امي منعتنا

لمحة نيوز

أمي منعتنا نلمس علبة الدقيق 30 سنة وبعد موتها فتحتها وعرفت السر اللي جوزها خبّاه عني!كنت بنضف مخزن ماما بعد جنازتها، لما اكتشفت 18940 دولار متخبيين جوه علبة الدقيق القديمة اللي كانت مانعانا نقرب منها طول عمرنا. وتحت رزم الفلوس، لقيت جواب مكتوب عليه اسمي.
أول سطر فيه كان
أنا آسفة يا لينا.
أخويا هز كتفه وقال إنها أكيد فلوس بقالة ماما ونستها.
لكن أول ما قريت الجملة اللي بعدها، وشفت اسم جوز أمي، وجيه، عرفت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد فلوس متنسّية.
الساعة 505 بالظبط، كنت سايقة على البنك، وعلبة الدقيق جنبي، ولسه آثار الدقيق لازقة في هدومي.
مخزن ماما كان صغير، بالكاد أكبر من دولاب كبير، لكنها كانت مرتباه كأنها بتحضر نفسها لحالة طوارئ طويلة.
علب الفاصوليا الخضرا كانت مترتبة حسب تاريخ الصلاحية.
السكر كان دايمًا جوه نفس البرطمان الإزاز.
وفلاتر القهوة كانت محطوطة في علبة بلاستيك صفرا قديمة من سنة 1993.
وفوق كل ده، على أعلى رف، كان فيه حاجة واحدة ممنوع علينا نلمسها.
علبة الدقيق.
كانت علبة صاج بيضا، عليها رسومات زرقا باهتة حوالين الحواف، وفيها خدوش كتير باينة من عمرها.
ماما كانت بتحافظ على العلبة دي بشكل غريب.
لما كنت عندي 12 سنة، مرة حاولت أنزلها عشان كنت عايزة أعمل بسكويت ومكانش عندي دقيق كفاية.
قبل ما ألمسها، ماما خبطت على إيدي.
اتخضيت وعيطت.
لكنها هديت بعدها على طول.
عملتلي كوباية كاكاو، وقعدت جنبي على ترابيزة المطبخ، واعتذرت وهي بتمشط شعري بإيدها.
بس عمرها ما قالتلي ليه كانت بتخاف علي العلبة بالشكل ده.
رجعت العلبة مكانها فوق الرف.
ومن يومها، عمري ما لمستها تاني.
عدت السنين.
وفي الآخر، ماما ماتت وهي عندها 78 سنة.
تاني يوم بعد جنازتها، أخويا الكبير رامي قال إنه عايز البيت كله يفضى خلال 48 ساعة.
وده كان طبع رامي.
كان عايش في المنصورة، ودائمًا مستعجل.
فضل يتكلم عن قسط عربيته.
وضهره اللي بيوجعه.
وطريق السفر الطويل.
وكل شوية يفكرني إنه مش هيقدر يفضل كتير.
أما جوز ماما، وجيه، فكان بعيد عن حياتها بقاله ست سنين، ومكانش فيه حد تاني يساعدنا نرتب حاجات ماما اللي متراكمة على مدار حوالي 80 سنة.
رامي مسك الصالة.
وأنا دخلت المطبخ والمخزن.
ولا حد كان متحمس يفتش في علب الأكل القديمة والحاجات اللي مالهاش لازمة.
المطبخ كان لسه فيه ريحة قرفة خفيفة، مع ريحة تراب، والزيت بالليمون اللي ماما كانت بتلمع بيه الدولاب كل ربيع.
حطيت كرتونة جنب رجلي وكتبت عليها
للتبرع.
مع إني بعد ما لقيت 11 علبة بنجر، بدأت أشك أصلًا مين اللي ممكن ياخدهم.
وفجأة، إيدي راحت ناحية علبة الدقيق.
أول ما رفعتها، حسيت إن فيها حاجة غريبة.
كانت تقيلة جدًا.
نزلت من على السلم وحطيتها على الرخامة.
ومن الصالة كنت سامعة رامي وهو بيلف ريموت التلفزيون بتاع ماما في ورق جرايد، كأنه قطعة أثرية.
فتحت الغطا.
مكانش فيه دقيق.
كان فيه فلوس.
عشرينات.
