عندي 64سنه حكايات زيزي
ممكن يكون مجرد بداية لحكاية أقدم وأخطر بكتير...
الدكتور طلب مني أحط التليفون في شنطتي، وقال بصوت واطي
مارغريت، لازم نفصل بين اللي نعرفه فعلًا واللي لسه مجرد احتمالات. الرسائل دي ممكن تكون مفتاح مهم، لكن لازم نتأكد مين اللي باعتها وليه.
هزيت راسي، وأنا بحاول أسيطر على رعشة إيدي.
لكن قبل ما أقدر أسأله أي سؤال، الباب اتفتح فجأة.
دانيال دخل المكتب، ووشه المرة دي مكنش فيه أي أثر للابتسامة اللي كان دايمًا بيقابلني بيها.
بص للدكتور، وبعدها بص للملف المفتوح على المكتب.
وقال بحدة أنا طلبت من حضرتك تحافظ على خصوصية مراتي، مش تسمحلها تفتش في أوراق مش فاهمة معناها!
رد الدكتور بهدوء الأوراق دي تخص مدام مارغريت، ومن حقها تفهم هي ماضية على إيه.
دانيال مد إيده ناحية الملف، لكني سبقته وحطيته في حضني.
بصلي بذهول، كأنه أول مرة يشوفني بعاند كلامه.
قال مارغريت، إنتِ عارفة إنك بتعملي إيه؟
رفعت راسي وقلت لأ، يا دانيال. أنا بقالي شهور مش عارفة إنت بتعمل فيا إيه بالظبط، ودي أول مرة أحاول أفهم.
اتغيرت ملامحه، وبعدها حاول يرجع لنبرته الحنينة المعتادة.
يا حبيبتي، أنا عملت كل ده عشانك. إنتِ كنتِ بتتعبي، وكنت بحاول أساعدك. هو أنا هستفيد إيه لما أشوفك مريضة؟
كنت زمان هصدق كلامه.
لكن المرة دي افتكرت الكوباية الحمرا، وإيده اللي كانت بتترعش وهو بيحضّرها، والليالي اللي كنت بصحى فيها مش فاكرة حاجة.
قلتله طيب، لو كنت بتحاول تساعدني، ليه محطتش اسم المادة اللي في المشروب على العلبة؟ وليه كنت بتقولي إنها خلطة خاصة؟
سكت.
لأول مرة، دانيال اللي كان عنده إجابة لكل سؤال، ملاقاش حاجة يقولها.
وبعدين بص للدكتور وقال أنا عايز أتكلم مع مراتي لوحدنا.
الدكتور رفض، وأصر إننا منخرجش من المكتب قبل ما نتأكد إن الوضع آمن.
دانيال اتراجع خطوتين، وبعدها قال جملة عمري ما هنساهاله
واضح إنك نسيتي أنا عملت إيه عشانك يا مارغريت. لو كنتِ فاكرة، مكنتيش هتعاملي جوزك بالطريقة دي.
الجملة دي خلتني أشك في نفسي للحظة.
إيه اللي عمله عشاني؟
أنا كنت متجوزة قبله، وعشت سنين طويلة بشتغل مدرسة، وربيت أجيال من الطلبة، ودفعت تمن كل حاجة في حياتي بتعبي.
دانيال دخل حياتي من حوالي سنتين، بعد ما قابلته في مناسبة خيرية كنت بتطوع فيها. كان مهذب، وبيتكلم باحترام، وبيسمعني باهتمام. ولما طلب إيدي، افتكرت إني أخيرًا لقيت شخص يشاركني بقية عمري.
لكن دلوقتي، كنت حاسة إني اتجوزت شخص غريب تمامًا.
قلتله أنا مش عايزة أفتكر إنت عملت إيه عشاني. أنا عايزة أعرف إنت عملت إيه من ورايا.
بصلي فترة طويلة، وبعدها لف وخرج من المكتب من غير ما ينطق بكلمة.
أول ما الباب اتقفل، الدكتور اتصل بجهة مختصة عشان يطلب المساعدة في تأمين خروجي، ونصحني ما أرجعش البيت لوحدي، خصوصًا إني بقيت خايفة من رد فعله.
وبعد شوية، وصلتنا مكالمة من رقم مجهول.
