الواد الصغير
دلوقتي...
العنوان ماكانش مكتوب باسم الشارع.
كان مكتوب باسم البيت نفسه.
واسم البيت كان
بيت الطفلين.
لأول مرة...
بدأت أفتكر.
وأنا سايق، ظهرت قدامي صورة مشوشة
طفل صغير بيضحك.
أنا واقف جنبه.
والعربية اللعبة الحمرا بين إيدينا.
ثم صوت ست بتصرخ
خدوه هو... وسيبوا آسر!
ضغطت على الفرامل.
العربية وقفت في نص الشارع.
نفسي انقطع.
لأن الذكرى دي معناها حاجة واحدة
الطفل التاني ما اختفاش.
أنا اللي اتاخدت بعيد عنه.
والحد اللي أخفاه كل السنين دي...
كان لسه عايش وقفت العربية ثواني، وأنا بحاول أجمع الذكرى اللي ضربت دماغي فجأة.
الطفل التاني.
كنت ماسك إيده.
فاكر صوته...
لكن اسمه كان لسه غايب.
ياسين سألني
إحنا هنروح لماما؟
بصيتله في المراية.
أيوه.
دورت العربية وانطلقت.
طول الطريق، كنت ساكت، لكن دماغي كانت بتشتغل بأقصى سرعة.
مين خطف أمه؟
مين عرف اسمي القديم؟
ومين عنده صور من الليلة اللي محدش المفروض يعرف عنها حاجة؟
وأهم سؤال...
ليه ياسين بالذات؟
وصلنا للعنوان بعد حوالي نص ساعة.
كان البيت موجود في شارع جانبي مهجور، ورا سور حجري قديم.
أول ما شفته، جسمي كله شد.
نفس البوابة.
نفس الشباك المكسور في الدور الأرضي.
حتى شجرة التوت اللي كانت جنب السور...
لسه موجودة.
نزلت من العربية.
ياسين نزل ورايا، لكنه وقف فجأة.
آسر...
لفيت له.
إيه؟
أشار للباب.
ماما قالتلي لو وصلت هنا، ما أخليش حد يشوفني.
وقبل ما أسأله ليه، سمعنا صوت حركة من جوه البيت.
خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
مسكت إيد ياسين وضمّيته ناحيتي.
الباب اتفتح ببطء.
ظهر راجل كبير في السن.
شعره أبيض، ووشه مليان تجاعيد.
بصلي ثواني طويلة.
وبعدين قال
اتأخرت يا آسر.
اتجمدت.
إنت مين؟
ابتسم ابتسامة غريبة.
أنا الشخص الوحيد اللي فاكر اللي حصل هنا.
رفعت إيدي بحذر.
فين أم ياسين؟
الراجل ما ردش.
بص للطفل.
وسأل
هو عرف؟
قلت بغضب
سألتك عن أمه.
قال بهدوء
أمه عارفة إنك هتيجي.
فين هي؟
دخل الراجل جوه البيت، وأشار لنا نتبعه.
كنت عارف إن دي ممكن تكون أسوأ فكرة في حياتي.
لكن ماكانش عندي اختيار.
دخلت.
ريحة التراب والرطوبة ضربت وشي.
المكان كان شبه ما هو.
نفس السلم.
نفس الحيطة.
نفس الغرفة اللي كنت فاكر إني عمري ما هدخلها تاني.
وفجأة...
ياسين شد إيدي.
بص.
بصيت ناحية الحيطة.
كان فيه رسمة قديمة لطفلين.
طفل ماسك عربية حمرا.
والطفل التاني واقف جنبه.
وتحت الرسمة...
اسمين محفورين.
الأول
آسر.
والتاني...
كنت لسه بقرب عشان أشوفه.
لكن الراجل العجوز سبقني، وحط إيده فوق الاسم.
قلت
شيل إيدك.
رفض.
قربت منه.
فقال
قبل ما تعرف اسمه، لازم تعرف الحقيقة.
أنهي حقيقة؟
بص في عيني وقال
الليلة دي ماكانتش حادثة.
سكت.
كانت جريمة.
قلبي دق بعنف.
مين عملها؟
الراجل بص ناحية السلم.
