لما حماتي بقلم رشا
المحتويات
يومين، كنت في الصعيد.
الجو كان مختلف.
المكان جديد.
المشروع أكبر بكتير مما تخيلت.
وفي أول اجتماع ليا، مدير المشروع وقف قدام الفريق وقال
أحب أرحب بالمهندسة مريم، من الكفاءات اللي تم اختيارها لتولي منصب نائب المهندس العام في المرحلة الجديدة.
الكل صفق.
وأنا كنت بحاول أستوعب إن الحلم اللي ضحيت عشانه سنين بقى حقيقة.
لكن في القاهرة...
كان أحمد واقف قدام باب الشقة.
ومعه موظف من الإدارة.
الموظف قال له
حضرتك أحمد؟
أيوه.
إحنا جايين بخصوص السكن.
أحمد عبس
ماله؟
فتح الموظف الملف، وطلع ورقة مختومة.
بسبب تغيير منصب طليقتك، يُرجى إخلاء السكن المخصص لأسر العاملين خلال سبعة أيام.
أحمد فضل ساكت.
وبص لنادية.
نادية قربت منه بسرعة
يعني إيه إخلاء؟
الموظف قال بهدوء
السكن ده كان مخصص للأسرة بناءً على وضع وظيفي محدد. بعد تغيير الحالة الوظيفية والاجتماعية، التخصيص انتهى.
نادية اتوترت
بس ابني لسه شغال!
الموظف هز راسه
التخصيص كان للأسرة، مش للموظف بشكل منفرد.
أحمد خطف الورقة من إيده.
قرأها مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبص لنادية.
ماما...
قالت بسرعة
متخافش. هنكلم مريم.
أحمد رد
هي قالت إنها مش هترجع.
نادية سكتت.
ولأول مرة، بدأت تستوعب إن كلمة طلاق اللي قالتها بسهولة...
كان ليها ثمن.
في اليوم الخامس، كنت في مكتبي لما تليفوني رن.
كان أحمد.
بصيت للاسم فترة طويلة.
وبعدين رديت.
ألو؟
صوته كان متوتر
مريم... ممكن نتكلم؟
اتفضل.
الإدارة قالت إننا لازم نسيب الشقة.
سكت.
قال بسرعة
مريم، إنتِ عارفة إن موضوع السكن ده كان مرتبط بيكي؟
أيوه.
طب... ممكن تكلمي الإدارة؟
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
ليه؟
علشان نحل الموضوع.
إحنا مطلقين يا أحمد.
سكت.
وبعدين قال
يعني هتسيبيني أنا وأمي في الشارع؟
الجملة دي خلتني أسكت.
مش علشان اتأثرت...
لكن علشان افتكرت نفس الشخص اللي كان واقف من كام يوم ومش قادر يقول لأمه كفاية.
قلت له
أحمد... إنت بنفسك اخترت الطلاق.
قال بسرعة
بس أنا مكنتش أعرف إن السكن هيتسحب!
وهنا فهمت إن في حاجة أكبر بدأت تظهر.
لأن أحمد لم يكن غاضبًا من الطلاق...
كان غاضبًا من العواقب التي لم يحسب حسابها.
وقبل ما أقفل المكالمة، سمعته بيقول
مريم، استني... في حاجة تانية لازم تعرفيها.
إيه؟
اتردد ثواني.
ثم قال
الورقة اللي وقعتي عليها يوم الطلاق...
سكت.
فيها بند إحنا ماخدناش بالنا منه.
اتشد جسمي كله.
بند إيه؟
صوته نزل
بند متعلق بحقوق السكن... وملكية بعض التجهيزات اللي موجودة في الشقة.
سكت وأنا ماسكة التليفون.
ولأول مرة من ساعة ما مشيت...
حسيت إن الحكاية لسه في أولها قلت له بسرعة
إنت تقصد إيه؟
أحمد اتنهد وقال
أنا مش فاهم كل حاجة، بس لما رحت الإدارة علشان موضوع الإخلاء، الموظف قال إن في مستندات مرتبطة بالسكن اتسجلت باسمك من سنين.
اتسمرت مكاني.
باسمي أنا؟
أيوه.
وإنت عرفت ده دلوقتي بس؟
أيوه.
سكت شوية، وبعدين قال
مريم، ممكن تبعتيلي صورة من ورقة الطلاق اللي وقعتي عليها؟
قلبي بدأ يدق أسرع.
قلت
ليه؟
علشان أتأكد من حاجة.
