جوزي كسب جايزة الاب المثالي

لمحة نيوز

جوزي كسب جايزة الأب المثالي عشان بيربي ولادنا الستة، وأنا كنت قاعدة لوحدي في آخر القاعة
لحد ما بنتنا الصغيرة مسكت الميكروفون وقالت
بس يا بابا في حاجة صغيرة لازم الناس تعرفها.
في بلدنا، كان حسام معروف بحاجتين نجاحه في شغله، وإنه أحسن أب في الدنيا.
بس الحقيقة إن واحدة بس من الاتنين كانت صح.
بعد ما خلفنا تالت طفل، حسام قعد معايا واتكلم بهدوء، لحد ما أقنعني إني أسيب الشغل اللي كنت بنيت فيه نفسي على مدار عشر سنين.
مسك إيدي وقال لي
الولاد محتاجينك يا منى سيبي الشغل وأنا هتكفل بكل حاجة تانية.
أنا صدقته.
لأني كنت فاكرة إن ده معنى الجواز إنك تثقي في الشخص اللي اخترتيه، حتى لو الحاجة دي هتكلفك جزء كبير من حياتك.
وفعلًا كلفتني كتير.
أيامي اتحولت لدوامة ملهاش آخر من طلبات ستة أطفال.
كل يوم الصبح أجهز ست علب أكل للمدرسة.
أصحى بالليل مع السخونية.
أدور على جزمة ضايعة قبل ميعاد المدرسة بخمس دقايق.
أفتكر مين فيهم مبقاش بيحب أطراف العيش، ومين رجع يخاف من الضلمة، ومين بنطلونه بقى قصير عليه فجأة.
كنت عارفة كل تفصيلة صغيرة تخص ولادي الستة.
حسام؟
كان مسؤول عن الهدايا.
كوتشات غالية.
تابلت جديد.
عجل لامع.
وكان كل مرة الولاد يفتحوا الهدية، يبتسم ويقول
خليكم فاكرين تقولوا لماما إن بابا هو اللي جابهولكم.
والكل كان بيضحك.
وأوقات كنت بضحك معاهم.
كان أسهل من إني أشرح إن الراجل اللي اشترى العجلة أصلًا مش عارف مقاس الجزمة اللي لابسها ابنه بقاله كام شهر.
وكنت عارفة كمان إنه كان على علاقة بواحدة غيري.
ولما في يوم واجهته، مبررش، ولا حتى حاول يعتذر.
بص في ساعته كأني بعطله عن ميعاد مهم وقال بمنتهى البرود
أنا مبقتش منجذب ليكي يا منى بس الطلاق هيبقى وحش لصورتي قدام الناس. الناس كلها شايفاني راجل عيلة محترم.
الجملة دي فضلت جوايا.
ومخرجتش.
عدّى وقت.
لحد ما المدرسة أعلنت عن مسابقة الأب المثالي السنوية.
ويوم الحفلة، القاعة كانت مليانة.
المدرسة كلها تقريبًا موجودة، وأهالي الطلبة قاعدين مستنيين إعلان النتيجة.
وفجأة، طلعت مديرة المدرسة على المسرح، وابتسمت وهي بتقول
والنهارده بنكرّم راجل قدر يوازن بين شغله الصعب، وبين مسؤوليته كأب لستة أطفال رائعين الأستاذ حسام!
القاعة كلها انفجرت في التصفيق.
الموبايلات اترفعت.
والناس بدأت تصور.
وحسام قام من مكانه، لابس بدلة غالية ومظبوط فيها كل حاجة، وطلع على المسرح وهو بيحاول يعمل نفسه متأثر.
مسح دمعة من على عينه وقال
ناس كتير بتسألني إزاي بقدر أعمل كل ده والحقيقة؟ في ليالي كتير مابنامش تقريبًا. تربية ستة أطفال أصعب مسؤولية في حياتي بس هما يستاهلوا كل تضحية.
بطني اتقبضت.
كل تضحية؟
بصيت قدامي وأنا فاكرة الشغل اللي سيبته.
افتكرت الليالي اللي كنت قاعدة فيها على أرض الحمام جنب طفل حرارته عالية.
افتكرت الست علب الأكل اللي كنت بحضرهم كل صباح.
افتكرت كل مرة كنت بجري من مدرسة لمدرسة، ومن دكتور لدكتور، وأنا أصلًا مش لاقية وقت آخد نفسي.
وسألت نفسي
يا ترى حد هنا فاكر إن الأطفال الستة دول ليهم أم؟
ولا كل اللي شايفينه هو الأب العظيم اللي بيعمل كل حاجة؟
كنت قاعدة في الصف العاشر تقريبًا، لوحدي.
ولا حد حتى بص ناحيتي.
وبعدين حسام نادى ولادنا الستة على المسرح.
واحد ورا التاني.
حضنهم قدام الناس، والناس فضلت تصور وتزقزق من الفرحة.
لكن بنتنا الكبيرة سارة مكانتش باصة لأبوها.
