بنتي وجوزها حكايات زيزي

لمحة نيوز

غالبًا حصل الشيء اللي كنت خايفة منه... والأخطر إن فانيسا مش عارفة الحقيقة كاملة.
رفعت عيني ناحية بنتي.
كانت بتعيط، وديريك واقف متجمد في مكانه.
قلبت الورقة عشان أكمل، لكن لقيت آخر جزء منها مقطوعًا بعناية، كأن حد تعمّد يشيل منه سطورًا كاملة.
بصيت لفانيسا وسألتها
مين فتح الظرف قبل ما تجيبيهولي؟
مسحت دموعها، وبصت ناحية جوزها.
وبصوت واطي قالت
ديريك... هو اللي أخده مني من يومين، وقاللي إنه قرأه كله. ولما رجعهولي، الجزء ده كان مقطوع.
في اللحظة دي، ما بقاش الموضوع مجرد ترقية أو خلاف عائلي.
لأن إليانور، قبل وفاتها، كانت عارفة إن فيه سر لازم يوصل لي.
والشخص الوحيد اللي كان معاه الظرف قبل ما يوصل لإيدي... كان جوز بنتي.
لكن إيه اللي كانت إليانور مخبياه في الرسالة؟ وليه ديريك خاف لدرجة إنه يقطع الجزء الأخير منها؟
لسه ما كنتش أعرف إن الإجابة هتكشف حقيقة قديمة عن شركتي، وعن قرار اتاخد من سنين، وفضل مدفون لحد النهارده...
فضلت باصص لديريك كام ثانية من غير ما أنطق بحرف.
الراجل اللي كان من شوية بيتكلم بثقة عن مستقبله في الشركة، بقى واقف قدام مجلس الإدارة، وعرق بارد نازل على جبينه، ومش عارف يبص في عين حد.
قلتله بهدوء
إنت أخدت جواب مراتي من بنتي، وقطعت جزء منه، ورجعتهولها؟
رد بسرعة
أنا ما قطعتش حاجة! الظرف وصلني بالشكل ده، وأنا كل اللي عملته إني حاولت أفهم محتواه.
فانيسا رفعت راسها فجأة وقالت
كداب يا ديريك! إنت بنفسك قلتلي إنك شفت الجواب، وإن فيه كلام ممكن يضر العيلة لو بابا عرفه!
ديريك لف ناحيتها بعصبية.
إنتِ مش فاهمة إنتِ بتقولي إيه!
هنا خبطت بإيدي على الترابيزة، مش بقوة، لكن بالقدر اللي خلّى الكل يسكت.
قلت
كفاية. إحنا مش في بيتك عشان تعلي صوتك على مراتي بنتي، ولا في مكتبك عشان تخوّف الموظفين. إحنا في اجتماع رسمي، وكل كلمة هتتقال هنا هتتسجل في المحضر.
ريتشارد أشار للسكرتيرة إنها تسجل إفادة فانيسا، وبعدها طلب من أعضاء المجلس يدوها فرصة تتكلم من غير مقاطعة.
بنتي قعدت على الكرسي اللي قدامي، وحطت إيديها فوق بعض، وفضلت تبص للورقة اللي في إيدي كأنها شايفة أمها واقفة قدامها.
وبعدين بدأت تحكي.
من حوالي شهرين، ديريك بدأ يتكلم معايا عن مستقبل الشركة. قاللي إن بابا بقى كبير في السن، وإنه ممكن في أي وقت يقرر يبعد نهائيًا عن الإدارة. وقاللي إن لو ما رتبناش أمورنا من دلوقتي، ممكن أضيع حقي في الميراث.
بصيتلها وسألتها
وإنتِ صدقتيه؟
نزلت عينيها للأرض.
أيوه يا بابا.
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة تانية.
كملت وهي بتعيط
قاللي إنك ممكن في يوم تبيع الشركة لشخص غريب، وإن أنا لازم أضمن حقي. وإن توقيعي على الورق مش معناه إني بسرق منك حاجة، لكنه مجرد إجراء احتياطي.
سألتها
وإيه علاقة ده بنقل ملكية بيتي باسمك؟
فانيسا غطت وشها بإيديها.
هو اللي اقترح الموضوع يا بابا. قاللي إن لو البيت اتنقل باسمي، هنبقى ضمنا إنك مش هتضيع فلوسك، وإننا هنقدر نساعدك في إدارة ممتلكاتك.
بصيت لديريك.
يعني إنت كنت عايز البيت والشركة كمان؟
رد بانفعال
أنا كنت بحاول أحمي مستقبل أسرتي! كل اللي عملته كان لمصلحة فانيسا!
قلتله
حماية الأسرة مش معناها إنك تخلي راجل عنده واحد وسبعين سنة يحس إنه لازم يتنازل عن بيته عشان يفضل محبوب من بنته.