إيه الحاجة؟
رد بعد تردد
الموظف قال إن توقيعك على الورقة معناه إنك تنازلتي عن بعض الحقوق الزوجية... لكن مش عن حقك في السكن الوظيفي لو كان مرتبطًا بقرار تعيينك الجديد.
اتنهدت ببطء.
يعني الورقة اللي وقعتها وأنا فاكرة إني بخرج من حياتهم...
ممكن تكون عملت العكس تمامًا.
قلت
هبعتلك صورة.
قفلت المكالمة، وفتحت الشنطة اللي كنت جايباها معايا.
طلعت نسخة الأوراق.
قعدت أقرأ بند بند.
لحد ما وصلت لجزء صغير في آخر الصفحة.
كان فيه سطر أنا وقتها ما اهتمتش بيه.
قرأته مرة.
وبعدين مرة تانية.
لا يترتب على إنهاء العلاقة الزوجية سقوط أي حقوق وظيفية أو سكنية مستقلة ناشئة عن جهة عمل الطرف المستحق لها.
رفعت عيني عن الورقة.
أنا كنت فاكرة إن الطلاق أنهى كل حاجة.
لكن الحقيقة...
إن السكن من البداية ماكانش حق لأحمد.
كان تابعًا لوضعي الوظيفي أنا كمان.
وفي اللحظة دي، تليفوني رن تاني.
أحمد.
رديت.
أيوه؟
قال بصوت مرتبك
مريم... الإدارة قالت إن عندك سبعة أيام علشان تستلمي وحدة سكنية جديدة هنا.
بصيت قدامي.
هنا؟
أيوه.
يعني إيه هنا؟
قال
في مقر المشروع في الصعيد.
سكت.
وبعدين سمعته يقول
وبيقولوا إن الوحدة متخصصة للقيادات الفنية بالمشروع... واسمك موجود عليها.
ابتسمت غصب عني.
كل اللي حصل بدأ يتجمع قدامي.
الترقية.
النقل.
الطلاق.
السكن.
وفي وسط كل ده، كان فيه تفصيلة واحدة محدش في القاهرة كان عارفها.
قلت لأحمد
خلاص.
خلاص إيه؟
الشقة اللي في القاهرة مش مشكلتي.
مريم...
وإنت وأمي لازم تخرجوا منها خلال السبعة أيام، زي ما الإدارة قالت.
سكت.
وبعدين قال بصوت مكسور
يعني مش هتساعديني؟
رديت بهدوء
أنا ساعدتك خمس سنين.
وقفلنا.
في اليوم التالي، وأنا خارجة من اجتماع مهم، لقيت مديرة الموارد البشرية مستنياني.
قالت
مريم، عندي خبر ممكن يهمك.
خير؟
ابتسمت وقالت
الإدارة العليا قررت إن مسؤولية الفريق الجديد هتتوسع، وعايزينك تحضري اجتماع بكرة مع رئيس المشروع.
ليه؟
قالت
لأن في تعديل حصل في الهيكل الإداري.
سألتها
تعديل إيه؟
قالت
اسمك بقى ضمن الأسماء المرشحة لتولي مسؤولية أكبر من المنصب اللي جيتي عليه.
وقفت مكاني.
أنا؟
أيوه.
وبعدين قربت مني وقالت
بس في حاجة غريبة حصلت.
إيه؟
وصلنا اتصال من جهة في القاهرة بتحاول تستفسر عن وضعك الوظيفي.
استغربت.
مين؟
فتحت الملف وقالت
زوجك السابق.
سكت.
وقال إيه؟
كان بيسأل إذا كان نقلك مؤقت، وهل ممكن ترجعي القاهرة، وهل قرارك النهائي مرتبط بإقامتك الزوجية.
بصيت لها باستغراب.
هو ملوش علاقة بشغلي.
قالت
إحنا قلنا له نفس الكلام.
وبعدين قفلت الملف وقالت
لكن في حاجة تانية أهم.
إيه؟
بصت لي في عيني وقالت
هو مش أول شخص يتصل.
تجمدت.
مين اتصل قبله؟
مديرة الموارد البشرية سكتت لحظة، ثم قالت
حماتك.
وأنا وقتها فهمت...
إن نادية لم تكن تحاول فقط ترجع ابنها.
كانت بتحاول تعرف أنا وصلت لإيه بعد ما خرجت من بيتهم.
لكن السؤال اللي مكنتش أعرف إجابته لسه
هي عرفت منين إن الإدارة بدأت تجهز لي سكن جديد في الصعيد؟مديرة الموارد البشرية كانت لسه واقفة قدامي، وأنا مش قادرة أستوعب.
