امي جابتلي

لمحة نيوز

افتحيه بهدوء.
فتحته.
كان جواه صورة قديمة بالأبيض والأسود.
صورتها كانت لجدتي وجدي، وأبويا وهو شاب، ومعاهم شخص تاني.
قربت الصورة من عيني.
وبصيت للشخص الرابع.
كان واحد من أقاربنا.
قلت
أنا أعرفه.
جوزي سأل
مين؟
قلت
عمي.
سكت.
جوزي أخد الصورة وبص لها.
قال
ووالدتك تقصد إن عمك هو اللي كان مسؤول عن الورق؟
هزيت راسي
مش عارفة.
في نفس اللحظة، تليفوني رن.
كانت أمي.
رديت بسرعة
ماما، إنتِ كنتِ بتتكلمي عن عمي؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
أيوه.
قلبي دق بسرعة.
هو عمل إيه؟
أمي قالت
مش عايزة أظلمه، بس لازم تعرفي الحقيقة.
قوليلي.
قالت
أبوكي زمان كان له نصيب في أرض وبيت كبير، وكان فيه اتفاق إنه يفضل لأولاده.
سألتها
وإيه علاقة عمي؟
قالت
عمك هو اللي كان ماسك الورق.
سكتت.
ثم قالت
وبعد وفاة جدك، اكتشفنا إن فيه ورقة اتغيرت.
اتجمدت.
اتغيرت إزاي؟
قالت
ده اللي مش عارفين نثبته لحد دلوقتي.
جوزي كان واقف جنبي، وبيسمع.
أمي كملت
عشان كده أنا بعتلك الورق. مش عايزاكي تعملي مشكلة مع حد. عايزاكي بس تعرفي حقك وتتأكدي منه بالطريقة القانونية.
قلت
طب ليه دلوقتي؟
قالت
لأن عمك ناوي يبيع البيت.
اتصدمت.
يبيعه؟!
أيوه.
سكتنا.
ثم قالت أمي
وأنا مش عايزة حد ياخد حاجة من حقك من غير ما تعرفي.
قفلت المكالمة وأنا في حالة ذهول.
جوزي قال
واضح إن الموضوع محتاج محامي.
هزيت راسي.
بس أنا مش عايزة خناقات.
قال
مش لازم خناق. حقك يتراجع بالورق، ولو مالكيش حق خلاص، ولو ليكي حق تاخديه بهدوء.
بصيت للصورة تاني.
وبدأت أفكر في حاجة واحدة
إزاي عمي كان عايز يبيع البيت، وهو عارف إن فيه ورق ممكن يثبت إن ليا حق فيه؟
وفي نفس اللحظة، وصلني إشعار على الموبايل.
رسالة من رقم مش مسجل.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
لو فتحتي موضوع البيت، هتندمي... ومش كل اللي مكتوب في الورق حقيقي.
رفعت عيني لجوزي.
قال
إيه؟
ناولته الموبايل.
قرأ الرسالة، وملامحه اتغيرت.
وقال
واضح إن حد عرف إن والدتك بعتتلك الورق.
لكن السؤال كان
مين اللي بعت الرسالة؟فضلنا قاعدين ساكتين، وكل واحد فينا بيحاول يستوعب الكلام.
أمي مسحت دموعها وقالت
أبوكي فعلًا كان مخبي حاجة عننا.
بصيت لها
وإنتِ كنتِ عارفة؟
هزت راسها
كنت عارفة إنه كان خايف على حاجة، لكن عمري ما عرفت إيه هي.
جوزي سألها
طب الراجل اللي كلمنا عنه ده، ممكن يكون حد من أصحاب والدك؟
قالت
مش عارفة.
رجعت أبص للدفتر.
كان فيه اسم واحد متكرر في أكتر من صفحة.
الحاج محمود.
قلت
هو ده الشخص اللي أبويا كان كاتبه؟
أمي هزت راسها.
الاسم ده أول مرة أشوفه.
جوزي قال
يبقى لازم نعرف مين الحاج محمود.
قررنا ما نعملش أي خطوة لوحدنا.
أمي اتصلت بقريب كبير في العيلة، كان معروف إنه فاهم تاريخ العيلة والبيوت والأراضي.
حضر بعد شوية، وأول ما شاف الدفتر، وشه اتغير.
قال
إنتوا لقيتوا الدفتر ده فين؟
أمي قالت
كان في دولاب أبوها.
قعد وقلب الصفحات.
ولما وصل للاسم، سكت.
قلت
حضرتك تعرفه؟
قال
أعرفه.
اتوترت.
مين هو؟
قال
ده كان صديق جدك المقرب.
أمي قالت
طب ليه اسمه موجود في دفتر أبويا؟
رد
لأن جدك قبل وفاته، سلّم له حاجة مهمة.
