بعد ماقضيت

لمحة نيوز

بابا؟
رفع عينه ببطء.
الصندوق مش فيه فلوس.
أمال فيه إيه؟
وثائق.
وثائق تثبت إيه؟
سكت.
الرجل قال بدلًا منه
تثبت إن الأرض المحيطة بالبحيرة كلها كانت تحت اتفاق مختلف عن اللي اتسجل رسميًا.
شهقت.
يعني؟
فؤاد قال
يعني لو المستندات أصلية، ملكية أجزاء كبيرة من المنطقة ممكن تتغير.
بصيت للصندوق.
وعشان كده الشركة عايزة المكان؟
الرجل لم يرد.
وهنا فهمت.
الشركة مش كانت مهتمة بالكوخ نفسه.
كانت مهتمة بما يثبته الكوخ.
فجأة، سمعنا صوت باب الكوخ بيتفتح.
داليا صرخت من فوق
سارة!
ثم ظهر رجل ثالث عند الباب.
كان ماسك الورقة اللي اختفت مني.
لكنه ما كانش غريبًا.
كان واحدًا من الأشخاص اللي شفتهم قبل كده في المنطقة.
كان الجار القديم للكوخ.
الرجل ابتسم وقال
كنتِ بتدوري على الحقيقة يا سارة؟
ثم رفع الورقة.
الحقيقة كانت طول الوقت عندك.
فؤاد اتوتر.
إنت؟
الرجل قال
أيوه.
وبص لبابا.
ومحمود عارف أنا مين.
بابا تقدم خطوة.
سيبها يا سامح.
سامح ابتسم.
المرة دي مش هقدر.
ثم أخرج ظرفًا أبيض من جيبه.
لأن جدك قبل ما يموت، كتب اسم شخص واحد يكون مسؤول عن تسليم الصندوق.
مد الظرف ناحية سارة.
والاسم ده مش اسم محمود.
ناولني الظرف.
فتحته.
وكانت فيه جملة واحدة
الصندوق لا يُسلَّم إلا لسارة.
تحتها توقيع جدي.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر السطر.
كان مكتوبًا
ولا تثقي في والدك.
رفعت عيني ناحية بابا.
كان واقفًا بلا كلام.
وداليا بدأت تنزل درجات البلكونة ببطء.
أما فؤاد، فكان بيبص لبابا بنظرة غريبة.
وفي اللحظة دي فهمت إن أكبر سر في الكوخ...
ما كانش عن الأرض.
كان عن بابا نفسه بصيت لبابا، والورقة لسه في إيدي.
جدي كتبلي ما أثقش فيك... ليه؟
بابا ما ردش.
سامح قال من بعيد
لأنه عارف الحقيقة.
فؤاد بص له بغضب
إنت آخر واحد يتكلم عن الحقيقة.
سامح ابتسم.
أنا على الأقل ما خبيتش عن سارة.
بابا رفع صوته
كفاية!
الكل سكت.
ثم قال بصوت مكسور
أيوه... جدك كتب الجملة دي.
قربت منه.
يعني إنت عارف؟
عارف جزء.
جزء إيه؟
جلس على حافة الرصيف.
وبص للبحيرة.
قبل وفاة أبويا بسنة، حصل خلاف كبير بينه وبين شركائه. كان فيه مستندات تثبت إن جزء من الأرض ما ينفعش يتباع لأي شركة.
قلت
وليه؟
لأن الأرض كانت مخصصة لاستخدام عام، وفيه اتفاق قديم يمنع تغيير طبيعتها.
فؤاد أضاف
وده كان ممكن يعطل مشروع كامل.
بصيت لبابا.
وإنت؟
كنت عايز أخلص الموضوع.
لصالح مين؟
سكت.
قلت
لصالحك؟
هز رأسه.
لأ.
ثم نظر إليّ.
لصالح العيلة.
ضحكت بمرارة.
العيلة اللي طردتني من الكوخ اللي أنا رممته؟
ما ردش.
في اللحظة دي، داليا قربت مني.
كانت دموعها نازلة.
سارة...
بصيت لها.
إنتِ كنتِ عارفة؟
هزت رأسها بسرعة.
عارفة إيه؟
إن بابا كان بيحاول يبيع الأرض؟
لأ.
ثم بصت لبابا.
أنا كل اللي كنت أعرفه إن الكوخ فاضي وإنك مش هتستخدميه يوم الحفلة.
قلت
بس استخدمتيه قبل كده.
وشها اتغير.
أنا...
سكتت.
قلت
الحفلات اللي حصلت هنا قبل كده؟
قالت بصوت منخفض
كنت بجيب صحابي هنا أحيانًا.