ديريك سكت.
لكن فانيسا رفعت عينيها وقالت جملة خلتني أحس إن الحكاية لسه فيها جزء أخطر.
بابا، فيه حاجة تانية... أنا ما كنتش أعرف إن ديريك ناوي يطلب الترقية دي بالسرعة دي. هو قاللي إنك وافقت مبدئيًا على تسليمه إدارة التوسعات، وإن اجتماع النهارده مجرد إجراء شكلي.
ريتشارد فتح الملف اللي قدامه، وطلع منه نسخة من محضر اجتماع سابق.
قال
مافيش أي موافقة من السيد بينيت على الترقية. وفيه بالفعل مراسلات بتوضح إن ديريك قدّم معلومات غير دقيقة لبعض أعضاء الإدارة بخصوص موقف المالك.
ديريك حاول يتكلم، لكن رئيس المجلس رفع إيده وقال
هنسمع كل الأطراف، وبعدها هنتخذ القرار وفق المستندات.
لأول مرة، حسيت إن الغضب اللي جوايا بدأ يتحول لحاجة تانية.
الحقيقة.
أنا ما كنتش عايز أنتقم من بنتي، ولا كنت داخل الشركة عشان أدمّر مستقبل جوزها لمجرد إنه سابني عند قبر مراتي.
كنت عايز أعرف إذا كان الراجل اللي وثقت فيه الشركة يستحق المسؤولية اللي بيطالب بيها، وإذا كانت بنتي وقعت في خداعه، ولا كانت عارفة كل حاجة وساكتة.
مديت إيدي لفانيسا وقلت
عايزك تجاوبيني بصراحة. يوم ما سبتوني عند قبر أمك، كنتِ عارفة إن ديريك هيبعتلي الرسالة دي؟
فضلت ساكتة فترة طويلة.
وبعدين قالت
أيوه.
الكلمة وقعت على قلبي زي الحجر.
كملت بسرعة، والدموع بتجري على خدودها
هو قاللي إننا لو فضلنا نستجيب لكل طلباتك، عمرك ما هتوافق تسيبنا نتصرف في أي حاجة. وقاللي إنك لازم تتعلم تعتمد على نفسك بدل ما تفضل محتاجنا. أنا كنت عارفة إنه هيزعقلك، لكن ما تخيلتش إنه هيمشي ويسيبك فعلًا.
سألتها بصوت واطي
ولما بعتيلي متستناش يا بابا... كنتِ تقصدي إيه؟
انفجرت في العياط.
كنت أقصد إننا مش راجعين. كنت عارفة إنك هتستنى، وما كنتش عايزة تواجهني وأنا ماشية.
غمضت عيني لحظة.
افتكرت فانيسا وهي صغيرة، لما كانت بتجري عليّا أول ما أرجع من الشغل، وتفضل تحكيلي عن يومها وهي قاعدة على رجلي.
افتكرت يوم تخرجها، ويوم جوازها، ويوم إليانور كانت بتوصيني عليها قبل ما تموت.
لكن البنت الصغيرة دي كبرت، وبقت ست في منتصف العمر، واختارت تسيب أبوها لوحده في البرد عند قبر أمه.
فتحت عيني وقلت
أنا مش هقدر أقرر النهارده إذا كنت هسامحك ولا لأ. لكن فيه حاجة لازم تفهميها إنك بنتي مش معناه إنك تقدري تجرحيني، وبعدها تتوقعي إن كل حاجة ترجع زي الأول بكلمتين.
هزت راسها وهي بتعيط.
أما ديريك، فكان واضح إنه بدأ يفقد السيطرة على الموقف.
قال فجأة
كل ده مش هيغير حقيقة إن فانيسا ليها حقوق مستقبلية في ممتلكات والدها! ومحدش يقدر يمنعها من المطالبة بحقوقها القانونية.
ريتشارد رد عليه
وده صحيح. حقوق فانيسا القانونية محفوظة، لكن مافيش أي حق بيديها ملكية ممتلكات والدها وهو على قيد الحياة من غير موافقته. وأي مستندات اتقدمت بناءً على معلومات غير صحيحة لازم تتراجع.
وبعدين التفت ناحيتي.
هارولد، أعتقد إن الوقت جه نكشف الجزء اللي إليانور كانت بتتكلم عنه في رسالتها.
فتحت عيني باستغراب.
إنت تعرف محتوى الجواب؟
ريتشارد هز راسه.
مش كله. لكن قبل وفاة إليانور بحوالي ستة شهور، هي طلبت مني أحتفظ بنسخة من مستند مهم جدًا. وقالتلي إن لو ظهر خلاف متعلق بملكية الشركة أو بمحاولة نقل أصولها من غير موافقتك، لازم أرجع للمستند ده.