وقال
الشخص اللي وثقت فيه أكتر من أي حد.
وقبل ما أقدر أتكلم...
سمعنا صوت باب بيتقفل بعنف في الدور العلوي.
الراجل اتغير لون وشه.
ياسين استخبى ورايا.
قلت
في حد فوق؟
هز راسه ببطء.
أيوه.
مين؟
بصلي وقال
الشخص اللي فضل مستنيك من يوم ما كنت طفل.
طلعت أول درجة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
كل خطوة كانت بترجعلي جزء من ذكريات مشوهة.
صوت بكاء.
صوت زجاج بيتكسر.
صوت راجل بيصرخ
خد آسر وامشي!
وفجأة...
جالي صوت من آخر الممر.
صوت امرأة.
هادئ.
لكنه مألوف بشكل مرعب.
قالت
متتعبش نفسك يا آسر...
وقفت مكاني.
الصوت كمل
أنا اللي طلبت من ياسين يوصلك.
اتسمرت.
لأن الصوت ده...
كنت سامعه قبل كده.
من سنين.
في الليلة اللي اختفى فيها الطفل التاني.
رفعت عيني ببطء ناحية آخر الممر.
والباب بدأ يتفتح.
لكن قبل ما أشوف مين وراه...
ياسين صرخ
ماما!
اندفع ناحية الباب.
وأنا جريت وراه.
وفي اللحظة اللي الباب اتفتح فيها...
شفت الست اللي كانت بتعيط في الحارة.
كانت واقفة قدامي.
لكنها ماكانتْش لوحدها.
كان جنبها رجل طويل، ماسك ملف قديم.
فتح الملف...
وطلع منه صورة.
صورة لطفلين.
أنا...
والطفل التاني.
ثم قال
قبل ما تسألني مين هو...
قلب الصورة على ضهرها.
وكان مكتوب عليها
الوريث الحقيقي.
رفعت عيني للرجل.
فابتسم وقال
دلوقتي بقى لازم تعرف مين فيكم كان المفروض يرث كل حاجة.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت تكسير زجاج من الدور الأرضي.
والراجل العجوز صرخ
اهربوا! هما وصلوا!صرخة الراجل العجوز دوّت في البيت
اهربوا! هما وصلوا!
في نفس اللحظة، صوت خطوات سريعة بدأ يطلع من السلم.
مسكت إيد ياسين وجرّيته ناحية الغرفة.
الست كانت واقفة مكانها، وشها شاحب.
قلت لها
إنتِ كنتِ عارفة إنهم هييجوا؟
قالت بسرعة
مش دلوقتي يا آسر.
لأ، دلوقتي بالذات!
بصيت للرجل اللي ماسك الملف.
مين هما؟
قبل ما يرد، باب الدور الأرضي اتفتح بعنف.
دخل صوت رجل
آسر!
اتجمدت.
الصوت كان مألوف.
مألوف بشكل خلاني مش قادر أصدق وداني.
ياسين شد إيدي.
إنت تعرفه؟
ما رديتش.
الصوت طلع تاني
عارف إنك فوق... ومش هتقدر تهرب.
الست قربت مني وقالت
لو سمعته، ماتصدقش أي كلمة يقولها.
بصيت لها.
إنتِ عارفة مين ده؟
هزت راسها.
أيوه.
مين؟
وقبل ما تجاوب...
الرجل اللي تحت بدأ يطلع السلم.
درجة.
درجة.
درجة.
والعجوز قفل باب الغرفة علينا بالمفتاح.
صرخت
إنت بتعمل إيه؟!
قال
لو دخل عليكم، كل اللي مخبيينه هيضيع.
حاولت أكسر الباب، لكن ياسين قال فجأة
استنى.
بصيتله.
كان ماسك العربية اللعبة.
قلبها على ضهرها.
وضغط على عجلة صغيرة فيها.
فجأة...
صدر منها صوت تسجيل قديم.
صوت طفل.
صوتي.
سمعته بوضوح
أنا آسر... وهو أخويا.
وقفت مكاني.
الست حطت إيدها على بوقها.
أما العجوز...
فبدأ يبكي.
التسجيل كمل
وعدني إنه مش هيسيبني.