الدكتور شغّل مكبر الصوت بعد ما استأذنني، وسمعنا صوت راجل كبير في السن بيقول
أنا عرفت إن مارغريت بدأت تسأل عن إليزابيث.
قلبي دق بسرعة.
سأله الدكتور حضرتك مين؟
الراجل مردش على السؤال مباشرة، لكنه قال
اسمي روبرت. أنا أخو دانيال الأكبر، وأنا الشخص اللي كان المفروض يتكلم من زمان.
شهقت من الصدمة.
أخو دانيال!
هو الشخص اللي الرسالة قالت إنه الوحيد اللي يعرف مكان النسخة الأصلية من اتفاق الملكية.
سألته بسرعة أستاذ روبرت، إنت تعرف إيه عن جوزي؟ وإيه اللي حصل لإليزابيث؟
سمعت تنهيدة طويلة من الناحية التانية.
وبعدين قال أنا مش هقدر أشرحلك كل حاجة في التليفون. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها إليزابيث قبل ما تموت بأسبوع، اتصلت بيا وهي منهارة من العياط. قالتلي إنها اكتشفت إن فيه أوراق اتعملت باسمها من غير ما تفهمها، وإنها خايفة على بيتها وفلوسها.
حطيت إيدي على بقي.
كمل روبرت أنا حاولت أقابلها، لكن دانيال عرف إني بتواصل معاها، وحصل بينا خلاف كبير. بعدها بأيام، سمعت إنها ماتت. ولما حاولت أسأل عن الأوراق اللي كانت بتتكلم عنها، اكتشفت إن حاجات كتير اختفت.
سألته طب ليه مروحتش للشرطة؟
رد بصوت مليان ندم حاولت أوصل للمستندات الأول، لأن كل اللي كان معايا وقتها مجرد كلام. وبعد وفاة إليزابيث، دانيال قطع علاقته بيا، وأنا غلطت لما سكت كل السنين دي. لكن من يومين، وصلني ظرف من غير اسم المرسل، جواه صورة من وثيقة قديمة تخص إليزابيث.
الدكتور سأله والوثيقة دي فيها إيه؟
قال روبرت فيها رقم خزنة في مكتب محاماة قديم، وكانت إليزابيث كاتبة على ظهرها إن النسخة الأصلية من اتفاق الملكية موجودة هناك.
حسيت إن لأول مرة فيه خيط حقيقي ممكن يوصلنا للحقيقة.
لكن روبرت قال حاجة تانية خلت قلبي ينقبض
المشكلة إن مكتب المحاماة ده قفل من سنين، والمحامي نفسه مات. وأنا مش عارف مين استلم الملفات بعده.
سألته طيب، إنت ليه بتساعدني دلوقتي؟
سكت لحظة، وبعدها قال
لأن الظرف اللي وصلني من يومين كان جواه ورقة تانية، عليها اسمك يا مارغريت.
اتجمدت مكاني.
اسمي أنا؟!
أيوه. وكان مكتوب فيها إن لو دانيال اتجوز ست تانية، لازم حد يحذرها قبل ما يحصل أي تغيير جديد في ملكيتها.
بصيت للدكتور، وبعدين سألت روبرت مين اللي بعتلك الظرف؟
رد معرفش. لكن كان فيه توقيع صغير في آخر الورقة، توقيع إليزابيث نفسها.
حسيت إن فيه سر قديم لسه محدش قدر يدفنه.
وقبل ما المكالمة تنتهي، روبرت طلب مني أبعتله صورة الأوراق اللي لقيناها في الملف الأزرق، من خلال محامٍ مستقل، عشان يقدر يقارنها بالوثيقة القديمة.
الدكتور وافق إنه يساعدني في ترتيب الخطوات بشكل آمن وقانوني.
لكن قبل ما نقفل، روبرت قال
مارغريت، فيه حاجة تانية لازم أقولها. أنا قابلت دانيال من حوالي شهر، وكان بيسألني عن ورقة قديمة جدًا تخص أبونا. الورقة دي ملهاش علاقة بإليزابيث، على حد علمي، لكنها ممكن تفسر ليه أخويا مستعجل يخلّص موضوع أملاكك.