بفلوس؟
ما ردتش.
فهمت.
لكن قبل ما أواجهها، سمعنا صوت سيارة أخرى.
كلنا بصينا ناحية الطريق.
كانت عربية شرطة.
نزل منها ضابط ومعاه شخص آخر.
اتجهوا ناحية الكوخ.
الضابط قال
مين سارة؟
رفعت إيدي.
أنا.
أخرج ورقة.
عندنا بلاغ بخصوص استخدام العقار بدون تصريح، وشكوى مالية مرتبطة بالحفلة.
بصيت لداليا.
هي اتصدمت.
أنا ما عملتش حاجة!
الضابط قال
فيه بلاغ مقدم باسم مالكة العقار.
ثم بص للملف.
وفيه كمان طلب للتحقق من عمليات مالية تمت باستخدام بطاقة صاحبة العقار.
بابا بصلي.
فهمت إن كل اللي حصل من الصبح بدأ يتحول رسميًا.
لكن الضابط لم يكن قد انتهى.
قال
وفيه بلاغ تاني وصل من شركة بتدعي إن عندها حق في جزء من الأرض.
فؤاد قال
الشركة وصلت للمرحلة دي؟
الضابط أومأ.
أيوه.
ثم أضاف
لكن عندنا مشكلة.
قلت
إيه؟
فتح الملف.
المستندات اللي قدمتها الشركة بتقول إن الجزء ده اتنقل من ملكية جدك من حوالي ثلاثين سنة.
بصيت لبابا.
لكنك قلت إن المستندات الأصلية لسه في الصندوق.
بابا لم يرد.
الضابط قال
عشان كده لازم الصندوق يتفتح رسميًا.
فؤاد قال
مش هنا.
الضابط استغرب.
ليه؟
فؤاد بص لبابا.
ثم إليّ.
لأن لو فتحناه هنا، كل اللي بيدور عليه هيعرف إن المستندات ظهرت.
نظرت إلى الطريق.
العربيات كانت لسه موجودة.
والناس بدأت تمشي.
لكن سامح كان واقف بعيد، بيراقبنا.
وفجأة، موبايله رن.
سمعته يقول
أيوه... الصندوق ظهر.
سكت.
ثم نظر ناحيتي مباشرة.
لأ، لسه ما فتحوهوش.
قلبي وقع.
لأن المكالمة كانت قصيرة جدًا.
لكنها أكدت حاجة واحدة
حد كان بيراقبنا من أول لحظة.
وبعد ثواني، وصلتني رسالة على موبايلي من رقم مجهول
لو فتحتي الصندوق، هتعرفي ليه جدك كان خايف من والدك... لكنك كمان هتعرفي سر أخطر عن أمك.
رفعت عيني ناحية ماما.
كانت واقفة بعيد.
ولما عيوننا اتقابلت...
وشها اتغير.
كأنها عرفت بالضبط مين بعت الرسالة مشيت ناحية ماما ببطء.
إنتِ عارفة مين بعتلي الرسالة؟
ماما ما ردتش.
ماما؟
شفايفها بدأت ترتعش.
سارة... بلاش تسألي دلوقتي.
قلت
لأ. دلوقتي بالذات.
بابا وقف.
سيبي أمك.
بصيت له.
إنت طول عمرك بتقوللي سيبي الموضوع. سيبي الكوخ. سيبي الأوراق. سيبي الأسئلة.
ثم أشرت للرسالة.
المرة دي مش هسيب حاجة.
ماما أخيرًا قالت
أنا كنت عارفة إن جدك مخبي مستندات.
سألتها
من إمتى؟
من قبل ما تتولدي.
وإنتِ كنتِ عارفة مكانها؟
هزت رأسها.
لأ.
بصيت للصندوق.
طيب عارفة ليه جدك كتب اسمي أنا؟
سكتت.
ثم قالت
لأنه كان شايفك مختلفة.
ضحكت بحزن.
مختلفة إزاي؟
كنتِ الوحيدة اللي بتشتغل بإيدها وبتصلح بدل ما ترمي.
نظرت إلى الكوخ.
عشان كده كان واثق إنك لما تلاقيه مش هتبيعيه بسهولة.
بابا قال
مريم، كفاية.
ماما بصت له.
أنت اللي لازم تسكت.
الكل اتفاجئ.
حتى أنا.
أول مرة أشوفها بتتكلم معاه بالطريقة دي.
قالت
أنا سكت سنين عشان العيلة ما تتفككش.
ثم بصتلي.
لكن دلوقتي، الموضوع وصل ليكي.