ثم صوت طفل تاني
وأنا مش هسيبه.
ثم...
صوت ارتطام قوي.
وصراخ.
وبعدها سكون.
التسجيل انتهى.
بصيت للست.
أخويا؟
دموعها نزلت.
أيوه.
أنا كان ليا أخ؟
قالت
مش أخوك بالدم.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
لكنه كان أقرب لك من أخوك الحقيقي.
دقات قلبي زادت.
فين هو؟
ما ردتش.
في نفس اللحظة، المفتاح بدأ يتحرك في قفل الباب.
حد كان بيحاول يفتحه من برّه.
الرجل العجوز همس
وصل.
الباب اتفتح.
ظهر رجل في الخمسينات تقريبًا.
بدلة غامقة.
وش هادي.
وعينين باردة.
أول ما شافني...
ابتسم.
وقال
كبرت يا آسر.
بصيتله بحدة.
إنت مين؟
ابتسامته اختفت.
أنا الشخص اللي أنقذك من الموت.
ثم بص لياسين.
وقال
لكن واضح إنك رجعت تدور على اللي كان لازم يفضل مدفون.
تقدمت خطوة.
فين أخويا؟
الرجل سكت.
ثم قال جملة واحدة قلبت كل اللي كنت فاكره
هو مش مفقود يا آسر.
سكت لحظة.
هو كان عايش معاك طول السنين اللي فاتت...
ثم أشار ناحية صورتي القديمة على الحيطة.
...بس باسم تاني.
نظرت للست.
كانت بتبكي.
وياسين كان واقف مش فاهم.
أما أنا...
فبدأت أفتكر وجهًا واحدًا.
رجلًا دخل حياتي وأنا كبير.
رجلًا وثقت فيه.
رجلًا كنت أعتبره أخًا...
لكن عمره ما حكى لي حاجة عن طفولته.
وقبل ما أنطق اسمه...
انطفأت أنوار البيت كلها.
وفي الظلام...
سمعنا صوت باب حديدي بيتقفل من الخارج.
ثم صوت الرجل الغريب
دلوقتي بدأت الحقيقة يا آسر.
وبعدها...
سمعت صوت طفل يضحك.
نفس ضحكة الطفل اللي كانت في التسجيل.
من آخر الممر الصوت اللي جاي من آخر الممر خلّى الدم يتجمد في عروقي.
ضحكة طفل.
نفس الضحكة اللي سمعتها في التسجيل.
شدّيت ياسين ناحيتي وقلت
ماتتحركش من جنبي.
لكن الست كانت باصة ناحية الممر وكأنها شافت شبح.
همست
هو رجع...
الرجل اللي كان ماسك الملف قرب منها.
لازم نخرج حالًا.
ردت عليه
مش من غير آسر.
بصيت لهم.
حد يفهمني!
وفجأة...
نور خافت اشتغل في آخر الممر.
كان فيه باب صغير نص مفتوح.
والضحكة اختفت.
مشيت ناحيته ببطء.
الرجل الغريب صرخ
آسر! إوعى تفتح الباب!
وقفت.
ليه؟
ما ردش.
قربت أكتر.
على الباب كان فيه خدوش قديمة.
وتحتها، مكتوب بإيد طفل
آسر ؟
مديت إيدي ولمست الكتابة.
وفجأة رجعتلي لقطة من الماضي...
أنا طفل، واقف في نفس الممر.
طفل تاني ماسك العربية الحمرا.
وأنا بقول له
لو حصل أي حاجة، استخبى هنا.
الصورة اختفت من دماغي فجأة.
حطيت إيدي على رأسي.
ياسين قرب مني وقال
إنت فاكر؟
بصيت له.
إنت عرفت منين إني فاكر؟
سكت.
وبعدين قال بمنتهى البراءة
عشان ماما قالتلي إنك هتفتكر لما تشوف الباب.
اتلفت ناحية أمه.
إنتِ قلتي له إيه بالظبط؟
لكن قبل ما تجاوب...
الباب الصغير اتفتح لوحده.
وكان وراه صندوق خشب قديم.
فوقه صورة.
رفعتها.
كانت صورتي وأنا طفل...
والطفل التاني واقف جنبي.
