مراتي سابتني
المحتويات
سألتها
إيه؟
قالت سارة
ما تحاوليش تعوضينا بالفلوس.
منى هزت راسها.
موافقة.
وما تحاوليش ترجعي تاخدي مكان بابا.
بصت ناحيتي.
وقالت
مستحيل.
سارة ابتسمت.
يبقى عندنا بداية.
منى بكت.
وأنا لأول مرة من سنين طويلة
ماحسيتش بالغضب.
حسيت إن اللي فات مستحيل يتصلح.
لكن المستقبل
لسه ممكن يتكتب.
وفي اللحظة دي، رن موبايلي.
كانت بنتي التانية.
قالت
بابا، إنت فين؟
قلت
في القاعة.
قالت
إحنا كلنا مستنيينك في البيت.
سألت
ليه؟
ضحكت وقالت
عشان عندنا مفاجأة.
بصيت لمنى.
ثم لسارة.
ومشينا كلنا ناحية الباب.
لكن قبل ما أخرج
رجعت وبصيت للصندوق.
لأول مرة فهمت ليه سارة اختارت الصندوق بدل ما تواجه أمها بالكلام.
هي ماكانتش بتحاكمها.
هي كانت بتوريها
الخمس عشرة سنة اللي ضاعت منها.
والأهم
كانت بتديها فرصة تشوف بعينيها إن الحب اللي كانت فاكرة إنه محتاج فلوس
كان موجود طول الوقت.
في بيت صغير.
مع ست بنات.
وأب
ماسبهمش يوم واحد وصلنا البيت، لكن المفاجأة اللي كانت مستنيانا هناك كانت أكبر بكتير من أي حاجة حصلت في الفرح.
أول ما فتحت الباب، سمعت صوت البنات الستة مع بعض
مفاجأة!
وقفت مكاني.
البيت كان متزين بصور قديمة لينا.
صور من أيام المدرسة.
صور من أعياد الميلاد.
وصورة كبيرة جدًا ليا وأنا شايل ملك وهي رضيعة.
لكن الغريب
إن في نص الحيطة كان فيه مكان فاضي.
سارة قربت مني وقالت
المكان ده ليها.
بصيت لها.
لمين؟
أشارت لمنى.
منى وقفت مكانها مش قادرة تتكلم.
سارة قالت
إحنا مش هنمسح ال سنة اللي فاتوا.
بس مش لازم نخليهم يمنعونا من ال سنة الجايين.
واحدة من أخواتها قربت من منى.
وقالت
ماما أنا مش عارفة إذا كنت أقدر أنسى كل حاجة.
منى هزت راسها.
ولا أنا عايزاكي تنسي.
بس لو تسمحيلي عايزة أعرفك من جديد.
الكلمة دي كانت أول مرة أسمعها منها.
أعرفك من جديد.
مش أرجع مكانك.
ومش سامحيني وخلاص.
لكن كانت عارفة إن الثقة مش هترجع في يوم وليلة.
قعدنا كلنا على السفرة.
ست بنات.
أنا.
ومنى.
لأول مرة بعد 15 سنة.
في البداية كان الصمت تقيل.
لحد ما ملك، أصغر البنات، ضحكت وقالت
ماما، إنتي تعرفي إن بابا كان بيحاول يعمل لنا ضفاير؟
منى بصتلي باستغراب
بجد؟
رديت
كنت بحاول!
ضحكت البنات.
واحدة قالت
كان بيعملها زي شبكة الصيد.
ضحكنا كلنا.
حتى منى ضحكت.
ولثواني
حسيت إن الزمن رجع.
لكن بعد العشا، وأنا داخل أوضتي، لقيت ظرف على السرير.
كان من سارة.
فتحته.
جواه صورة لينا كلنا.
وتحتها مكتوب
بابا
أنا عارفة إنك أكتر واحد اتوجع.
وعارفة إن وجود ماما تاني ممكن يخوفك.