وخمسينات.
وميات.
الفلوس كانت مترتبة في رزم، وكل رزمة متربطة بأستيكات قديمة لدرجة إنها بدأت تتقطع.
وفي فلوس شكلها كان واضح إنها بقالها سنين طويلة مستخبية.
فضلت باصة لها وأنا مش فاهمة حاجة.
وبعدين لاحظت حاجة تحت الفلوس.
جواب.
واسمي كان مكتوب عليه بخط إيد ماما.
لينا.
مش رامي.
مش للأولاد.
لينا بس.
إيدي بدأت تترعش.
نفس الوقت، شوية دقيق كانوا لسه لازقين على طرف العلبة، نزلوا على البنطلون الأسود اللي كنت لابساه من يوم الجنازة.
وفجأة رامي دخل المطبخ.
أول ما شاف الفلوس، ملامح وشه اتغيرت.
وقال
إيه ده؟
قلت
لقيتهم جوه علبة الدقيق.
فضل باصص للفلوس كام ثانية.
وبعدين هز كتفه وقال
غالبًا فلوس بقالة كانت ناسيها.
عدينا الفلوس.
18940 دولار.
بصيت له باستغراب.
وقلت
ناسيها؟
قبل ما رامي يمد إيده ناحية الرخامة، مسكت الجواب وفتحته.
أول كلمتين كانوا كفاية يخلو بطني تتقبض.
أنا آسفة يا لينا.
وبعدين قريت الجملة اللي بعدها.
كان لازم أقولك اللي وجيه عمله في فلوس التعويض بتاعتك.
وقعت على كرسي المطبخ.
فجأة، رجعت بنت عندها 17 سنة تاني.
في السنة دي، كنت اتخبطت فيا عربية نقل قدام سوبر ماركت قريب من بيتنا.
إصاباتي خلتني ألبس جبيرة لمدة تسع أسابيع.
وبعدها فضلت شهور بمشي بعرج.
كان فيه تعويض من شركة التأمين.
لكن وجيه هو اللي كان ماسك كل حاجة.
قال لماما وليا إن معظم الفلوس راحت في العلاج والمصاريف الطبية.
والباقي، قال إنه اتصرف في مصاريف تانية.
مكانش فاضل ليا أي حاجة.
كنت صغيرة.
مكانتش عندي خبرة في العقود والأوراق القانونية.
فصدقته.
فاكرة ماما وهي بتعيط لما وجيه قال إن الفلوس خلصت.
طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إنها كانت بتعيط لأنها حاسة بالعجز وخايفة عليا.
لكن وأنا قاعدة في مطبخها، والجواب في إيدي، فكرة تانية بدأت تدخل دماغي.
يمكن دموعها كانت بسبب إحساسها بالذنب.
بصيت ناحية رامي.
كان واقف بيراقبني بحذر.
وبعدين قال جملة خلت الشك جوايا يكبر أكتر
ما تبدأيش تنبشي في حاجات قديمة.
بصيت له.
وقلت
إنت عارف حاجة.
رامي بص بعيد.
جواب ماما كان 3 صفحات.
كملت قراءة.
لكن قبل ما أوصل للنهاية، لاحظت إن الصفحة الأخيرة كانت متنية لوحدها.
ومتقفلة بشريط لاصق قديم لدرجة إن لونه بقى أصفر وبني من الأطراف.
وكان مكتوب عليها
اقري الصفحة دي في بنك مصر، مش جوه البيت.
قريتها مرتين.
وبعدين رجعت الفلوس تاني جوه علبة الدقيق.
حطيت جواب ماما في شنطتي.
وخرجت.
الساعة 505 بالظبط، دخلت بنك مصر وأنا شايلة علبة الدقيق القديمة تحت دراعي.
الموظفة عرفت اسمي.
شرحت لها إن ماما ماتت قريب، وإنّي لقيت حاجة وسط حاجاتها.
الموظفة بدأت تكتب حاجة على الكمبيوتر.
وفجأة، لون وشها اتغير.
بصتلي.
وبعدين بصت لعلبة الدقيق.
ومن غير ما تشرح أي حاجة، مدت إيدها للتليفون.
وقالت
لازم أكلم مدير الفرع.
في اللحظة دي، فهمت إن ماما ما كانتش مخبية فلوس في المطبخ وخلاص.
