مراتي سابتني
المحتويات
ده وتعرفي إن غيابي ماكانش معناه إني نسيتك.
سكتنا كلنا.
ملك بدأت تعيط.
وقالت
طب ليه ما بعتهمش؟
منى ردت
لأني كنت خايفة.
خايفة من إيه؟
قالت
خايفة تفتحي الجواب وتكرهي اللي كتبته.
ملك مسحت دموعها.
وأنا كنت ممكن أكرهك أكتر عشان ما كتبتيش أصلًا.
منى نزلت رأسها.
عارفة.
سارة أخذت آخر ظرف.
قالت
وده مش مكتوب عليه اسم حد.
فتحته.
كان فيه ورقة واحدة.
لكن الورقة دي كانت مختلفة.
كان فيها اسم البيت القديم اللي كنا ساكنين فيه.
وتحت الاسم
رقم حساب بنكي.
بصيت لمنى.
إيه ده؟
قالت
ده جزء من الفلوس اللي كنت بحوشها لكم.
إنتِ كنتي بتحوشي لنا؟
هزت رأسها.
بعد ما سبتكم بسنة، بدأت أحط مبلغ كل شهر.
سألتها
وليه؟
قالت
عشان لو في يوم احتجتوا حاجة، يكون ليكم حاجة باسمي أديها لكم.
سارة بصت لها
طب ليه ما قولتيش؟
ابتسمت منى بحزن.
عشان كنت عارفة إن الفلوس مش هتعوض غيابي.
سكتنا.
وبعدين قالت
أنا غلطت.
غلط كبير.
بس الفلوس دي ما كانتش رشوة.
كانت الحاجة الوحيدة اللي قدرت أعملها من بعيد.
أنا بصيت للورقة طويلًا.
وبعدين قطعتها نصفين.
كل البنات بصوا لي.
قلت
مش محتاجين فلوسك.
منى نزلت عينيها.
فكملت
بس لو عايزة تعوضيهم
رفعت عينيها لي.
قلت
عوضيهم بوقتك.
سارة ابتسمت.
ملك قربت من أمها.
ولأول مرة
ملك هي اللي مدت إيدها.
منى مسكتها.
وكانت إيدها بتترعش.
ومن اليوم ده، الموضوع اتغير.
منى ما بقتش ضيفة في بيتنا.
بقت تيجي كل أسبوع.
تقعد مع البنات.
تسمع مشاكلهم.
تساعدهم.
تتعلم تفاصيل حياتهم.
وبعد كام شهر، حصلت حاجة غريبة.
سارة قالت لنا
عندي خبر.
قلت
خير؟
ابتسمت.
أنا وماما فتحنا مشروع صغير سوا.
بصيت لمنى.
ضحكت وقالت
هي اللي اقترحت.
سارة قالت
وماما لأول مرة بتعمل حاجة معايا.
قلت
وإيه المشروع؟
قالت
مش مهم.
استغربت.
يعني إيه مش مهم؟
ضحكت.
المهم إننا بنعمل حاجة سوا.
ساعتها فهمت.
منى ما كانتش بتحاول تشتري مكانها في حياتنا.
كانت بتحاول تبني مكان جديد
بإيديها.
ومع الوقت، البيت اللي كان ناقصه صوت أم من 15 سنة
بقى فيه صوتها.
مش بنفس شكل زمان.
ولا بنفس البراءة.
لكن بشكل جديد.
أهدى.
وأصدق.
وفي ليلة، وأنا قاعد لوحدي في البلكونة، لقيت منى قاعدة جنبي.
قالت
ممكن أسألك سؤال؟
اسألي.
قالت
لو رجع بيك الزمن
وسكتت.
قلت
هتسأليني لو كنت هتمنعك من الرحيل؟
هزت رأسها.
قلت
لأ.
استغربت.
فبصيت لها وقلت
كنت هقولك روحي.
دموعها نزلت.
قلت
لأن اللي حصل حصل.
بس لو رجع الزمن، كنت هقولك حاجة واحدة قبل ما تمشي.