بس عايزاك تعرف حاجة.
إحنا مش بنختارها بدل منك.
إحنا اخترنا نسامحها من غير ما ننسى فضلك.
إنت مش الشخص اللي اتساب.
إنت الشخص اللي فضِل.
فضلت ماسك الورقة وقت طويل.
وبعدين خرجت للصالة.
لقيت منى قاعدة لوحدها.
بصتلي وقالت
البنات ناموا؟
آه.
سكتنا.
وبعدين قالت
أنا مش هطلب منك تسامحني النهارده.
بصيت لها.
ولا بكرة.
أنا بس هفضل موجودة ولو سمحتلي، هحاول أكون أم ليهم من غير ما أفرض نفسي.
قلت لها
هما مش محتاجين حد يعوضهم.
هزت راسها.
عارفة.
وبعدين ابتسمت وقالت
وأنا كمان محتاجة أتعلم أكون أم من الأول.
وقبل ما أمشي، سألتني
إنت عمرك اتجوزت بعدي؟
وقفت.
السؤال كان بسيط
لكن إجابته كانت تقيلة.
لأ.
استغربت.
ليه؟
ابتسمت وقلت
كان عندي ست بنات.
ضحكت بحزن.
يعني ماكانش عندك وقت؟
قلت
لا.
كان عندي كل الوقت بس ماكانش عندي قلب أبدأ حياة تانية والبنات لسه محتاجيني.
منّى سكتت.
وعينيها اتمَلوا دموع.
قالت
أنا خسرت حاجات كتير.
رديت بهدوء
كل واحد فينا دفع تمن اختياراته.
وبعدين سيبتها ودخلت أوضتي.
لكن تاني يوم الصبح
لقيت حاجة غريبة جدًا.
منى كانت في المطبخ.
لابسة مريلة.
وقدامها ستة أطباق فطار.
والبنات واقفين حواليها بيضحكوا.
قالتلي
صباح الخير.
بصيت للمشهد.
واحدة من البنات قالت
بابا، ماما بتحاول تعمل الفطير.
ضحكت.
بتحاول؟
ردت منى
إنت عندك اعتراض؟
قلت
لا والله.
وقعدت على السفرة.
لكن قبل ما آكل، سارة دخلت وهي ماسكة ظرف جديد.
وقالت
بابا
بصيت لها.
قالت
في حاجة لازم تعرفها.
إيه؟
حطت الظرف قدامي.
ده وصل امبارح.
فتحته.
وكان جواه جواب من رجل كبير في السن
اسمُه حسام.
رفعت عيني لمنى.
لكنها قالت بسرعة
افتحه.
فتحت الجواب.
وكان مكتوب فيه
أنا عارف إن الوقت فات جدًا، لكن فيه حاجة لازم تعرفها عن ال سنة اللي فاتوا
وقفت عند السطر ده.
وبصيت لمنى.
ولأول مرة من يوم رجوعها
شوفت الخوف الحقيقي في عينيها.
لأن واضح جدًا
إن فيه سر تاني.
سر هي كانت مخبياه عن بناتها
وعني فتحت الجواب بإيد بتترعش، وبدأت أقرأ
أنا عارف إن الكلام ده كان لازم يتقال من زمان، لكن الحقيقة إن منى ما كانتش بتبعد عن بناتها لأنها ما بتحبهمش
وقفت.
بصيت لمنى.
قالت
اقرأ للآخر.
كملت
بعد الانفصال بفترة، منى اكتشفت إن زوجها الجديد كان رافض تمامًا إنها تدخل في تفاصيل حياتها القديمة. مش لأنها كانت بتعمل حاجة غلط، لكن لأنه كان شايف إن الماضي لازم يفضل ماضي.
منى وافقت وقتها، لأنها كانت ضعيفة وخايفة تخسر حياتها الجديدة.
لكن بعد سنوات، بدأت تفهم إنها خسرت حاجة أهم من أي مستوى اجتماعي.
