رجعت البيت بدري حكايات زيزي

لمحة نيوز

رجعت البيت بدري، ولقيت مراتي مستخدمة جسمها عشان تدفّي ابننا المولود جديد، بعد ما أمي أخدت ال دولار اللي كانوا مخصصين لرعايتهم.
أختي قالتلي من منتجع فاخر وهي بتستمتع بإجازتها
ممكن تعوّض الفلوس.
فدفعت تمن ليلتين زيادة ليهم، وقلت لهم
خليكوا مكانكوا... ومتتحركوش.
الشتا اللي عرفت فيه معنى العيلة بجد
الرحلة اللي رجعت فيها بدري
كان المفروض أفضل في دنفر 3 أسابيع كمان، وأنا بشرف على المرحلة الأخيرة من تجديد مستشفى، المشروع اللي كان واخد تقريبًا سنة كاملة من حياتي.
لكن لما المقاولين خلصوا الشغل قبل معاده، غيرت ميعاد رحلتي من غير ما أقول لحد.
كنت متخيل إني هدخل شقتنا في مينيابوليس ومعايا ورد لمراتي، ودبدوب صغير لابني اللي لسه ما شلتوش بين إيديا.
وطول الرحلة وأنا راجع، كنت بتخيل شكل كلير وهي هتشوفني واقف على باب البيت فجأة.
ابننا كان اتولد من 11 يوم بس، قبل ميعاده المتوقع بحوالي أسبوعين.
حاولت أسيب دنفر فورًا، لكن عاصفة شتوية عطلت الرحلات في المنطقة كلها.
وبعدها سلسلة من عمليات التفتيش والإجراءات الخاصة بالمشروع خلتني مضطر أفضل هناك أطول مما كنت قادر أتحمل.
كلير كانت بتطمني في مكالماتنا القصيرة، وتقول لي إنها قادرة تتصرف.
وأمي كانت وعدتني إنها هتفضل قريبة منها لحد ما أرجع.
قالتلي أمي وقتها
بطل قلق بقى. كلير مش هتحتاج تعمل أي حاجة بإيديها. أنا ومالوري هنهتم بكل حاجة.
مالوري كانت أختي الصغيرة.
عندها 28 سنة، وكانت بتعرف تبقى لطيفة جدًا لما تكون عايزة حاجة.
وكان عندها موهبة غريبة في إنها تخلي أي قرار غلط تاخده، مسؤولية حد تاني.
ومع ذلك، كنت مصدق إن لا هي ولا أمي ممكن يهملوا ست لسه والدة وبتتعافى.
لكن الاعتقاد ده اختفى تمامًا أول ما فتحت باب شقتنا.
أول حاجة لاحظتها كانت السقعة.
مش السقعة العادية اللي بتحس بيها في مدخل شقة في مينيابوليس في شهر فبراير.
الجو جوه الشقة كان ساقع لدرجة إن نفسي كان بيطلع قدامي كأنه سحابة خفيفة.
وكان فيه طبقة رفيعة من التلج متجمعة عند الأركان السفلية لشبابيك الصالة.
وبعدين شوفت كلير.
كانت قاعدة على الأرض جنب الكنبة، ملفوفة في بطانيتين خفاف، وابننا المولود جديد محطوط تحت البلوزة بتاعتها، لازق في صدرها عشان تدفيه بجسمها.
وشها كان لونه رايح تقريبًا.
شعرها كان منكوش حوالين كتافها، شفايفها ناشفة، وعلى هدومها بقعة غامقة من اللي كانت لابساه من الليلة اللي فاتت.
لثواني، مخي رفض يستوعب اللي عيني كانت شايفاه.
الشنطة وقعت من إيدي.
كلير؟
عينيها اتحركت ناحيتي ببطء، كأن حتى إنها ترفع راسها كانت محتاجة مجهود أكبر من الطاقة اللي فاضلة عندها.
همست بصوت ضعيف
بنيامين؟
جريت عليها ووقعت على ركبتي جنبها.
حاولت تبتسم، لكن شفايفها ارتعشت بدل الابتسامة.
قالت بصوت واطي
إنت رجعت بدري.
بصيت حواليّ وأنا مش فاهم حاجة.
إيه اللي حصل؟ ليه البيت ساقع كده؟
ردت
التدفئة بطلت.
مديت إيدي ولمست إيد ابننا الصغيرة، اللي كانت ظاهرة عند رقبتها.
جلده كان ساقع بشكل خوّفني جدًا، لكنه عمل صوت بسيط لما إبهامي لمس صوابعه.
سألتها بسرعة
فين الدفاية؟
بصتلي وسكتت لحظة، وبعدين قالت
أمك أخدتها.
اتجمدت مكاني.
أخدتها ليه؟
قالت
قالت إن مالوري محتاجاها.
بصيت ناحية المطبخ.
