كنت حطاها عشان تغطي خدوش في الأرض.
وفعلًا...
كان فيه لوح خشب مختلف.
انحنيت ولمسته.
كان ثابت.
لكن لما خبطت عليه، الصوت كان أجوف.
بصيت لبابا.
إنت كنت عارف.
ما ردش.
جبت مفك من صندوق العدد.
حاولت أرفع اللوح.
بعد دقائق من المحاولة، اتحرك.
وتحت اللوح ظهر تجويف مظلم.
داليا قربت مني.
يا نهار أبيض...
كان فيه درج حديدي صغير.
عليه قفل صدئ.
فؤاد قال
ده هو.
بصيتله.
إزاي نفتحه؟
بابا قال بسرعة
متفتحيهوش.
التفت له.
ليه؟
قال
لأنك مش فاهمة اللي ممكن يحصل بعد كده.
رديت
أنا قضيت ٨ شهور أصلح المكان ده لوحدي. كل مرة كنت بتقوللي إن اللي بعمله مالوش قيمة. دلوقتي فجأة بقيت خايف على الكوخ؟
سكت.
طلعت المفتاح اللي كان فؤاد ماسكه.
كان مفتاحًا قديمًا.
حطيته في القفل.
لفيته.
لكن القفل ما فتحش.
فؤاد استغرب.
المفروض يفتح.
بصيت للمفتاح.
ثم لاحظت رقمًا صغيرًا محفورًا على القفل.
17.
فؤاد اتغيرت ملامحه.
مش ده القفل الأصلي.
بابا قال بصوت منخفض
لا.
بصيتله.
يعني إيه؟
قال
حد غيّر القفل.
وفجأة...
سمعنا صوت حركة من بره المخزن.
اتجمدنا.
ثم صوت خطوات.
خطوة.
ثم خطوة تانية.
وبعدين سمعنا باب الكوخ الخارجي بيتقفل.
داليا همست
إحنا لوحدنا؟
فؤاد بص ناحية الباب.
لأ.
مشينا بسرعة ناحية الصالون.
باب الكوخ كان مقفول.
لكن مفيش حد ظاهر.
على الترابيزة اللي كانت عليها المستندات...
اختفت الرسالة القديمة.
اختفت الورقة.
واختفت الصورة.
كلها.
لكن كان فيه شيء واحد متساب مكانهم.
مفتاح صغير.
وتحته ورقة مكتوب عليها بخط واضح
لو عايزة تعرفي الحقيقة، انزلي تحت الرصيف قبل غروب الشمس.
رفعت عيني ناحية البحيرة.
فؤاد قال
ما تروحيش.
بابا قال في نفس اللحظة
لازم تروحي.
بصيت له باستغراب.
لأول مرة...
بابا وفؤاد كانوا مختلفين تمامًا.
واحد بيحذرني.
والتاني بيدفعني.
وعرفت وقتها إن واحد منهم على الأقل...
لسه مخبي عني جزء أكبر من الحقيقة فضلت واقفة قدام الورقة، ومحدش فينا اتكلم.
بعدين بصيت لبابا مباشرة.
ليه قلتلي أروح؟
بابا رد بعد صمت طويل
لأن لو فضلتِ هنا، الناس اللي بتدور على الحاجة دي هتفضل حواليكي.
فؤاد هز رأسه.
محمود، بلاش تخوفها.
رد بابا بعصبية
أنا مش بخوفها. أنا بحاول أخلص اللي بدأه أبويا من زمان.
الكلمة دي خلتني أتجمد.
أبوك بدأ إيه؟
بابا سكت.
فؤاد قال
اسأليه.
بصيت لبابا.
أنا مستعدة أسمع.
جلس على الكرسي، وكأنه أخيرًا تعب من الهروب.
جدك ما كانش بس صاحب الكوخ.
سكت لحظة.
كان بيخزن فيه مستندات تخص مشروع كبير.
قلت
مشروع إيه؟
مشروع تطوير للمنطقة كلها.
فؤاد أضاف
وكان فيه نزاع على ملكية الأرض.