بناتها.
حاولت ترجع لهم أكتر من مرة، لكن كل مرة كانت بتتراجع في آخر لحظة.
وفي يوم من الأيام، حصل موقف غيّر كل شيء
وقفت عن القراءة.
قلت
إيه الموقف؟
منى قالت
كمّل.
رجعت للجواب.
في اليوم ده، واحدة من بناتها كانت في المستشفى بسبب أزمة صحية مفاجئة.
منى عرفت بالصدفة.
وسافرت فورًا.
لكنها لما وصلت، وقفت بعيد عن المستشفى، لأنها كانت عارفة إن دخولها ممكن يعمل مشكلة.
فضلت هناك ساعات.
ولما عرفت إن البنت بخير، رجعت من غير ما حد يشوفها.
من اليوم ده، قررت إنها ما تفرضش نفسها عليهم.
لكنها بدأت تساعدهم من بعيد.
رفعت عيني.
مين اللي كتب الجواب ده؟
منى قالت
حسام.
اتصدمت.
حسام؟!
هزت راسها.
الراجل اللي اتجوزني بعد انفصالي عنك.
سألتها
وليه كتب الكلام ده؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
لأنه كان هو نفسه اللي طلب مني في البداية أبعد عن الماضي وبعد سنين فهم إن طلبه كان غلط.
رجعت للجواب.
وفي آخره كان مكتوب
أنا مش بكتب الكلام ده عشان أبرر لمنى.
أنا بكتبه لأن الإنسان أحيانًا بياخد قرار يفتكره صح، وبعد سنين يكتشف إنه خسر بسببه ناس عمره كله.
منى أخطأت لما اختارت البعد.
وأنت أخطأت لما أقنعت نفسك إنها لم تعد تهتم.
والبنات أخطأن لو صدقن أن أحدًا يستطيع أن يمحو أمهن من قلوبهن.
الحقيقة أنكم جميعًا كنتم تنتظرون شخصًا يبدأ الخطوة الأولى.
والسنين مرت.
قفلت الجواب.
ماحدش اتكلم.
وبعد لحظات، قالت منى
أنا مش عايزة منك تسامحني.
ولا عايزة البنات ينسوا اللي حصل.
أنا بس عايزة أصلح الجزء اللي أقدر أصلحه.
بصيت لها طويلًا.
وبعدين قلت
طب وإيه اللي حصل لحسام؟
نزلت عينيها.
توفى من سنتين.
سكت.
قالت
وقبل ما يموت، قال لي لو في يوم قدرتي ترجعي لبناتك، ما تتأخريش.
ساعتها فهمت ليه كانت جاية الفرح.
مش عشان الناس تقول إنها أم العروسة.
ومش عشان تثبت إنها لسه موجودة.
لكن لأنها أخيرًا قررت تواجه ال سنة اللي هربت منهم.
بعد أسبوع
جاءت منى تزورنا.
المرة دي من غير فستان غالي.
ولا شنطة فخمة.
ولا كلام كبير.
جابت كيس صغير فيه حاجات بسيطة.
قعدت مع البنات في الصالة.
وفي البداية كانوا متوترين.
لكن بعد شوية
بدأت الأسئلة.
ماما، بتحبي إيه؟
بتخافي من إيه؟
ليه ماكنتيش بتيجي؟
كنتي بتفكرينا؟
منى كانت بتجاوب على كل سؤال بصراحة.
ولما واحدة منهم سألتها
ندمانة؟
منى بصت لها وقالت
كل يوم.
لكن سارة تدخلت وقالت
خلاص.
بصتلها.
قالت
الندم مش هيرجع السنين.
منى هزت راسها.
عارفة.
سارة ابتسمت
يبقى نعيش اللي جاي.
ومن يومها بدأت صفحة جديدة.
مش صفحة تمسح الماضي
لكن صفحة ما تخليش الماضي يتحكم في المستقبل.
