ارملة

لمحة نيوز

قال
ده معناه إن الشخص اللي دخل هنا ما دخلش من الباب.
بصيت لبنتي.
كانت نايمة بهدوء، كأن مفيش أي حاجة بتحصل.
قربت منها وضمّيتها.
وفي اللحظة دي، لاحظت إن في حاجة صغيرة متعلقة في بطانيتها.
مفتاح USB صغير.
اتجمدت.
ده مش بتاعي.
الظابط أخده بحذر.
وعلى سطحه كان محفور
A17
قال
ده ممكن يكون جزء من الفلاشة اللي ادتهالك والدته.
فتحنا اللابتوب.
وصلنا الفلاشة.
ظهر مجلد واحد فقط.
اسمه
آخر ليلة.
فتحت المجلد.
كان فيه تسجيل صوتي.
صوت آدم.
أول ما سمعته، دموعي نزلت غصب عني.
لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده يبقى أنا ما رجعتش.
سكت لحظة.
ثم قال
أنا عارف إنك هتدوري ورايا. وعارف إنك هتسألي عن الحادث.
صوته كان هادي، لكن واضح إنه كان متوتر.
الحادث ما كانش زي ما قالوا لك.
شهقت.
الظابط قرب من السماعة.
آدم كمل
قبل ما أخرج من البيت في اليوم ده، كنت عارف إن حد بيراقبني.
توقفت الدنيا بالنسبة لي.
ولو حصل لي حاجة، افتكري حاجة واحدة
الصوت اتقطع لثواني.
ثم رجع
الشخص اللي لازم تدوري وراه مش الشخص اللي كان معايا.
الظابط بص لي باستغراب.
آدم قال
دوري على الشخص اللي خلاه ييجي لي أصلاً.
التسجيل انتهى.
فضلنا ساكتين.
وبعدين ظهر إشعار على الشاشة.
ملف جديد تم فتحه تلقائيًا.
ظهر فيديو قصير.
كان آدم واقف قدام المخزن رقم 17.
لكن المرة دي
كان معاه شخص.
الصورة كانت مشوشة.
قربت من الشاشة.
وفجأة
عرفت الجاكيت.
نفس الجاكيت الأسود اللي ظهر في الصورة الأولى.
لكن الشخص لف ناحية الكاميرا للحظة واحدة.
وشه ظهر بوضوح.
شهقت من الصدمة.
لأنني كنت أعرفه.
وأنا متأكدة إني شفته قبل كده.
في يوم جنازة آدم فضلت باصة للشاشة، ومش قادرة أصدق اللي شايفاه.
الرجل اللي ظهر في الفيديو كان واقف وسط الناس يوم جنازة آدم.
لكن مين هو؟
حاولت أفتكر ملامحه.
كان واقف بعيد، لابس بدلة غامقة، وما اتكلمش مع حد تقريبًا.
قلت للظابط
أنا شفته يوم الجنازة.
الظابط وقف الفيديو.
متأكدة؟
أيوه.
تعرفي اسمه؟
هزيت راسي.
لأ.
فتح الظابط صورة من هاتفه، وبدأ يقارنها بوجوه موجودة في سجلات قديمة.
وبعد دقائق، رفع عيني فجأة.
غريبة.
إيه؟
قال
الشخص ده موجود في ملف حادثة المخزن.
قلبي انقبض.
يعني كان موجود وقت الحريق؟
مش بس موجود اسمه ظهر كشاهد.
ثم فتح الملف.
وكان الاسم
محمود ناصر.
بصيت للاسم.
آدم كان يعرفه؟
الظابط قال
على الأغلب.
في نفس اللحظة، تليفوني رن.
رقم مجهول.
رديت.
مفيش صوت.
وبعدين سمعت صوت رجل.
إنتِ فتحتِ التسجيل.
اتجمدت.
إنت مين؟
اللي طلب منك ما تثقيش في حد.
إنت محمود؟
سكت.