إيه؟
قلت
ماتسيبيش بناتك عشان أي حياة في الدنيا لأن البيت اللي فيه ست بنات مستنيين أمهم أغلى من أي قصر.
منى غطت وشها بإيديها.
وأنا لأول مرة
ماحسيتش بغضب.
حسيت براحة.
لأن الماضي أخيرًا
بطل يكون حكم علينا.
وبقى مجرد درس.
أما المستقبل؟
فكان لسه قدامنا.
ست بنات.
وأم رجعت متأخرة.
وأب تعب سنين.
لكن لأول مرة
كنا كلنا ماشيين في نفس الاتجاه وفي اليوم اللي بعده، حصلت حاجة ماكنتش في الحسبان.
كنت راجع من الشغل، لقيت ملك واقفة عند الباب مستنياني.
قالت
بابا، ماما عايزة تتكلم معاك لوحدك.
دخلت الصالة.
لقيت منى قاعدة، وفي إيدها ظرف صغير.
بصتلي وقالت
أنا كنت فاكرة إني رجعت عشان أصلح علاقتي ببناتي بس.
وبعدين؟
اكتشفت إن فيه حاجة تانية لازم أصلحها.
حطت الظرف قدامي.
فتحته.
لقيت عقد ملكية.
بصيت لها باستغراب.
ده إيه؟
قالت
البيت القديم.
اتجمدت مكاني.
بيتنا؟
هزت رأسها.
أيوه.
بس البيت اتباع من سنين!
قالت
لأ.
سكتت شوية وبعدين قالت
أنا يوم الانفصال ماخدتش البيت.
سيبته باسمك.
وبعد ما سافرت، اكتشفت إن الإجراءات ماكملتش، والبيت فضل مسجل باسمي.
بصيت للعقد.
كل الذكريات رجعت مرة واحدة.
أول يوم جواز.
أول ضحكة للبنات.
أول مدرسة.
أول عيد.
كل حاجة.
قلت
وإنتِ كنتي عارفة؟
قالت
من سنين.
طب ليه ما قولتيش؟
دموعها نزلت.
لأني كنت خايفة أرجع وأقولكم إن عندي بيت، وأنتم تقولوا جايّة عشان البيت.
سكت.
لأول مرة حسيت إن كل اللي حصل كان أعقد مما كنت فاكر.
قالت
البيت ده مش بتاعي.
ده حق البنات.
سارة دخلت فجأة.
كانت سمعت آخر جملة.
قالت
لا.
بصينا لها.
قالت
البيت مش أهم من إننا بقينا مع بعض.
ابتسمت منى.
عشان كده أنا مش عايزة آخد قرار لوحدي.
قعدنا كلنا حوالين الترابيزة.
واتفقنا نروح نشوف البيت.
بعد 15 سنة
فتحنا الباب.
الغبار كان مالي المكان.
لكن أول ما دخلت، حسيت إن الزمن رجع.
ملك مشت ناحية أوضة الأطفال.
وقفت في النص وقالت
هنا كنت بنام؟
قلت
أيوه.
ضحكت.
أنا مش فاكرة حاجة.
منى وقفت جنبها.
قالت
أنا فاكرة.
ملك بصت لها.
فاكرة إيه؟
قالت
كنتي بتحبي تنامي وإنتِ ماسكة طرف البطانية بإيدك.
ملك ضحكت.
عرفتي منين؟
منى ابتسمت
لأني كنت موجودة وقتها.
سكتت ملك.
وبعدين قربت منها.
وقالت
احكيلي.
قعدوا على الأرض.
ومنى بدأت تحكيلها عن طفولتها.
وأنا واقف بعيد
بسمع لأول مرة أم بتحكي لبنتها عن طفولتها.
وفي اللحظة دي، فهمت إن البيت اللي افتكرناه مجرد حيطان
كان في الحقيقة آخر قطعة ناقصة من حكايتنا.
لكن قبل ما نخرج، لقيت ظرف صغير مثبت خلف درج قديم.