طلع من حقيبته ظرف تاني، أصغر من الأول، عليه ختم مكتب المحاماة.
ولما شفت التاريخ المكتوب عليه، قلبي دق بسرعة.
كان التاريخ قبل وفاة إليانور بشهر واحد.
فتحت الظرف، وبدأت أقرا.
كان عبارة عن ملحق لاتفاقية تأسيس الشركة، موقّع منّي ومن إليانور من سنين طويلة.
لكن في آخر صفحة، كان فيه بند خاص ما كنتش شفته من قبل، أو بالأصح، ما كنتش فاكر تفاصيله.
بند بيحدد إيه اللي يحصل لو حاول أي مسؤول في الشركة الاستيلاء على صلاحيات المالك عن طريق تقديم معلومات مضللة أو تجاوز الإجراءات الرسمية.
رفعت عيني لريتشارد.
إليانور كانت متوقعة إن حاجة زي دي ممكن تحصل؟
رد بهدوء
هي كانت قلقة من توسع صلاحيات بعض المديرين، وطلبت مراجعة الاتفاقية. لكنها ما اتهمتش حد بعينه، وما قالتش إن ديريك هيكون طرف في الموضوع.
ديريك قرب من الترابيزة، محاولًا يشوف الورق.
لكن ريتشارد قفل الملف وقال
المستند ده هيتراجع قانونيًا، وأي إجراء هيتم بناءً عليه لازم يلتزم بالاتفاقية والقانون.
بعدها أعلن رئيس المجلس تأجيل التصويت على الترقية، وبدء مراجعة مستقلة للمعاملات المالية والمراسلات المتعلقة بطلب ديريك.
ديريك خرج من القاعة من غير ما يبص لحد.
أما فانيسا، ففضلت قاعدة مكانها.
بعد ما أعضاء المجلس مشيوا، قربت مني وقالت
بابا، أرجوك، اديني فرصة أصلح كل حاجة.
بصيتلها طويلًا، وبعدين قلت
لو عايزة تصلحي اللي حصل، ابدئي بالحقيقة. مش عايز منك دفاع عن نفسك، ولا كلام عن حقوقك في الميراث. عايز أعرف إيه اللي حصل فعلًا، من غير ما تخبي عني أي حاجة.
هزت راسها، ومسحت دموعها.
وبعدين فتحت شنطتها وطلعت موبايلها.
قالت
فيه تسجيل صوتي يا بابا. سجلته من غير ما ديريك يعرف، من حوالي أسبوع. وقتها ما كنتش فاهمة هو بيخطط لإيه بالظبط، لكن بعد اللي حصل في المقابر، رجعت سمعته تاني.
مدت إيدها بالموبايل ناحيتي.
أعتقد إنك لازم تسمعه.
ريتشارد شغّل التسجيل على مكبر الصوت.
في البداية، سمعنا صوت ديريك وهو بيتكلم عن اجتماع مجلس الإدارة، وعن ضرورة إنه يحصل على الصلاحيات الجديدة قبل نهاية الشهر.
وبعدين سمعناه بيقول جملة خلت ريتشارد يبصلي بصدمة
المشكلة مش في هارولد لوحده... المشكلة إن إليانور كانت سايبة وراه حاجة، ولو عرف مكانها، الخطة كلها هتقع.
التسجيل وقف للحظة، وبعدها ظهر صوت فانيسا وهي بتسأله
إنت تقصد إيه؟ ماما كانت سايبة إيه؟
ديريك رد بصوت منخفض
في مستند قديم، لو ظهر، ممكن يغيّر كل حاجة. وأنا لازم أوصل له قبل أبوكي.
بصيت لريتشارد، وهو كان بيقلب صفحات الملف بسرعة، لحد ما وصل لورقة عليها عنوان قديم لمخزن تابع للشركة، اتقفل من أكتر من عشر سنين.
همسلي
هارولد... ده نفس المكان اللي إليانور طلبت مني أحتفظ بعنوانه في ملف منفصل. أنا كنت فاكر إنه مجرد مخزن مهجور.
بصيت للعنوان، وحسيت إن الماضي كله بيرجع يفتح أبوابه قدامي.
لأن إليانور ما كانتش سايبة رسالة وبس.
كانت سايبة دليلًا على سر قديم، سر ممكن يفسر ليه ديريك كان مستعد يعمل كل ده عشان يوصل له.
لكن السؤال اللي ما قدرتش أجاوب عليه كان
إيه اللي موجود في المخزن المهجور، واللي خلّى ديريك يخاطر بمنصبه ومستقبله عشان يوصله قبل ما أنا أعرف مكانه؟
والأغرب من كده، إن التاريخ المكتوب على ملف المخزن كان هو نفس اليوم اللي بدأت فيه شركتي أول عقد كبير غيّر حياتنا للأبد...