الرخامة كانت فاضية، ما عليهاش غير علبة بسكويت فاضية وكوباية فيها شوية مية في القاع.
سألتها
الأكل فين؟
كلير قفلت عينيها.
وقالت
مفيش أكل.
حسيت إن قلبي وقع.
طب وخدمة الوجبات؟ أنا كنت دافع تمن 6 أسابيع! ومساعدة ما بعد الولادة؟ فين هي؟
نزلت دمعة ببطء على خد كلير.
وقالت
أمك لغت الاتنين ووو
حكايات_زيزي 
كانت كل كلمة منها بتنزل عليّا كأنها ضربة في صدري.
بصيت لها وأنا مش قادر أصدق.
أمي لغت خدمة الوجبات؟ ومساعدة ما بعد الولادة؟ ليه؟
كلير فتحت عينيها بصعوبة، وقالت
قالت إن الفلوس دي ملهاش لازمة... وإنها هتتصرف فيها بطريقة أحسن.
فلوس إيه؟
سكتت.
وبعدين مدت إيدها المرتعشة ناحية الترابيزة الصغيرة جنب الكنبة.
كان فوقها ظرف بني قديم.
أخدته وفتحته.
جوا الظرف كانت كل إيصالات الحساب البنكي اللي كنت عاملُه مخصوص لكلير والبيبي، بالإضافة إلى ورقة مطبوعة من البنك.
قرأت الرقم مرة.
ومرة تانية.
42600 دولار.
المبلغ كله اختفى.
حسيت إني مش قادر أتنفس.
كلير... أمي قالتلك إيه عن الفلوس دي؟
ردت وهي بتحاول تمنع نفسها من البكاء
قالت إنها هتديرها بدلنا... وإنك هتشكرها لما ترجع.
في اللحظة دي، ابني بدأ يعيط.
صوت بكاؤه كان ضعيف جدًا.
رفعت كلير البلوزة شوية، وضمت جسمه أكتر لصدرها.
صرخت من جوايا
لا... لا، كفاية.
شلت ابني بحذر، ولفيته في الجاكيت اللي كنت لابسه، وقلت لكلير
إنتِ وهو هنروح المستشفى دلوقتي.
حاولت تقوم، لكن ركبتها خانتها ووقعت تاني.
لحقتها قبل ما تخبط في الأرض.
كانت خفيفة بشكل خوّفني.
كأن الأيام الإحدى عشر اللي فاتوا أكلت من جسمها كل قوته.
اتصلت بالإسعاف، وأنا واقف في نص الشقة ببص على التدفئة الميتة، والبطانيات الخفيفة، والمطبخ الفاضي.
وفجأة لمحت حاجة على التلاجة.
ورقة صغيرة متعلقة بمغناطيس.
قربت منها.
كان خط أمي.
متقلقيش يا كلير، أنا عارفة أنا بعمل إيه.
وتحتها رقم تليفون.
اتصلت.
المكالمة اترد عليها من أول رنة.
أيوه يا بنيامين! حمد لله على السلامة، رجعت إمتى؟
صوت أمي كان طبيعي جدًا.
هادئ.
ولا كأنها سابت مراتي وابني في شقة متلجة.
قلت
إنتِ فين؟
ضحكت وقالت
عند خالتك.
والدفاية؟
سكتت ثانيتين.
وبعدين قالت
مالوري كانت محتاجاها.
والأكل؟
يا بنيامين، متعملش مشكلة من كل حاجة.
شدّيت على التليفون.
فين ال دولار؟
المرة دي الصمت كان أطول.
سمعت صوت مالوري في الخلفية.
وبعدين أمي قالت
ممكن تعوّض الفلوس.
قفلت عيني.
لكن قبل ما أرد، سمعت مالوري بتضحك وهي بتقول
قوليله يا ماما إننا في منتجع كويس جدًا، والجو هنا دافي.
رفعت عيني ناحية كلير.
وبعدين بصيت لابني اللي كان ملفوف في هدومي.
وقلت بهدوء غريب
منتجع؟
أمي ردت بسرعة
بنيامين، متفهمش الموضوع غلط...
قاطعتها
إنتوا الاتنين فين بالضبط؟
مالوري أخدت التليفون من أمي وقالت بنبرة مستفزة
إحنا في مكان محتاجين نرتاح فيه شوية. وبعدين كلير عندها بطاطين، مش كده؟
بصيت لكلير.
كانت ساكتة.
عينها مليانة دموع.
وقتها عرفت إن الموضوع مش مجرد إهمال.
كان فيه حاجة أكبر بكتير.
وأنا ناوي أعرفها كلها.
بعد دقائق، الإسعاف وصل.
وأثناء ما المسعفين كانوا بياخدوا كلير والبيبي، موبايلها وقع على الأرض.
الشاشة نورت برسالة جديدة.
المرسل كان مالوري.
فتحت الرسالة.
وكان فيها صورة.