كان عليه تاريخ
من 15 سنة.
فتحته.
وقريت أول سطر.
إلى بناتي الستة لو أنتم بتقروا الرسالة دي، يبقى أنا أخيرًا رجعت.
رفعت عيني ناحية منى.
لقيتها بتبصلي.
وسألتها
إنتِ كتبتي دي إمتى؟
قالت
يوم ما سبت البيت.
بس ليه مخبيّاها هنا؟
ابتسمت وسط دموعها وقالت
عشان كنت عارفة إني مهما بعدت
هارجع يومًا ما لكن بعد شهرين تقريبًا، حصل موقف خلاني أكتشف إن رجوع منى لحياتنا كان أكبر من مجرد لمّة عيلة.
كنت راجع البيت، لقيت سارة واقفة في الصالة، ووشها عليه ابتسامة غريبة.
قلت
في إيه؟
قالت
ماما عملت حاجة من غير ما تقول لنا.
بصيت ناحية منى.
كانت قاعدة ساكتة.
قلت
عملتي إيه؟
قالت
مفيش حاجة.
سارة ضحكت
لأ، في.
ومدتلي ظرف.
فتحته.
لقيت أوراق رسمية.
بصيت فيها، وبعد ثواني فهمت.
منى كانت نقلت ملكية البيت القديم للبنات الستة بالتساوي.
رفعت عيني لها.
إنتِ عملتي ده ليه؟
قالت
عشان ده كان أول بيت جمعنا.
وأنا مش عايزة البيت يبقى سبب خلاف بينكم يومًا ما.
قلت
بس ده حقك.
ردت بهدوء
أنا أخدت حقي من الحياة أكتر مما أستحق.
سكت.
سارة قربت منها وقالت
ماما، إنتِ مش لازم تفضلي تعاقبي نفسك.
منى بصتلها.
أنا مش بعاقب نفسي.
أنا بس بحاول أسيب لكم حاجة حلوة.
ملك قالت
أحلى حاجة عملتيها إنك رجعتي.
منى ماقدرتش تمسك دموعها.
وفي اللحظة دي، رن تلفوني.
رقم غريب.
رديت.
صوت راجل كبير قال
حضرتك والد سارة؟
أيوه.
أنا كنت أعرف والدتها من زمان، وعندي حاجة لازم أوصلهالكم.
قلبي دق بسرعة.
قلت
حاجة إيه؟
قال
مستندات قديمة.
بصيت لمنى.
وشها اتغير.
سألته
مستندات تخص إيه؟
قال
تخص الأيام اللي حصل فيها الانفصال.
قفلت المكالمة.
البيت كله سكت.
قلت لمنى
إنتِ تعرفي الراجل ده؟
هزت رأسها.
أيوه.
وإيه المستندات؟
سكتت.
وبعدين قالت
حاجة كنت مخبياها عنكم مش عشان أخدعكم.
عشان كنت خايفة لو عرفتوها، تفتكروا إني برر لنفسي.
سارة قربت منها
ماما، قولي.
منى أخدت نفس طويل.
وقالت
يوم ما سبت البيت
ماكنتش ناوية أختفي 15 سنة.
اتصدمت.
يعني إيه؟
قالت
كنت فاكرة إني هبعد فترة قصيرة أرتب حياتي وبعدها أرجع.
لكن أول قرار أخدته بعدها هو اللي غيّر كل حاجة.
سألتها
إيه القرار؟
بصت للبنات الستة.
وقالت
إني ما أرجعش غير لما أكون قادرة أرجع لهم وأنا إنسانة مختلفة.
سارة ردت
ونجحتي؟
منى ابتسمت بحزن.
لأ.
بس اتعلمت.
قربت منها سارة
وأنا واقف أتفرج عليهم.
لأول مرة من 15 سنة
ماكانش عندي سؤال عايز إجابة.
لأن الإجابة كانت قدامي.
ست بنات رجع لهم أمهم.
وأب أخيرًا قدر يحط حمل السنين على الأرض.