بابا أكمل
قبل ما يموت، طلب مني أحافظ على صندوق معين. لكن حصلت مشاكل... وأنا خفت.
خفت من مين؟
رفع عينه لي.
من الناس اللي كانوا عايزين الصندوق.
سألته
وليه ما قلتليش من يوم ما اشتريت الكوخ؟
رد بصوت منخفض
لأنك لو عرفتي، كنتِ هتدوري عليه.
وأنا دلوقتي بدور عليه.
هز رأسه.
عشان كده لازم نخلص الموضوع.
قبل الغروب بساعة، نزلنا ناحية الرصيف.
أنا وفؤاد وبابا.
داليا فضلت فوق مع ماما.
كان الرصيف اللي أنا رممته بإيدي ممتد فوق المياه.
كل خطوة كنت بحطها كانت بتفكرني بال٨ شهور اللي قضيتهم وأنا أصلح المكان.
وصلنا لآخر الرصيف.
فؤاد أشار لقطعة خشب في المنتصف.
هنا.
ركعت.
كان فيه مسمارين جديدين بشكل غريب.
شلتهم.
رفعت الخشبة.
ظهر تجويف صغير.
جواه صندوق معدني أسود.
قلبي بدأ يخبط.
بابا قال
ده هو.
مديت إيدي.
لكن قبل ما ألمسه...
سمعنا صوت فرامل قوية فوق.
بصينا ناحية الكوخ.
عربية سوداء وقفت قدام الباب.
نزل منها رجلان.
فؤاد قال بسرعة
مش وقت فتح الصندوق.
قلت
مين دول؟
بابا رد
الناس اللي كنت بحاول أبعدهم عنك.
واحد من الرجلين بدأ ينزل ناحية البحيرة.
التاني وقف عند الكوخ.
وفجأة سمعنا صوته
سارة! إحنا عارفين إن الصندوق معاكي!
اتجمد الدم في عروقي.
بصيت للصندوق.
ثم لبابا.
إزاي عرفوا؟
بابا ما ردش.
فؤاد قال
لأن حد من اللي هنا بيبلغهم.
بصيت له.
ثم لبابا.
ثم للكوخ.
وكانت ماما وداليا فوق.
لكن قبل ما أقدر أفكر...
سمعت صوت داليا من بعيد
سارة!
رفعت رأسي.
كانت واقفة على البلكونة.
وشها مرعوب.
وأشارت ناحية باب الكوخ.
ثم صرخت
حد دخل جوه!
وفي اللحظة دي...
الرجل اللي كان واقف عند الباب رفع إيده.
وكان ماسك شيئًا جعل بابا يقول جملة واحدة
يا ساتر... المفتاح الأصلي!ثبتُّ مكاني وأنا ببص للمفتاح في إيد الرجل.
فؤاد همس
مستحيل يكون معاه.
بابا رد
إلا لو...
وسكت.
قلت بسرعة
إلا لو إيه؟
قبل ما يجاوب، الرجل بدأ ينزل ناحية البحيرة.
بابا شدني من دراعي.
لازم نطلع من هنا.
والصندوق؟
سيبيه.
بصيت للصندوق الأسود.
ثمان شهور من الشغل.
كل حاجة بنيتها بإيدي.
والآن، سر قديم كان ممكن يغير كل حاجة.
قلت
لأ.
فؤاد بصلي.
سارة، ده مش عناد. لو الصندوق وقع في إيدهم، الموضوع هيكبر جدًا.
مديت إيدي للصندوق.
لكن في اللحظة دي، الرجل وصل أول الرصيف.
سارة! ابعدي عن الصندوق.
رفعت الصندوق وضمّيته لصدري.
مش هديهولك.
وقف على بعد خطوات.
إنتِ مش فاهمة إنتِ ماسكة إيه.
قلت
يبقى فهمني.
ابتسم.
ده حق ملكية.
بصيت لبابا.
ثم لفؤاد.
حق ملكية لإيه؟
الرجل قال
لأرض أكبر بكتير من الكوخ.
فؤاد رد
كذاب.
الرجل ضحك.
اسألوا محمود.
بابا بص للأرض.
قلت
تم نسخ الرابط