فهمت من سكوته إني قربت.
قلت بسرعة
إنت كنت مع آدم قبل الحادث؟
رد
كنت بحاول أحميه.
طب ليه ما أنقذتوش؟
صوته اتغير.
لأني وصلت متأخر.
مين كان وراه؟
قال
لو قلت لك اسمه، حياتك هتتغير.
هي أصلًا اتغيرت!
سكت لحظة.
ثم قال
اسمعيني كويس متروحيش للمخزن.
الظابط أشار لي إني أسأله.
قلت
ليه؟
رد
لأن المخزن مش فاضي.
ثم انقطعت المكالمة.
الظابط تحرك فورًا.
لازم نروح هناك.
بصيت له باستغراب.
بس هو قال ما نروحش.
قال
وده بالضبط السبب اللي يخلينا نروح.
وصلنا للمخزن بعد حوالي نص ساعة.
كان المكان مهجور، والسور الحديدي حواليه متهالك.
رقم 17 كان لسه ظاهر فوق الباب.
الظابط فتح القفل بالمفتاح اللي تركته والدة آدم.
دخلنا.
الظلام كان تقيل.
ريحة التراب والرطوبة مالية المكان.
وبعد كام خطوة، لقينا غرفة صغيرة في آخر المخزن.
بابها كان مقفول.
الظابط فتحه.
الغرفة كانت شبه فاضية.
كرسي.
مكتب.
وخزانة حديد.
لكن فوق المكتب
كان في ظرف.
عليه اسمي.
قربت منه.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
وكان مكتوب
آدم ما ماتش لأنه عرف السر آدم مات لأنه قرر يحميكي منه.
إيدي بردت.
قلبت الورقة.
لقيت جملة أخيرة
ولو عايزة تعرفي السر، افتحي الخزانة.
بصيت للخزانة الحديد.
الظابط قرب منها.
كان فيها قفل صغير.
المفتاح اللي معانا دخل بسهولة.
فتحناها.
لكن بدل ما نلاقي مستندات أو فلوس
لقينا صورة لي أنا وآدم وإحنا في المستشفى قبل ولادة بنتنا.
الصورة كانت متصورة من بعيد.
والأخطر
إنها كانت بتاريخ بعد وفاة آدم بيومين.
بصيت للظابط وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا.
دي مستحيل تكون حقيقية.
قال
ليه؟
شورت للصورة بإيدي المرتعشة.
لأن آدم هو اللي كان بيصورني في اليوم ده.
سكت.
ثم أضافت
بس لو آدم مات قبل الصورة دي
ما كملتش الجملة.
الظابط أخد الصورة.
قلبها.
وعلى ظهرها كان مكتوب
هو لم يمت في اليوم الذي أخبروكِ به.
وفي اللحظة نفسها
سمعنا صوت باب المخزن الخارجي بيتقفل بعنف.
ثم صوت خطوات بتقرب من الغرفة.
خطوة
ثم خطوة
ثم خطوة.
الظابط أخرج سلاحه وقال
محدش يتحرك.
لكن الخطوات توقفت أمام الباب مباشرة.
ثم سمعنا صوت رجل يقول
أنا جيت أقولكم آدم مات إمتى بالضبط اتجمدنا مكاننا.
الظابط رفع سلاحه، وأنا ضميت بنتي لصدرى.
الباب اتفتح ببطء
ودخل رجل في الخمسينات.
كان هو نفس الرجل اللي ظهر في صورة آدم.
محمود ناصر.
رفع إيديه وقال
أنا مش جاي أأذيكم.
الظابط قال بحزم
إيديك قدامك.
محمود وقف مكانه، وبص لي.
آدم ما ماتش بالطريقة اللي قالوها لك.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
يعني إيه؟
قال
الحادث حصل فعلًا لكن قبل الحادث كان آدم بيحقق في موضوع قديم متعلق بحريق المخزن.
وأشار للخزانة.