وماضي كان مؤلم
لكن ماعادش أقوى من مستقبلنا دخلنا البيت تاني يوم، لكن المرة دي ماكانش مجرد بيت قديم بالنسبة لنا.
بقى مكان فيه حاجة ناقصة من 15 سنة وبدأت ترجع.
بعد أسبوع، اتفاجأت بمنى بتقول
أنا عايزة أعمل حاجة للبنات.
سألتها
إيه؟
قالت
كل واحدة تختار أوضة في البيت القديم، ونجهزها على ذوقها.
ضحكت.
هو إحنا هنرجع نعيش هنا؟
قالت
مش لازم كلنا.
وسكتت لحظة.
بس نفسي يكون ليهم مكان يرجعوا له ويحسوا إنه بيتهم.
البنات اتحمسوا جدًا.
وكل واحدة بدأت تختار.
سارة اختارت أوضة كانت زمان فيها مكتبة صغيرة.
ملك اختارت أوضة جنب الشباك.
أما أصغر بنت، فقالت
أنا عايزة الأوضة اللي ماما كانت بتنام فيها.
منى اتفاجئت.
ليه؟
ردت
عشان أعرف كنتي بتفكري في إيه وإنتِ بعيدة.
منى ماعرفتش ترد.
لكنها ابتسمت.
ومع مرور الأيام، البيت بدأ يتغير.
دهان جديد.
ستائر جديدة.
صور البنات على الحيطان.
وصورة كبيرة لينا كلنا في نص الصالة.
وفي يوم، وأنا برتب صندوق قديم، لقيت دفتر صغير.
فتحته.
كان فيه حسابات بخط منى.
كل شهر.
كل سنة.
وأمام كل اسم من أسماء البنات مبلغ صغير.
فهمت إنها كانت فعلًا بتحوش لهم طوال السنين.
لكن في آخر الصفحة لقيت جملة
لو رجعت لهم يومًا، مش هقول لهم على الفلوس دي إلا لو احتاجوها.
قفلت الدفتر.
ودخلت عليها.
قلت
ليه عملتي كده؟
قالت
عشان كنت عايزة أسيب لهم حاجة مني من غير ما أفرض نفسي عليهم.
قلت
كان ممكن تعملي أكتر.
قالت
عارفة.
وسكتنا.
بعدها بأيام، حصلت المفاجأة الأكبر.
سارة جابت لنا ورقة وقالت
أنا قررت حاجة.
قلنا
إيه؟
قالت
البيت ده مش هيتباع.
بصيت لها.
مين قال إنه هيتباع؟
قالت
محدش.
بس أنا شايفة إننا لازم نخليه مكان للعيلة.
ملك قالت
كل أسبوع نتجمع هنا.
أختها قالت
وفي الأعياد.
والصغيرة قالت
وأي حد يتجوز فينا يرجع هنا.
ضحكنا.
بصيت لمنى.
كانت بتبكي.
قلت لها
إنتِ ليه بتعيطي؟
قالت
عشان أول مرة أحس إن البيت ده رجع له روح.
قربت منها.
وقلت
البيت عمره ما كان فاضي.
كان مستني بس.
بصتلي.
مستني إيه؟
ابتسمت.
مستني إننا نعرف نسامح بعض.
في اللحظة دي، سارة قالت
بابا وماما
بصينا لها.
قالت
إحنا مش عايزينكم تفضلوا عايشين في الماضي.
إحنا عايزينكم تعيشوا.
بصيت لمنى.
وفهمت إن الرسالة ماكانتّش للبنات بس.
كانت لينا إحنا كمان.
ومن يومها، بدأنا نكتب فصل جديد.
مش فصل عن أم تركت بناتها.
ولا عن أب ضحى بعمره.
لكن عن عيلة اتفرقت 15 سنة
ورجعت تاني، مش عشان الزمن رجع
لكن عشان أخيرًا عرفوا إن الفرصة التانية مش بتمسح الغلط لكنها أحيانًا بتنقذ العمر اللي لسه باقي اللي حصل بعد كده كان
متابعة القراءة