كانت باصة لي أنا.
والنظرة اللي في عينيها خلت قلبي يدق بسرعة.
كان فيها حاجة
حاجة أنا معرفتش أفهمها وقتها.
وقبل ما أتحرك أو أسألها مالها، بنتنا الصغيرة ليلى، عندها سبع سنين، شدت بدلة أبوها من إيده.
وقالت
بابا ممكن آخد الميكروفون؟ في حاجة صغيرة بس.
حسام ضحك بثقة.
وقال لها
طبعًا يا حبيبتي. قولي للناس قد إيه بتحبي بابا.
ليلى مسكت الميكروفون بإيديها الاتنين.
بصت للجمهور.
وبعدين فضلت تدور بعينيها وسط الصفوف
لحد ما لقتني.
ابتسامتها اختفت.
وساعتها
قالت جملة واحدة بس.
الجملة اللي خلت القاعة كلها تسكت مرة واحدة.
واحدة قاعدة في الصف الأول شهقت بصوت عالي.
وحسام
فضل واقف مكانه.
ابتسامته اختفت من على وشه.
ولأول مرة من سنين
الراجل اللي كان دايمًا عارف يقول إيه قدام الناس، معرفش يقول ولا كلمة.
ليلى قربت الميكروفون من بقها، وصوتها الطفولي طلع واضح في القاعة
بابا مش هو اللي بيربينا لوحده...
همهمة خفيفة انتشرت بين الناس.
حسام حاول يضحك، ومد إيده ياخد منها الميكروفون.
خلاص يا ليلى، كفاية هزار...
لكنها بعدت الميكروفون عنه.
وبصت ناحيتي تاني.
وقالت
ماما هي اللي بتعمل كل حاجة.
القاعة سكتت تمامًا.
حسام ابتلع ريقه، وبص للمديرة كأنه مستني منها تتدخل.
لكن ليلى كانت لسه مكملة.
ماما هي اللي بتصحينا للمدرسة... وماما اللي بتعمل الأكل... وماما اللي بتفضل جنبنا لما نكون عيانين... وماما اللي بتذاكر لنا...
وبعدين سكتت لحظة.
ورفعت إيدها الصغيرة، وأشارت لحسام.
بابا بس بيجيب لنا حاجات غالية.
ضحكة صغيرة خرجت من آخر القاعة، لكنها اختفت بسرعة لما شافوا وش حسام.
المديرة حاولت تتدخل
ليلى، حبيبتي، ممكن تنزلي من على المسرح...
لكن سارة، بنتي الكبيرة، قامت فجأة من مكانها.
وقالت بصوت أعلى
لا... خليها تكمل.
كل العيون راحت عليها.
سارة كانت ماسكة شنطتها بإيد مرتعشة.
وبصت لأبوها مباشرة.
إحنا اتفقنا إننا مش هنسكت تاني.
حسام اتوتر.
اتفقتم على إيه؟
سارة ما ردتش.
بصت لي أنا.
وبعدين قالت
ماما، ممكن تطلعي هنا؟
أنا اتجمدت في مكاني.
ماكنتش فاهمة هما بيتكلموا عن إيه.
لكن فجأة، ليلى مدت الميكروفون ناحيتي وقالت
اطلعي يا ماما... إحنا لقينا حاجة.
قلبي وقع.
قمت من مكاني ببطء، ومشيت ناحية المسرح وسط مئات العيون.
ولما وصلت، سارة قربت مني وهمست
افتحي شنطتك.
بصيت لها باستغراب.
شنطتي؟ ليه؟
قالت
افتحيها... قدامهم كلهم.
فتحت الشنطة وأنا مش فاهمة.
ولقيت فوق حاجاتي ظرف أبيض.
أنا متأكدة إني ماحطتوش.
سحبت الظرف.
كان مقفول.
وعليه اسمي بخط إيد أعرفه كويس جدًا.
خط حسام.
بصيت له.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قلت
إيه ده؟
حسام اتحرك خطوة ناحيتي.
منى، متفتحيش الظرف.
الجملة دي كانت كفاية.
القاعة كلها بدأت تهمهم.
وسارة قالت
افتحيه يا ماما.
إيدي بدأت ترتعش.
مزقت الظرف...
وسحبت الورقة الأولى.
وأول سطر فيها خلاني أنسى إني واقفة قدام مئات الناس.
لأن الورقة كانت من مكان واحد...
أنا عمري ما توقعت إن اسمي يوصل له.
وفي أسفل الصفحة كان فيه توقيع حسام.
لكن اللي كان مكتوب فوق التوقيع...
كان أخطر بكتير.
رفعت عيني وبصيت له.
وقلت
إنت عملت إيه؟حسام ما ردش.
فضل واقف قدامي، ووشه متغير تمامًا.
المديرة قربت خطوة وقالت
أستاذ حسام... إيه اللي موجود في الورق ده؟
أنا نزلت عيني على الصفحة تاني.
كانت استمارة رسمية، وفي أولها اسمي كامل.