كان اكتشف إن الحريق اللي حصل من خمس سنين ما كانش حادث عشوائي. كان فيه مستندات مهمة اختفت، وآدم عرف إن حد حاول يخفيها.
سألته
ومين الشخص اللي كان بيهدده؟
محمود سكت لحظة.
شخص كان قريب من آدم وموثوق فيه.
الظابط سأله
مين؟
قبل ما يرد، ظهر صوت من خلفنا
أنا.
لفينا جميعًا.
كان عم آدم واقف عند باب الغرفة.
الرجل اللي كان طول الأيام اللي فاتت بيظهر في العزا، ويواسيني، ويأكد لي إن كل شيء قضاء وقدر.
اتصدمت.
إنت؟
بص لي بحزن.
آدم اكتشف إنني كنت أحاول أوصل للمستندات القديمة.
صرخت
إنت اللي قتلته؟!
هز راسه بسرعة.
لأ.
ثم قال
أنا غلطت، وخبيت حاجات عنه لكني ما قتلتش آدم.
محمود قاطعه
الحقيقة إن آدم مات بسبب حادث مدبر، لكن الشخص اللي تسبب فيه هرب.
الظابط سأل
وعندك دليل؟
محمود أخرج هاتفًا قديمًا.
آدم سجّل كل حاجة.
شغّل تسجيلًا.
صوت آدم ظهر من جديد
لو حصل لي حاجة، مش عايز حد ينتقم لي. عايز مراتي وبنتي يعيشوا بأمان. الحقيقة لازم تظهر، لكن من غير ما حد يضر نفسه.
بدأ التحقيق من جديد.
وبعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة.
تم القبض على الشخص المسؤول عن تدبير الحادث، وكُشفت المستندات التي كان آدم يحاول حمايتها.
أما موضوع الصورة الغامضة التي ظهرت بتاريخ بعد وفاته، فاتضح أنها كانت مؤرخة على جهاز التصوير بتاريخ خاطئ، والتُقطت قبل الحادث بأيام، ثم أُرسلت لي عمدًا لإرباكي وإبعادي عن الحقيقة.
أما والدته، فلم تكن اختفت بطريقة غامضة كما ظننت.
كانت خرجت من البيت بعدما وصلتها رسالة تهديد، وكانت تخاف أن تعرضني للخطر، ثم عادت بعد أن عرفت أن الشرطة موجودة.
وبعد شهور
وقفت في نفس المكان أمام بيتنا.
الطلاء الأسود اختفى.
والبيت رجع لونه القديم.
وفي البلكونة، علقت صورة آدم.
كنت شايلة بنتنا، وببص للصورة.
ابتسمت رغم دموعي.
وقلت لها
أبوك كان عايزك تعيشي من غير خوف.
بنتي حركت إيدها الصغيرة، وكأنها فهمت كلامي.
دخلت البيت، وفتحت الصندوق الخشب للمرة الأخيرة.
جواه كانت آخر رسالة كتبها آدم قبل موته.
قرأتها وأنا بعيط
لو وصلتي لآخر الطريق، متخليش اللي حصل يسرق منك حياتك. أنا اخترتك عشان أعرف إنك أقوى من أي سر.
قفلت الرسالة.
وضميتها لصدري.
آدم رحل
لكن ترك لي أجمل سبب أكمل عشانه.
بنتنا.
ومن يومها، كل ما كانت الدنيا تضيق بيا، كنت أبص للسماء وأقول
أنا لسه هنا يا آدم ولسه بنربي بنتنا زي ما كنا بنحلم.
ولأول مرة منذ وفاته
دخلت بيتي من غير ما أخاف.
البيت اللي اتغطى يومًا بالأسود
رجع منور من جديد.
وانتهت الحكاية لكن الجواب الأسود فضل عندي، مش كذكرى للخوف، وإنما كدليل إن الحقيقة مهما اتخبّت، في يوم لازم تظهر.

تم نسخ الرابط