هي كانت محضّرة اليوم اللي أنا هلاقي فيه الفلوس.
وأيًا كان اللي وجيه عمله من سنين طويلة...
ماما قضت وقت طويل جدًا وهي بتحاول تضمن إن الحقيقة توصل لي في النهاية بس حصل حاجة مكنتش في توقعاتها ووو
حكايات_زيزي
في اللحظة اللي مديرة الفرع رفعت فيها سماعة التليفون، كنت متخيلة إنها هتطلب موظف قانوني أو حد من الإدارة.
لكنها قالت جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي
أيوه هي وصلت.
وبعدين سكتت.
بصيت لها وقلت
مين اللي وصل؟
ما ردتش.
فضلت ماسكة السماعة ووشها شاحب، كأنها سمعت خبر مش عايزة تكون هي اللي تقولهولي.
بعد أقل من دقيقتين، دخل راجل في الخمسينات، لابس بدلة رمادي، وفي إيده ملف بني قديم.
أول ما شافني، وقف مكانه.
وبص لعلبة الدقيق.
وبعدين قال
إنتِ لينا؟
قلت
أيوه.
قرب خطوة وقال
أنا كنت مستني اليوم ده من 30 سنة.
اتنفضت من مكاني.
مستني إيه؟
فتح الملف وحط ورقة قديمة على المكتب.
كانت ورقة عليها اسمي.
وتاريخ يرجع للسنة اللي حصلت فيها الحادثة.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الورقة.
كانت في التوقيع اللي تحتها.
توقيع وجيه.
نفس التوقيع اللي شوفته مئات المرات على أوراق البيت.
رفعت عيني للرجل وقلت
هو وجيه كان عارف إن الفلوس دي موجودة؟
رد بهدوء
وجيه كان عارف أكتر من كده.
سكت.
ثم أضاف
لكنه ما كانش يعرف إن والدتك احتفظت بنسخة من المستندات.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحت شنطتي وطلعت جواب ماما.
وقلت
ماما قالتلي أقرأ الصفحة الأخيرة هنا.
بص للجواب وكأنه كان متوقعه.
ثم قال
افتحي الصفحة الأخيرة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفك الشريط اللاصق.
لكن أول ما فتحتها، لقيت إن فيه سطر جديد مكتوب بخط ماما، ما كنتش لاحظته قبل كده.
السطر كان قصير جدًا
لينا لو وصلتي للبنك، ما تثقيش في أي حد يحمل اسم وجيه.
رفعت عيني ببطء.
في نفس اللحظة، تليفون مديرة الفرع رن مرة تانية.
ردت.
وسمعت كام كلمة.
وبعدين قامت فجأة وقالت
لينا لازم تمشي معايا حالًا.
قلت
على فين؟
بصت للرجل اللي قدامي.
وبعدين قالت
لأن فيه شخص تاني جه يسأل عن علبة الدقيق.
اتجمدت.
مين؟
قبل ما تجاوب، سمعت صوت باب البنك بيتفتح من بعيد.
ودخل رجل طويل.
ولما شافني
وقف.
أنا كمان عرفته.
كان وجيه.
لكن المفاجأة إنه ما كانش لوحده.
كان ماسك في إيده ظرف أبيض، وبيبتسم ابتسامة غريبة.
وبص مباشرة لعلبة الدقيق وقال
كنت عارف إنك هتلاقيها في الآخر ماعرفتش أرد عليه.
فضلت باصة لوجيه، وهو واقف قدامي بنفس الهدوء اللي كان بيستعمله زمان لما كنت أسأله عن فلوس التعويض.
مديرة الفرع قربت مني وهمست
ما تديهوش أي ورقة.
وجيه سمعها.
ابتسم وقال
الورق ده مش بتاعك يا لينا.
اتجمدت.
إزاي مش بتاعي؟
رفع الظرف الأبيض في إيده وقال
لأن والدتك وقّعت على حاجة قبل ما تموت.
قلبي وقع.
ماما؟
أيوه.
وحط الظرف على المكتب.
لكن قبل ما ألمسه، الراجل اللي كان جايب الملف البني مد إيده ومنعه.
متفتحيهوش.
وجيه ضحك بسخرية.
طبعًا عشان لو فتحته، كل حاجة هتخلص.