بصيت لريتشارد وقلتله
عايز أروح المخزن ده النهارده. ومش عايز أي حد يعرف إحنا رايحين فين.
ريتشارد قفل الملف، وقال بجدية
هرتب كل حاجة، بس قبل ما نتحرك، لازم أقولك إن فيه حاجة غريبة حصلت الصبح.
سألته
إيه هي؟
فتح اللابتوب بتاعه، ووراني رسالة إلكترونية اتبعتت من حساب إداري تابع للشركة قبل الاجتماع بساعات.
الرسالة كانت طلبًا رسميًا للحصول على مفاتيح المخزن القديم، بحجة إجراء جرد للأصول المهجورة.
والشخص اللي قدم الطلب كان ديريك.
بصيت للساعة وقلت
هو كان عايز يوصل للمخزن قبل الاجتماع.
ريتشارد هز راسه.
بالظبط. ولما الطلب اترفض لأن الموافقة المطلوبة مش موجودة، حاول يدخل من خلال قسم الصيانة، وقال إن عنده تصريح شفهي من الإدارة.
سندت ضهري على الكرسي، وفضلت أفكر.
ديريك ما كانش بيدور على ترقية وبس.
كان بيدور على حاجة إليانور سابتها، ومستعد يخاطر بمستقبله عشان يوصل لها.
أما فانيسا، فكانت قاعدة قصادي، بتسمع كل كلمة، وملامحها بتتغير مع كل معلومة جديدة.
قالت بصوت ضعيف
بابا، أنا عمري ما سمعت عن المخزن ده. هو كان بيقول إن كل ممتلكات الشركة القديمة اتباعت أو اتنقلت لمخازن جديدة.
بصيتلها وقلت
وده بالظبط اللي هنحاول نفهمه.
بعد حوالي ساعة، كنت أنا وريتشارد في العربية، متجهين ناحية المنطقة الصناعية القديمة، في الجزء اللي بدأت فيه الشركة أول أيامها.
الطريق كان مختلف تمامًا عن اللي فاكره.
المخازن القديمة اتحولت لمباني حديثة، وشوارع كانت زمان ترابية بقت مليانة شاحنات ومكاتب وشركات جديدة.
لكن لما وصلنا للمكان المحدد، حسيت إني رجعت بالزمن أربعين سنة لورا.
كان فيه مبنى صغير من الطوب الأحمر، بابه الحديدي عليه صدأ، واليافطة القديمة اللي كانت مكتوب عليها اسم شركتي اختفى منها نص الحروف.
نزلت من العربية، ووقفت قدام الباب.
افتكرت أول يوم جيت فيه المكان ده مع إليانور.
كنا لسه متجوزين من كام سنة، وما كانش معانا فلوس تكفينا نأجر مكتب محترم.
هي اللي أصرت وقتها إننا نستأجر المخزن ده، وقالتلي
مش مهم نبدأ منين يا هارولد، المهم نعرف إحنا رايحين فين.
ابتسمت رغم الوجع اللي جوايا.
ريتشارد طلع مفتاحًا قديمًا من الملف، وجربه في القفل.
المفتاح ما فتحش.
فاضطر يتصل بمسؤول الممتلكات السابق، وبعد شوية وصل راجل كبير في السن اسمه فرانك، كان شغال معايا من أيام الشركة الأولى.
أول ما شافني، وقف مكانه وقال بدهشة
يا نهار أبيض! أستاذ هارولد؟ أنا كنت فاكر إنك مش هترجع هنا تاني!
صافحته وسألته
إنت لسه معاك مفتاح المخزن؟
فرانك بص ناحية الباب، وبعدها قال
معايا مفتاح، بس فيه حاجة لازم تعرفها. من حوالي أسبوع، جه راجل هنا وسألني عن المخزن. قال إنه من الإدارة، وإنه محتاج يراجع ملفات قديمة.
سألته بسرعة
كان ديريك؟
هز راسه.
أيوه، هو بنفسه. ولما قلتله إن لازم أرجعلك قبل ما أسمحله يدخل، اتعصب ومشي.
بصيت لريتشارد.
دلوقتي بقى عندنا دليل تاني إن ديريك كان بيحاول يوصل للمكان قبلنا.
فرانك فتح الباب، ودخلنا.
التراب كان مالي المكان، والرفوف القديمة متغطية بأقمشة باهتة، وصناديق الكرتون مرصوصة في أركان المخزن.
لكن الغريب إن وسط كل الفوضى دي، كان فيه مكتب خشبي صغير نضيف نسبيًا، وفوقه صورة قديمة ليا أنا وإليانور، يوم ما استلمنا أول عقد نقل كبير.
قربت من الصورة، ومسحت التراب
تم نسخ الرابط