الصورة كانت لبطاقة بنكية.
وتحتها جملة واحدة
متقلقش... كل حاجة اتدفعت.
لكن اسم صاحب البطاقة ماكانش اسم أمي.
ولا اسم مالوري.
كان اسمي أنا الرقم اللي شفته على البطاقة خلاني أحس إن الأرض اتحركت من تحتي.
البطاقة كانت باسمي فعلًا.
لكن الأغرب إن تاريخ آخر عملية شراء كان من يومين.
يعني وأنا كنت في دنفر، وأنا فاكر إن فلوسي محمية، حد كان بيستخدم الحساب اللي فتحته مخصوص لعيلتي.
حفظت صورة الشاشة بسرعة على موبايلي، وبعدها قفلت الهاتف.
ماكانش وقت أواجههم.
كان أهم شيء عندي دلوقتي كلير والبيبي.
في المستشفى، أخدوا ابني فورًا لقسم حديثي الولادة عشان يتأكدوا من حرارته ونسبة الأكسجين.
أما كلير، فالدكتورة طلبت منها تفضل تحت الملاحظة.
وقفت برا الغرفة وأنا حاسس إني عايش أسوأ كابوس ممكن.
بعد حوالي ساعة، خرجت الدكتورة.
قالت
ابنك مستقر، لكن كان لازم يتدفى تدريجيًا ويتراقب. واللي حصل كان ممكن يبقى أخطر بكتير.
بصيت لها.
وكلير؟
تنهدت وقالت
مرهقة جدًا، وعندها علامات جفاف وإجهاد شديد. جسمها لسه بيتعافى من الولادة، وماكانش المفروض تكون في الظروف دي.
حطيت إيدي على وشي.
لأول مرة من ساعة ما دخلت البيت، سمحت لنفسي أتنفس.
لكن الراحة ماكملتش.
موبايلي رن.
رقم البنك.
رديت فورًا.
الموظف قال
سيدي، محتاجين نتأكد من بعض العمليات الأخيرة على حسابك.
قلت
أنا مش اللي عملتها.
سكت لحظة، وبعدين قال
في عملية واحدة تحديدًا محتاجة انتباهك.
إيه هي؟
قال
تم تحويل 25 ألف دولار لحساب آخر.
قلبي دق بعنف.
اسم صاحب الحساب؟
الموظف بدأ يقرأ البيانات.
وأنا كل ما كان بيقول كلمة، كنت بحس إن الصورة بتكتمل قدامي.
الحساب ماكانش باسم أمي.
ولا باسم مالوري.
كان باسم شركة.
شركة أنا عمري ما سمعت عنها.
قلت
مين اللي وقّع على التحويل؟
قال الموظف
الطلب اتعمل إلكترونيًا باستخدام بيانات الدخول الخاصة بحسابك.
سكت.
لأن في اللحظة دي افتكرت حاجة.
من حوالي شهر، أمي طلبت مني كلمة مرور الحساب.
قالت إنها محتاجاها عشان تتابع مصاريف كلير والبيبي وأنا بعيد.
وأنا، بكل ثقة، اديتها لها.
قفلت المكالمة.
وبصيت على باب غرفة كلير.
كنت فاكر إن أكبر خيانة حصلت هي إن أمي سابتهم من غير تدفئة.
لكن وأنا واقف هناك، بدأت أفهم إن ال دولار ماكانوش مجرد فلوس اتسرقت.
كان فيه حد بيخطط لحاجة من ورايا.
وفجأة وصلتني رسالة من مالوري.
فتحتها.
كانت رسالة قصيرة جدًا
بنيامين، قبل ما تعمل أي حاجة... اسمعني الأول. الموضوع مش زي ما إنت فاكر.
وتحتها مباشرة وصلت رسالة تانية.
لكن المرة دي من أمي.
ابعد عن حساباتك القديمة، ومتفتحش أي مستندات تخص التحويلات.
بصيت للشاشتين.
وسألت نفسي
ليه أمي خايفة إني أفتح المستندات؟رجعت بصيت للرسالتين تاني.
رسالة أمي كانت واضحة جدًا
ابعد عن حساباتك القديمة، ومتفتحش أي مستندات تخص التحويلات.
وده بالذات هو اللي خلاني أقرر أفتحها.
فتحت تطبيق البنك، ودخلت على كشف الحساب.
بدأت أراجع العمليات واحدة واحدة.
10 آلاف دولار...
8 آلاف...
7 آلاف...
عمليات صغيرة ومتفرقة، كلها اتعملت خلال الأسابيع اللي فاتت.
لكن في حاجة غريبة شدت انتباهي.
معظم المبالغ ما راحتش على مصاريف البيت.
ولا على علاج كلير.
ولا على احتياجات الطفل.
كلها كانت بتروح لنفس الشركة.
شركة اسمها
North Star Family

تم نسخ الرابط