بصيت للرجل وسألته
إيه اللي جواه؟
قال
دليل إن والدتك حاولت تسترد حقك من سنين.
وجيه رد بسرعة
كدب.
لكن صوته ماكانش ثابت.
فتحت شنطتي وطلعت جواب ماما.
قلت
ماما كتبت إنك عملت حاجة في فلوس التعويض بتاعتي.
وجيه اتغير وشه.
لأول مرة، شفت الخوف في عينيه.
قال
أمك كانت مريضة في آخر أيامها.
صرخت
بس كانت واعية!
سكت.
ثم قرب مني وقال بصوت منخفض
لينا لو عايزة تعرفي الحقيقة، اسمعيني أنا الأول.
قلت
بعد 30 سنة؟
هز رأسه.
لأن الحقيقة اللي في دماغك ناقصة.
وبعدين بص للراجل صاحب الملف وقال
قول لها أنت ليه ما قلتلهاش إن والدتها كانت بتدفع فلوس كل شهر عشان تسكت؟
شهقت.
تسكت عن إيه؟
ماحدش رد.
رامي، اللي كنت فاكرة إنه لسه في البيت، ظهر فجأة عند باب البنك.
وكان واقف ووشه أصفر.
بصيت له وقلت
إنت جيت هنا إزاي؟
قال
لينا لازم نتكلم.
إنت كنت عارف؟
ما ردش.
كررّت
كنت عارف إن ماما مخبية الفلوس؟
رامي بص لوجيه.
وجيه بص لرامي.
وفي اللحظة دي فهمت إن الاتنين كانوا عارفين حاجة.
لكن اللي ما كنتش فاهمه
هو ليه ماما كتبت اسمي على الجواب، وخبت الحقيقة 30 سنة، واختارت بالذات علبة الدقيق؟
مديرة الفرع قفلت باب المكتب.
ثم قالت
قبل ما أي حد يتكلم لازم لينا تشوف تسجيل قديم موجود عندنا.
قلت
تسجيل إيه؟
فتحت جهاز الكمبيوتر.
ظهر تاريخ قديم جدًا.
تاريخ نفس يوم الحادثة.
ثم ضغطت تشغيل.
ظهر وجيه على الشاشة.
لكن الشخص اللي كان واقف جنبه
خلاني أحط إيدي على بوقي من الصدمة.
لأن الشخص ده كان آخر إنسان في الدنيا أتوقع أشوفه في التسجيل.
وكان السبب الحقيقي في اختفاء فلوس تعويضي من البداية ثبتُّ عيني على الشاشة، ومخي كان بيرفض يستوعب اللي شايفاه.
الشخص الواقف جنب وجيه
كان أبويا.
أبويا اللي كنت فاكرة إنه ما كانش موجود أصلًا وقت الحادثة.
أبويا اللي ماما قالتلي طول عمري إنه سافر بعدها بأيام وما رجعش.
لكن التسجيل كان واضح.
وجيه واقف قدام مكتب قديم، وأبويا جنبه.
كان فيه ظرف كبير على الترابيزة.
وجيه فتحه، وطلع منه رزم فلوس.
سمعت صوت أبويا في التسجيل
البنت لسه صغيرة مش هتفهم حاجة.
رد وجيه
وأمها؟
أبويا سكت لحظة، ثم قال
سيبها عليّا.
وقفت فجأة.
الكرسي وقع ورايا.
لأ
مديرة الفرع أوقفت التسجيل.
قلت لها بصوت مرتعش
كمّليه.
قالت
الأفضل تعرفي الباقي كله مرة واحدة.
صرخت
كمّليه!
شغلت التسجيل.
ظهر وجيه وهو بيحط جزء من الفلوس في ظرف تاني.
وبعدين أبويا مد إيده له بورقة.
وجيه قرأها، وقال
لو وقّعت دي، الموضوع يخلص؟
أبويا رد
يخلص للأبد.
أنا حطيت إيدي على رأسي.
إيه الورقة دي؟
الرجل صاحب الملف قال
إقرار باستلام كامل التعويض.
بصيت له.
لكن أنا ما وقعتش.
هز رأسه.
عشان كده القضية ما ماتتش.
وجيه فجأة انفجر
القضية ماتت من

تم نسخ الرابط