سألتها
إيه اللي حصل زمان؟
قالت
أبوك ما كانش الوحيد اللي وقّع على الأوراق.
سكتُّ.
مين كمان؟
ماما بصت ناحية فؤاد.
ثم قالت
أنا.
فؤاد اتفاجئ.
بابا أغلق عينيه.
قلت
إنتِ وقّعتي على إيه؟
على تنازل مؤقت.
لمين؟
لشخص كان المفروض يحمي الأرض.
قلت
ومين الشخص ده؟
ماما لم تجب.
لكن فؤاد قال
جدك.
بصيت لماما.
يعني إنتِ تنازلتي عن الأرض لجدّي؟
هزت رأسها.
لا.
ثم قالت الجملة اللي خلتني أحس إن الدنيا وقفت
تنازلت عنها لأخوه.
قلت
جدي كان عنده أخ؟
بابا قال بسرعة
مات من زمان.
فؤاد رد
مش بالضبط.
سكت الجميع.
قلت
يعني إيه مش بالضبط؟
فؤاد فتح الملف القديم.
طلع صورة.
فيها جدي واقف جنب رجل يشبهه بشكل مخيف.
وتحت الصورة اسم
يوسف.
قلت
مين يوسف؟
ماما ردت بصوت منخفض
أخو جدك.
ثم نظرت للبحيرة.
والرجل اللي كان مسؤول عن الأرض قبل ما تختفي كل المستندات...
هو نفسه الشخص اللي العيلة قالت لنا طول عمرنا إنه مات.
بصيت لبابا.
هو مات فعلًا؟
بابا لم يجب.
وفجأة...
جاء صوت من خلفنا.
لأ.
التفتنا جميعًا.
سامح كان واقف عند بداية الرصيف.
وفي إيده هاتفه.
قال
يوسف عايش.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
وهو اللي بعتني هنا.
تجمدت.
فؤاد قال
ده مستحيل.
سامح رد
لو عايزوا تتأكدوا...
رفع هاتفه أمامي.
على الشاشة كانت صورة حديثة لرجل مسن واقف أمام باب بيت.
وكان يشبه جدي بشكل جعل قلبي يتوقف للحظة.
ثم وصلتني رسالة جديدة من الرقم المجهول
قولي لسامح يفتح الصندوق... أنا مستني تحت البحيرة.
رفعت عيني عن الهاتف.
تحت البحيرة؟
سامح لم يبتسم هذه المرة.
وقال
أيوه.
ثم أشار إلى الرصيف.
وفيه مدخل تاني للمكان... تحت الميه مباشرة.
في اللحظة دي، فهمت إن الكوخ لم يكن يخفي غرفة واحدة.
كان يخفي طريقًا كاملًا...
وطريقه يبدأ من تحت البحيرة سامح نزل عينيه ناحية المياه وقال
المدخل كان بيتفتح من تحت الرصيف.
بصيت للبحيرة.
وإزاي ندخل؟
قال
زمان كان فيه سلم حديدي ينزل من آخر الرصيف، وبعده ممر صغير يوصل لغرفة تحت الأرض.
فؤاد هز رأسه.
الممر اتقفل من سنين.
سامح رد
اتقفل من بره، مش من جوه.
بابا قال بعصبية
مفيش حد هينزل تحت المياه.
سامح بص له.
خايف؟
بابا سكت.
وأنا بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
آخر جزء من الرصيف كان أعلى من باقي الأجزاء بحوالي سنتيمترين.
وقلت
استنوا.
نزلت على ركبتي.
أنا اللي رممت الرصيف ده.
بدأت أتحسس الخشب.
فيه جزء هنا اتغير.
فؤاد قرب.
متأكدة؟
أيوه.
أخرجت مفك من جيبي، وبدأت أفك المسامير.
بعد دقائق، رفعت لوح خشب.
تحت اللوح كان فيه سلم حديدي قديم نازل ناحية المياه.
داليا شهقت.
إنتِ كنتِ عايشة فوق ده كل الوقت ده؟
سامح قال
بالضبط.
لكن بابا وقف أمامي.
سارة، خلاص.
بصيت له.
لأ.
إنتِ مش عارفة اللي تحت.
وعشان أعرف، لازم أنزل.
فؤاد قال
أنا هنزل معاكي.
سامح قال
وأنا.
بابا اعترض
ولا واحد فيكم هينزل.
قلت
الكوخ بتاعي. والأرض باسمي. وأنا اللي هقرر.
نزلت أول درجة.
كانت المياه باردة جدًا.
درجة تانية.
تالتة.
لحد ما وصلنا إلى فتحة صغيرة أسفل الرصيف.