وبعد شهور، في عيد ميلاد ملك، حصل شيء ماكنتش أتوقعه.
ملك دخلت علينا وهي شايلة ألبوم صور.
فتحته.
ولقيت في أول صفحة صورة قديمة جدًا
أنا ومنى والبنات الستة.
كانت الصورة من قبل ما كل شيء يتغير.
ملك قالت
إيه رأيكم نحط الصورة دي في الصالة؟
بصيت لمنى.
وبصيت للبنات.
سارة قالت
حطيها.
ملك علقتها على الحيطة.
وقفت قدامها لحظات.
15 سنة من حياتنا كانت مليانة وجع.
لكن الصورة كانت بتفكرني بحاجة أهم
إن بعض العائلات ما بترجعش زي الأول
لكن ممكن تتعلم تكون أفضل.
وبينما كنا واقفين قدام الصورة، سارة قربت مني وقالت
بابا؟
نعم؟
ابتسمت وقالت
فاكر الصندوق؟
ضحكت.
أنساه إزاي؟
قالت
أنا لسه محتفظة بحاجة تانية جواه.
بصيت لها باستغراب.
إيه؟
ضحكت وقالت
سر.
وقتها كل البنات ضحكوا.
أما أنا
فبصيت للصورة القديمة وقلت
خلاص، أنا اتعلمت.
كل مرة تقولوا لي سر بيطلع وراها مصيبة!
ضحكوا.
لكن سارة قربت مني وهمست
المرة دي مش مصيبة يا بابا.
دي أحلى حاجة حصلت لنا.
وبصيت ناحية منى
لقيتها بتبص لنا وهي بتعيط من الفرحة.
وساعتها فهمت إن الصندوق الحقيقي ماكانش مليان صور ولا جوابات.
الصندوق الحقيقي كان 15 سنة من المشاعر اللي محدش عرف يقولها.
وأحيانًا
أصعب حاجة مش إن الناس تبعد عن بعض.
أصعب حاجة إنهم يفضلوا قريبين من بعض في القلب
ومايعرفوش يرجعوا لبعض أقدر أكمل بنفس الخط، ونخلي المفاجأة الجديدة مرتبطة بماضي منى
تاني يوم، وأنا قاعد على السفرة بشرب الشاي، لقيت سارة داخلة ومعاها نفس الصندوق الخشب.
قالت
بابا لازم نفتح آخر درج.
بصيت لها باستغراب.
آخر درج؟ إنتِ ما قولتيش إن فيه درج تاني.
ابتسمت وقالت
عشان كان لازم نستنى ماما ترجع الأول.
منى كانت واقفة عند باب المطبخ.
أول ما سمعت كلام سارة، وشها اتغير.
قالت بصوت واطي
سارة مش دلوقتي.
سارة ردت
لأ يا ماما. دلوقتي بالذات.
فتحت الدرج.
طلع منه ظرف أبيض قديم، عليه اسمي.
إيدي وقفت في الهوا.
ده إيه؟
منى قربت خطوة وقالت
جوابات.
جوابات مين؟
سكتت.
سارة قالت
ماما كانت بتكتبهم لنا.
فتحت أول جواب.
كان مكتوب عليه
لسارة في أول يوم مدرسة.
فتحته.
لقيت كلام منى لبنتها وهي طفلة.
كانت بتتكلم عن أول يوم مدرسة، وعن إنها كانت تتمنى تمسك إيدها وهي داخلة الفصل.
فتحت التاني.
لبنتي الثانية يوم نجاحك.
والتالت
والرابع
كان لكل بنت جواب.
واحد لكل مناسبة مهمة فاتتها.
عيد ميلاد.
نجاح.
تخرج.
أول يوم جامعة.
حتى جواب لملك، مكتوب وهي صغيرة جدًا، وكانت منى كاتبة فيه
يمكن لما تكبري تقري الكلام
متابعة القراءة