لكن المفاجأة مش كانت في الصورة.
المفاجأة كانت في الشخص اللي واقف ورا الولدين.
شخص بالغ.
وشه واضح جدًا.
شخص أنا أعرفه.
شخص مستحيل يكون موجود في الصورة...
لأنه حسب كل اللي أعرفه، كان وقتها بعيد عن مصر.
بصيت للرجل الغريب وقلت
إنت كنت هنا.
وشه اتغير.
قلت بصوت أعلى
إنت كنت موجود ليلة الحريق.
سكت.
الست بدأت تبكي.
أما ياسين، فمد إيده للصورة وقال
ده مش بابا.
بصيت له باستغراب.
مين قالك إنه باباك؟
قال
أنا شفته قبل كده.
فين؟
رفع إيده وأشار للصورة.
ثم قال
هو الراجل اللي ماما كانت بتخاف منه.
وفجأة...
جاء صوت من أسفل البيت
لقيتهم!
الرجالة اللي دخلوا البيت بدأوا يطلعوا.
الرجل الغريب خطف الملف من إيدي.
قلت
سيبه!
شدّيته منه.
الملف وقع على الأرض واتفتح.
طلعت منه ورقة قديمة.
في أعلاها ختم رسمي.
وتحت الختم أسماء الورثة.
قريت أول اسم...
ثم الثاني...
ثم الثالث.
وفي آخر السطر كان فيه اسم مشطوب.
قربت الورقة من النور.
وقرأت الاسم كاملًا.
ياسين...
تجمدت.
بصيت للطفل.
ثم لأمه.
وقلت
ابنك اسمه موجود في ملف ورثة من أكتر من عشرين سنة؟
وشها اصفر.
والرجل الغريب قال بسرعة
الورقة دي ماكانش لازم توصل لإيدك.
رديت
يعني إيه؟
وفجأة، الرجل العجوز صرخ من أسفل السلم
آسر! متثقش في حد في البيت ده!
وفي نفس اللحظة...
انفتح باب الغرفة اللي ورا الصندوق.
وظهر منه رجل واقف في الظلام.
رفع وشه ببطء...
وقال بصوت هادي
وأخيرًا... أخويا افتكرني فضلت واقف مكاني كأني اتثبت في الأرض.
الصوت اللي قدامي كان هادي جدًا...
لكن قلبي عرفه قبل عيني.
الرجل خرج خطوة من الضلمة.
وشه كان لسه مش واضح بالكامل، لكن طريقة وقفته، نبرة صوته، وحتى حركة إيده...
كل حاجة كانت مألوفة.
قلت بصوت متقطع
إنت مين؟
ضحك ضحكة قصيرة.
السؤال ده اتأخر أوي يا آسر.
ياسين استخبى ورا رجلي.
الست جريت عليه وضمتّه لصدرها.
إبعد عنه.
الرجل بص لها وقال
إنتِ لسه بتحاولي تحميه؟ بعد كل السنين دي؟
صرخت
هو مالوش ذنب!
اتقدمت خطوة.
إنت تعرفني؟
بص في عيني مباشرة.
أعرفك أكتر مما تتخيل.
ثم مد إيده ناحية وجهه، وبدأ يفك زرار القميص من عند رقبته.
كان فيه أثر قديم واضح فوق كتفه.
نفس المكان اللي ظهر في ذاكرتي للحظة...
طفل واقع على الأرض.
وأنا بحاول أسحبه.
صرخت
إنت...
قبل ما أكمل، الرجل صاحب الملف وقف بيننا.
محدش يتحرك.
الرجل اللي قدامي ابتسم.
لسه بتحرس السر زي زمان يا فؤاد.
فؤاد.
الاسم وقع في ودني.
فؤاد...
الراجل اللي كان أقرب شخص ليا في شغلي الحالي.
الراجل اللي وقف جنبي سنين.
الراجل اللي كنت باعتبره أخويا.
بصيت للرجل الغريب.
إنت فؤاد؟
سكت.
ثم قال
أخيرًا افتكرت.
حسيت الدنيا بتلف حواليا.
قلت
بس... فؤاد اللي أعرفه مفيش أي علامة في كتفه.
ابتسم.