سألته
إيه؟
قال
مش عارف.
جوزي قال
بس واضح إن والدها كان يعرف بالموضوع.
الرجل هز راسه
أكيد.
ثم أشار لسطر في الدفتر.
شوفي التاريخ ده.
بصيت.
كان نفس التاريخ المكتوب في الصفحة اللي لقيناها.
قال
اليوم ده كان قبل وفاة جدك بأيام.
سألته
وإيه اللي حصل فيه؟
قال
جدك جمع ولاده في البيت.
أمي قالت
أنا فاكرة اليوم ده.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
أبوكي رجع وقتها متأخر جدًا، وكان متخانق مع أخوه.
اتوترت.
عمي؟
هزت راسها.
أيوه.
جوزي سأل
والخلاف كان بسبب البيت؟
قال قريبنا
حسب اللي سمعته وقتها، كان فيه خلاف على ملكية البيت والأرض.
قلت
بس لو فيه خلاف، ليه أبويا ما قالش لنا؟
رد
لأنه كان ناوي يحل الموضوع بهدوء.
وبعدين قال
لكن قبل ما يحصل ده، جدك سلّم ظرف للحاج محمود.
سألته
والظرف ده كان فيه إيه؟
قال
هنا المشكلة... محدش يعرف.
رجعنا نبص لبعض.
وفجأة أمي قالت
استنى.
قامت بسرعة وراحت ناحية دولاب قديم.
طلعت صندوق خشب صغير.
حطته قدامنا.
قالت
أبوكي كان بيقفل الصندوق ده بمفتاح، والمفتاح عمره ما فارق سلسلة مفاتيحه.
فتحته.
كان فاضي تقريبًا.
لكن في قاع الصندوق كان فيه تجويف صغير.
جوزي اكتشفه.
ضغط عليه.
فتح جزء مخفي.
وكان جواه مفتاح صغير.
أمي شهقت.
المفتاح ده أنا شوفته قبل كده.
قلت
بتاع إيه؟
قالت
مش فاكرة.
قريبنا أخذ المفتاح، وقلبه في إيده.
قال
ده شكله مفتاح صندوق أمانات.
جوزي قال
ممكن يكون عند بنك؟
هز راسه
أو خزنة قديمة.
أمي فجأة افتكرت حاجة.
قالت
استنوا... أبوكي كان عنده صندوق في مكتب قديم، قبل ما يقفل الشغل.
قلت
والمكتب لسه موجود؟
قالت
أيوه.
جوزي قال
يبقى نروح.
في نفس اليوم، رحنا للمكتب القديم.
كان مقفول بقاله سنين.
أمي جابت المفتاح القديم.
فتحنا الباب.
دخلنا.
كل حاجة كانت مليانة تراب، لكن المكتب نفسه لسه موجود.
بدأنا ندور.
وفجأة، أمي قالت
استنوا!
كانت واقفة قدام خزانة حديد صغيرة.
أدخلت المفتاح.
فتحته.
وكان جواه...
صندوق معدني أسود.
حطيته على المكتب.
وكان عليه اسم أبي بخط إيده.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في الصندوق.
كانت في الورقة اللي كانت ملزوقة عليه.
قرأتها بصوت مرتعش
إلى ابنتي... إذا وصل هذا الصندوق إليها، فهذا يعني أن الوقت حان لتعرف الحقيقة.
بصيت لجوزي.
وأمي حطت إيدها على قلبها.
مديت إيدي ناحية الصندوق...
لكن قبل ما أفتحه، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب المكتب من الخارج.
حد دخل.
وسمعنا صوت راجل بيقول
أنا عارف إنكم هنا.
اتجمدنا كلنا.
لأن الصوت كان مألوفًا جدًا...
كان صوت عمي اتجمدنا كلنا لما سمعنا صوت عمي.
دخل المكتب بهدوء، وبص للصندوق المعدني الموجود قدامنا، وقال
كنت عارف إنكم هتوصلوا له في يوم.
جوزي وقف قدامي وقال
إنت كنت عارف بالصندوق؟
عمي تنهد وقال
أيوه.
أمي بصت له بغضب
وإنت ليه ما قلتلناش؟
قال
لأن أخويا طلب مني أخبيه.
بصيت له بصدمة
أبويا؟
هز راسه.
أبوكي كان عارف إن فيه خلاف كبير على البيت، وكان خايف إن الموضوع يتحول لخناقة بين الإخوات. عشان كده احتفظ بالأوراق الأصلية بعيد عن البيت.
فتحت الصندوق.
لقيت فيه مستندات قديمة، وعقود، وصور، وخطابات.