قلت لها
حضرتك متأكدة إن حماتي هي اللي اتصلت؟
قالت
أيوه. قالت إنك زوجة ابنها وإنها قلقة على مستقبلك الوظيفي، وفضلت تسأل أسئلة كتير عن مدة النقل والسكن والبدلات.
حسيت بحاجة باردة بتجري في ضهري.
وقالت إيه بالظبط؟
فتحت الملف تاني وقالت
سألت سؤال غريب جدًا.
إيه؟
سألت إذا كان قرار نقلك للصعيد نهائي، ولا ممكن يتم إلغاؤه لو حصل تغيير في حالتك الاجتماعية.
فضلت ساكتة.
لأن السؤال ده مكنش طبيعي.
هي كانت بتحاول تعرف إذا كان الطلاق هيوقف نقلي ولا لأ.
قلت
حضرتك رديتي عليها بإيه؟
قلت لها إن بيانات الموظفين سرية، وإن أي استفسار لازم يتم عن طريق الموظفة نفسها.
تنفست براحة.
لكن قبل ما أمشي، قالت لي
مريم... خلي بالك من حاجة.
إيه؟
واضح إن في حد في القاهرة بيحاول يجمع معلومات عن قرارك الوظيفي.
بصيت لها باستغراب.
تقصدي إيه؟
مش عارفة. بس أنا أنصحك إن أي ورقة تخص شغلك أو سكنك الجديد ما تبعتيهاش لحد.
هزيت راسي.
حاضر.
خرجت من عندها وأنا حاسة إن الصورة بدأت تتغير.
أنا كنت فاكرة إن الموضوع كله انتهى بمجرد الطلاق.
لكن واضح إن نادية لم تكن مستعدة تسيبني أبدأ حياتي الجديدة بسهولة.
في نفس الليلة، وأنا في الفندق المؤقت اللي الإدارة حجزته لي، تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت
ألو؟
جالي صوت راجل
مدام مريم؟
أيوه.
أنا من إدارة الإسكان التابعة للمشروع.
قلبي انقبض.
خير؟
فيه مستند ناقص في ملف الوحدة السكنية الجديدة.
مستند إيه؟
صورة من بطاقة الزوج.
اتصدمت.
زوج مين؟
سكت الراجل لحظة وقال
الزوج السابق.
قلت بسرعة
أنا مطلقة.
قال
عارف، بس الملف القديم فيه إن الوحدة كانت هتخصص للأسرة، فمحتاجين المستند.
استغربت.
مين قال إن الوحدة هتخصص للأسرة؟
قال
الطلب اللي وصل لنا.
أنا اللي قدمت الطلب؟
لا.
سكت.
وبعدين سألته
مين قدمه؟
الراجل اتردد.
مش مسموح لي أقول.
لأ، مسموح لك تقول لي، لأن ده ملف باسمي.
سكت ثواني.
وبعدين قال
الطلب اتقدم من خلال جهة عمل زوجك السابق.
اتجمدت.
جهة عمله؟
أيوه.
قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة.
ليه أحمد قدم طلب سكن باسمي؟
وليه من غير ما يقولي؟
فتحت اللابتوب وبدأت أراجع كل الرسائل الرسمية اللي وصلتني من الإدارة.
لحد ما لقيت إيميل قديم من قسم الموارد البشرية.
كان فيه ملف مرفق.
فتحته.
ولقيت اسمي.
لكن تحت اسمي مباشرة...
كان مكتوب
مرافق أحمد...
شهقت.
يعني أحمد كان لسه مسجل كمرافق لي في بعض الإجراءات، رغم إن الطلاق تم بالفعل.
لكن قبل ما ألحق أفكر، وصلني إيميل جديد.
فتحته.
وكان عنوانه
عاجل طلب تعديل بيانات السكن.
قرأت أول سطر.
وبعدين عيني اتسعت.
الطلب كان مقدمًا من أحمد، وبيطلب فيه
إضافة اسمه إلى الوحدة السكنية الجديدة باعتباره الزوج السابق للمهندسة مريم، لحين تسوية أوضاع السكن.
قفلت اللابتوب بعصبية.
إنت بتعمل إيه يا أحمد؟
وفي نفس اللحظة، تليفوني رن.
كان هو.
رديت من غير سلام
إنت قدمت طلب باسمي؟
قال بسرعة
مريم، اسمعيني بس...
إنت إزاي تعمل كده من غير ما ترجع لي؟
أنا مضطر.
مضطر ليه؟
سكت.
قلت
أحمد، الشقة القديمة
متابعة القراءة