سألته إيه الورقة دي؟
رد بصوت منخفض
وصية أبونا... اللي بتقول إن دانيال مش من حقه يبيع البيت الكبير اللي ورثه، إلا بموافقة شخص واحد بس.
سألته وأنا مش فاهمة ومين الشخص ده؟
روبرت سكت ثواني، وبعدها قال
إليزابيث.
حسيت إن رأسي هينفجر من كتر الأسئلة.
إليزابيث ماتت من سنين، فإزاي موافقتها لسه مهمة؟ وهل كان فيه شرط في الوصية محدش يعرفه؟ وهل الأوراق اللي مضيت عليها لها علاقة بالبيت ده؟
لكن قبل ما روبرت يشرح أكتر، وصلني إشعار برسالة جديدة من نفس الرقم المجهول.
فتحتها، ولقيت صورة لصفحة من وصية قديمة.
وفي أسفل الصفحة، كان فيه اسم مكتوب بخط واضح جدًا.
مارغريت.
مش اسم إليزابيث، ولا اسم دانيال.
اسمي أنا!
وتحت اسمي، كانت فيه جملة قصيرة
في حالة وفاة إليزابيث أو عجزها عن تنفيذ الوصية، تنتقل مسؤولية حفظ المستندات إلى...
لكن اسم الشخص اللي المفروض يكمل الجملة كان متغطي بإيد حد في الصورة.
وفي اللحظة دي، فهمت إن فيه شخص بيبعتلي معلومات من مكان ما، وإنه عارف تفاصيل حتى أخو دانيال نفسه مكنش متأكد منها.
السؤال بقى مش بس دانيال بيخبي إيه؟
السؤال الأخطر كان مين الشخص اللي بيحاول يساعدني من ورا الستار، وليه مستني لحد دلوقتي عشان يكشف الحقيقة؟
سوزان فضلت باصة ناحية باب المكتب، وإيديها بتترعش وهي ماسكة الظرف البني.
الأستاذة ليلى سألتها بجدية
مين الشخص اللي مستنيكي تحت يا سوزان؟ وليه كل السرية دي؟
سوزان بلعت ريقها، وبعدين قالت
اسمه يوسف... كان المحاسب الشخصي لأبويا، واشتغل مع العيلة أكتر من عشرين سنة. وهو آخر شخص شاف اتفاق الملكية الأصلي قبل ما يختفي.
بصيتلها باستغراب وقلت
طيب، لو هو عارف كل ده من زمان، ليه استنى لحد دلوقتي؟
سوزان نزلت عينيها للأرض، وردت بصوت حزين
لأنه كان خايف. يوسف عنده نسخة من خطاب كتبه أبويا قبل وفاته، والخطاب ده ممكن يثبت إن دانيال أخفى معلومات مهمة عن تقسيم الميراث. لكنه طول السنين اللي فاتت كان خايف يخسر شغله وسمعته، وبعد وفاة إليزابيث خاف أكتر.
المحامية طلبت منها تتصل بيوسف وتبلغه إننا مستعدين نقابله، بشرط إن المقابلة تكون جوه المكتب، وإنه يجيب معاه المستندات اللي بيتكلم عنها.
وبعد حوالي عشر دقايق، الباب خبط.
دخل راجل في أواخر الستينات، لابس بدلة رمادي، وشايل شنطة جلد قديمة.
أول ما شاف سوزان، قال
أنا عارف إني اتأخرت، بس اللي حصل مؤخرًا خلاني أفهم إن السكوت مش هيحميني للأبد.
قعد قدامنا، وفتح الشنطة، وطلع منها ظرف مختوم.
قال للأستاذة ليلى
أنا مش محامي، ومش هقدر أفسرلكم الآثار القانونية للورق ده. كل اللي أقدر أقوله إني احتفظت بيه لأن صاحبه طلب مني ما أضيّعوش.
المحامية استلمت الظرف، وفحصت محتوياته.
كان جواه خطاب قديم، وصورة من سجل مالي، ونسخة من اتفاق خاص بأملاك والد دانيال.
بدأت تقرأ الخطاب بصوت مسموع
إلى ابنتي سوزان...
لو وصلتك الرسالة دي، فمعنى كده إني مقدرتش أحل الخلاف بين أولادي في حياتي.