جوزي بدأ يراجع الأوراق، وبعد دقائق ابتسم وقال
دي مش أوراق تثبت إن عمك أخد حقك... دي بالعكس بتوضح إن أبوكي كان عامل تقسيم عادل بين الورثة.
بصيت لعمي.
قال
أيوه. أنا كنت غلطان.
سألته
طب ليه كنت عايز تبيع البيت؟
رد بحزن
كنت محتاج فلوس، وكنت فاكر إن الورق القديم مش هيظهر تاني. لكن لما عرفت إن والدتك لقيته، خفت.
أمي قالت
والخوف خلاك تهدد بنتي؟
نزل عينه للأرض.
أنا آسف.
جوزي قال
الاعتذار مش كفاية، بس طالما هتمشوا في الطريق القانوني، كل واحد ياخد حقه.
وبالفعل، أخذنا الأوراق لمحامٍ، واتراجعت رسميًا، واتضح إن ليّ بالفعل نصيب محفوظ في البيت، وإن عمي ما ينفعش يبيع نصيب مش ملكه.
الموضوع اتحل من غير خناقات ولا قطيعة.
لكن بالنسبة لي، أهم حاجة ما كانتش البيت.
أهم حاجة كانت اللي حصل جوا بيت حماتي.
بعد كام أسبوع، رجعت من عند الدكتور أنا وجوزي، وكانت نتيجة الفحوصات مطمئنة، والدكتور طمّنا إن العلاج والمتابعة ممكن يساعدونا جدًا.
ولما دخلنا البيت، لقيت حماتي مستنيانا.
قربت مني وقالت
عملتلكم الغدا.
ضحكت وقلت
إيه الغدا؟
قالت
البط اللي أمك بعته.
بصيت لها وضحكت.
فقالت بسرعة
المرة دي كله متقسم بالعدل، ومحدش هياخد حتة زيادة عن التاني!
ضحكنا كلنا.
وبعدها قربت مني وقالت
عارفة؟ أنا فهمت حاجة مهمة.
إيه؟
قالت
إن الست مش بتتقاس بعدد عيالها، وإن اللي ربنا مأخره لحكمة، مش من حق حد يعايرها بيه.
دموعي نزلت.
حضنتها.
وقلت
وأنا كمان فهمت إن الطيبة حلوة، بس لازم يكون معاها حدود.
ابتسمت.
أما سلفتي، فبقت أقرب واحدة ليا في البيت.
وبقينا كل ما أمي تبعت حاجة، نقسمها سوا من غير ما حد يفرض على حد نصيبه.
وبعد فترة، حصلت حاجة خلت البيت كله يفرح.
الدكتور اتصل بينا وقال إن فيه خبر جميل...
لكن قبل ما يكمل، أنا حطيت إيدي على بطني، وبصيت لجوزي.
هو فهم من نظرتي.
ابتسم.
وبعد أيام قليلة، اتأكدنا إن ربنا أخيرًا استجاب لدعائنا.
أول شخص اتصلت بيه كان أمي.
وأول ما سمعت صوتي، قالت
مالك يا بنتي؟
ضحكت وأنا بعيط
المرة دي يا ماما... إنتِ مش هتبعتيلي بط وفراخ وحلاوة بس.
سألتني بلهفة
ليه؟
قلت
عشان عندي خبر هيخليكي تفرحي أكتر من كل حاجة بعتّيها لي.
فضلت ساكتة ثواني، وبعدين فهمت.
وصوت بكاها وصلني من الناحية التانية.
حامل؟
قلت
أيوه يا ماما.
فضلنا نبكي ونضحك.
أما جوزي، فكان واقف جنبي مبتسم.
وفي اليوم اللي رجعنا فيه بيت حماتي، دخلت وهي أول ما شافتني حضنتني وقالت
ربنا يتمملك على خير يا بنتي.
وبعدين ضحكت وقالت
بس أوعديني بحاجة.
ضحكت
إيه؟
قالت
لما أمك تبعتلك حاجة الموسم الجاي، سيبيلي علبة حلاوة بس!
ضحكنا كلنا.
وقتها بصيت للمطبخ، وافتكرت الطبق الصغير اللي كان سبب كل الوجع.
وفهمت إن أحيانًا موقف صغير جدًا ممكن يكشف للإنسان حاجات أكبر بكتير
مين بيحبه بجد، ومين محتاج يحط معاه حدود، ومين يستحق فرصة تانية.
أما خير أمي...
فما كانش مجرد بط وفراخ
وحلاوة.
كان حضنًا منها وصلني وأنا بعيدة عنها، وذكرني إن مهما اتغيرت الدنيا حواليّ...
لسه فيه أم بتفتكر بنتها، وتبعتلها الخير من قلبها قبل ما تبعته في الشنط.

تم نسخ الرابط