لكن المفاجأة إن الاستمارة كانت خاصة بإجراء اتعمل من غير علمي.
قلبت الصفحة بسرعة.
صفحة تانية.
وبعدها تالتة.
كل واحدة فيهم عليها توقيع حسام.
همست
إنت وقّعت باسمي؟
حسام حاول ياخد الورق مني.
منى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
سارة صرخت
لأ! قول الحقيقة!
الأطفال الخمسة التانيين كانوا واقفين جنبها، ووشوشهم متوترة.
ليلى قربت مني ومسكَت إيدي.
ماما... إحنا لقينا الورق ده في مكتب بابا.
بصيت لها بدهشة.
إنتوا دخلتوا مكتبي؟
سارة هزت راسها.
كنا بندور على شهادة المدرسة بتاعة ليلى... ولما فتحنا الدرج، لقينا ملف كامل باسمك.
حسام قاطعها بعصبية
الأطفال مالهمش دعوة بالموضوع!
سارة ردت
بس إحنا عرفنا إنك كنت مخبي الحقيقة عن ماما.
القاعة بدأت تتحرك.
ناس قامت من أماكنها.
والمديرة طلبت من الجميع الهدوء.
أنا كنت لسه ماسكة الورق.
وفجأة لاحظت حاجة غريبة.
الصفحة الأخيرة كان عليها تاريخ...
قبل ما أسيب شغلي بأيام قليلة.
قلبي بدأ يدق بعنف.
بصيت لحسام وقلت
يعني إيه؟
ما ردش.
قلت تاني
إنت عملت إيه قبل ما تقنعني أسيب شغلي؟
وشه شحب.
وفي اللحظة دي، واحد من أولياء الأمور اللي كان قاعد في الصف التالت وقف وقال
أستاذة منى... لو الورق اللي في إيدك هو اللي أنا فاكره، يبقى لازم تعرفي حاجة تانية.
حسام لف له بسرعة.
إنت مالك؟
الراجل فتح موبايله.
وقال
لأن عندي نسخة من نفس المستند.
أنا بصيت له.
نسخة؟
هز راسه.
أيوه... وأنا مستني اليوم ده من سنين.
حسام اتقدم ناحيته.
لكن الراجل رفع إيده وقال
متقربش.
وبعدين بص لي وقال
لأن الحقيقة مش موجودة في الورق ده بس.
مد إيده بالموبايل ناحيتي.
الحقيقة موجودة في تسجيل اتعمل من ست سنين.
فتحت عيني بدهشة.
تسجيل إيه؟
ضغط على الشاشة.
وفجأة...
طلع صوت حسام من السماعة.
صوته كان واضح جدًا.
وهو بيقول جملة واحدة
لو منى عرفت أنا عملت إيه، عمري ما هقدر أرجّع حياتي زي الأول.
القاعة كلها سكتت.
وأنا...
ماقدرتش أتنفس.
لأن الصوت اللي في التسجيل ماكانش صوت راجل ندمان.
كان صوت راجل...
بيخطط لحاجة من زمان التسجيل خلص، لكن محدش اتحرك.
أنا فضلت باصة للموبايل كأني مستنية الصوت يرجع تاني ويشرحلي كل اللي حصل.
بصيت لحسام
التسجيل ده حقيقي؟
ما ردش.
كررت
حسام... إنت كنت بتخطط لإيه؟
حسام بص للمديرة وقال بسرعة
الحفلة دي انتهت. أنا هاخد ولادي ونمشي.
لكن سارة وقفت قدامه.
لأ.
صوتها كان هادي، بس لأول مرة حسيت إنها مش خايفة منه.
إحنا مش هنمشي قبل ما ماما تعرف الحقيقة.
حسام اتعصب
سارة!
قالت
إحنا سمعنا التسجيل كامل.
أنا لفيت لها بسرعة.
إنتِ سمعتيه؟
هزت راسها.
أنا وإخواتي سمعناه من يومين.
سكتُّ لحظة.
وليه ماقلتوليش؟
ليلى ردت بدلها
كنا خايفين.
قربت منهم وضمّيتهم.
حسام فضل واقف بعيد، ووشه بقى متوتر أكتر.
الرجل اللي كان ماسك الموبايل قال
في جزء تاني من التسجيل.
أنا رفعت راسي.
شغّله.
حسام قال بسرعة
لأ!
الكلمة خرجت منه بعنف لدرجة إن القاعة كلها اتفاجئت.
الرجل ابتسم بحزن وقال
دلوقتي بقى واضح ليه كنت مش عايزها تسمعه.
وضغط تشغيل.
جاء صوت حسام من جديد
لو قدرت أخليها تسيب شغلها، كل حاجة هتبقى أسهل...
قلبي اتقبض.
وبعدين سمعته بيكمل
بس لازم أضمن إنها ما ترجعش له تاني.
أنا همست
شغل إيه؟
التسجيل استمر.
الشركة اللي كانت بتشتغل فيها

تم نسخ الرابط