أنا مش عايز حد منهم يخرج من حقه، ومش عايز المال يكون سبب في تدمير العيلة. عشان كده، اتفقت مع المحامي على الاحتفاظ بنسخة أصلية من المستندات في مكان مستقل، بعيد عن إيد أي طرف من الأطراف.
وقفت المحامية عند السطر ده، وراجعت الصفحة اللي بعدها.
كان فيه بند بيقول إن التصرف في جزء من العقار الكبير لازم يتم بموافقة أصحاب الحقوق المسجلين، وإن أي تعديل لازم يكون موثقًا بطريقة رسمية.
سوزان سألت يوسف
طيب، إيه علاقة ده بإليزابيث؟
يوسف أخد نفس طويل، وقال
إليزابيث كانت بتحاول تفهم حقوقها في العقار بعد وفاة والدكم. كانت فاكرة إن كل الأوراق سليمة، لكن لما راجعت الحسابات، اكتشفت اختلافات في مبالغ اتسجلت باسمها.
سألته بسرعة
ودانيال كان عارف؟
يوسف رد بحذر
أنا مقدرش أقول إنه كان عارف بكل التفاصيل. اللي أقدر أؤكده إن فيه معاملات اتعملت، وفيه مستندات ناقصة، وإن إليزابيث طلبت مراجعة قانونية قبل وفاتها.
حسيت بقلبي بيتقبض.
يعني ممكن يكون فيه خلاف مالي قديم، واتفاقات مش واضحة، وحقوق محدش عرف حقيقتها لحد دلوقتي.
لكن لسه فيه سؤال كان بيطاردني.
بصيت ليوسف وقلت
طيب، اسمي أنا ظهر في وصية والد دانيال إزاي؟ أنا قابلت إليزابيث مرة واحدة، وساعدتها في موضوع بسيط، لكن عمري ما دخلت في شؤون العيلة.
يوسف بص لسوزان، وكأنه مستني منها تكمل.
سوزان فتحت شنطتها وطلعت خطابًا تاني.
قالت
لأن إليزابيث كانت عارفة إنك إنسانة بتحافظ على الأمانة. بعد ما ساعدتيها، طلبت من المحامي يسجل اسمك كشخص ممكن يتسلم نسخة من المستندات لو حصل أي خلاف على حفظها.
المحامية هزت راسها وقالت
ده ممكن يفسر وجود اسمها في المراسلات، لكن لازم نراجع الوصية الأصلية وسجلات مكتب المحاماة عشان نعرف إذا كان الاختيار ده له أثر قانوني فعلًا.
كنت لسه بحاول أستوعب كل ده، لما يوسف فتح السجل المالي اللي جابه معاه.
وأشار على مجموعة تحويلات مالية، وقال
فيه حاجة تانية لازم تشوفوها. خلال الشهور اللي سبقت وفاة إليزابيث، اتسجلت تحويلات متكررة من حساب مرتبط بالعقار إلى حساب شركة استثمارية.
المحامية سألته
والشركة دي كانت مملوكة لمين؟
يوسف رد
حسب السجل اللي عندي، الشركة كانت باسم شخص اسمه توماس ريد.
سوزان شهقت.
توماس؟! ده كان المحامي اللي تعامل مع أبويا قبل ما يموت!
يوسف هز راسه.
أيوه، لكنه بعد كده دخل في استثمارات خاصة. وأنا مش عارف إذا كانت التحويلات دي قانونية ولا لأ. عشان كده محتاجين نراجع السجلات البنكية والعقود الأصلية.
المحامية بدأت تدوّن الملاحظات، وطلبت من يوسف يسيب المستندات معاها عشان تتأكد من صحتها وتحدد الخطوات القانونية المناسبة.
لكن فجأة، سوزان طلعت تليفونها، وورّتني رسالة وصلت لها من رقم مجهول.
الرسالة كانت قصيرة جدًا
متسلموش المستندات للمحامية قبل ما تعرفوا مين اللي دفع مصاريف مكتبها.
بصيت لسوزان بصدمة.
إنتِ تعرفي مين بعت الرسالة دي؟
هزت راسها.
لأ، لكن الرقم ده بعتلي قبل كده صور من أوراق إليزابيث.