كان فيه باب حديدي صدئ.
سامح أخرج مفتاحًا.
لكن قبل ما يفتحه، سمعنا صوتًا من الداخل.
طرق.
مرة.
ثم مرتين.
ثم ثلاث مرات.
تجمدنا.
بصيت لسامح.
فيه حد جوه؟
قال
مستحيل.
جاءت الطرقات مرة تانية.
أقوى.
بابا من فوق صرخ
اطلعوا فورًا!
لكن قبل ما نتحرك، الباب الحديدي بدأ يتحرك من الداخل.
ببطء.
سُمك فتحة صغيرة ظهر منها ضوء.
ثم صوت رجل مسن
سارة؟
توقفت أنفاسي.
سامح تراجع خطوة.
فؤاد همس
يوسف...
الرجل خرج ببطء.
كان كبيرًا في السن.
شعره أبيض.
وعينيه كانتا تشبهان عيني جدي بشكل مخيف.
نظر إليّ مباشرة.
ثم قال
أخيرًا وصلتِ.
قلت بصوت مرتجف
إنت يوسف؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم نظر إلى بابا فوق الرصيف.
وتغيرت ملامحه.
محمود...
بابا لم يتحرك.
يوسف قال
كنت متأكد إنك هتحاول تمنعها.
بابا رد بصوت منخفض
أنا حاولت أحميها.
يوسف ضحك بحزن.
زي ما حميت الأرض؟
سكت بابا.
يوسف أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
الصندوق اللي معاكي مش هو الأهم.
بصيت للصندوق.
أمال إيه الأهم؟
وأشار إلى باب خلفه.
اللي ورا الباب ده.
فتح الباب.
كانت غرفة صغيرة مليانة صناديق قديمة وملفات.
وفي المنتصف كان فيه مكتب خشبي.
وعلى المكتب صورة لجدي.
تحتها ورقة واحدة.
مشيت ناحيتها.
كان مكتوب عليها
لو سارة وصلت إلى هنا، يبقى محمود فشل في إخفاء الحقيقة.
بصيت لبابا.
ثم قلبت الورقة.
كان فيه سطر أخير
لكنها لازم تعرف إن الخطر الحقيقي مش محمود... الخطر هو الشخص اللي وثق فيه محمود طوال حياته.
رفعت عيني ببطء.
كل الموجودين بدأوا يبصوا لبعض.
ثم يوسف قال
وأنا عارف مين هو.
لكن قبل ما يقول الاسم...
سمعنا صوت ارتطام قوي فوق الرصيف.
وبعدها مباشرة...
صوت صرخة داليا.
ثم صوت شخص بيقول
محدش يتحرك!
بصيت لفوق.
يوسف أغلق الباب بسرعة.
وقال
وصلوا.
قلت
مين؟
رد وهو يطفئ النور
الناس اللي كانوا مستنيين الصندوق من سنين.
ثم همس
وفيه واحد منهم...
من عيلتكم اتجمدنا كلنا في مكاننا.
فؤاد همس
من العيلة؟
يوسف أشار بإيده إننا نسكت.
من فوق، كانت أصوات خطوات بتتحرك على الرصيف.
ثم سمعنا صوت داليا
سيبني!
وصوت رجل غريب
فين سارة؟
بابا حاول يفتح الباب من الداخل.
يوسف مسكه.
لو خرجت دلوقتي، هياخدوا الصندوق.
بابا قال
بنتي فوق!
يوسف رد بحدة
وابنكِ؟!
الجملة وقعت علينا زي الصدمة.
بصيت لبابا.
ابن مين؟
يوسف سكت.
فؤاد قال
يوسف، بلاش.
يوسف بصلي.
الحقيقة لازم تتقال.
ثم أشار ناحية صندوق صغير على المكتب.
افتحيه.
فتحت الصندوق.
جواه مجموعة صور قديمة، وشهادة ميلاد، وظرف مختوم.
أمسكت شهادة الميلاد.
قرأت الاسم.
ثم تاريخ الميلاد.
وبصيت لبابا.
ده إيه؟
بابا ما ردش.
يوسف قال
الحقيقة إن والدك مش الوحيد اللي كان بيحاول يخفي الموضوع.
قلبت الصور.
كانت صور لجدّي، ويوسف، وبابا وهو شاب.
وفي إحدى الصور كان فيه رجل رابع.
وشه مألوف جدًا.
لكنني لم أستطع تحديده.
قلت
مين ده؟
يوسف قال
الشخص اللي كان بيموّل المشروع.
فؤاد صحح
واللي
تم نسخ الرابط