الخدامه نامت
المحتويات
من الملف، وأول ما شاف التوقيع، وشه شحب.
أما مريم، فكانت واقفة مش فاهمة أي حاجة، لحد ما راشد لفّ لها الملف وقال
إنتِ تعرفي إن فيه حد مسجل إنك استلمتي مبلغ كبير من خزنة القصر، وإنتِ أصلًا ما قربتيش منها؟!
مريم شهقت وحطت إيدها على بقها.
إيه؟! والله العظيم ما أخدت أي فلوس يا سيدي!
راشد قفل الملف بقوة، وقال
أنا مصدق إن فيه حاجة غلط لكن اللي مش مفهوم، إن التوقيع ده معمول بطريقة تخلي أي حد يفتكر إنك إنتِ اللي كتبتيه.
وبعدين بص لعم سالم وقال
محدش يخرج من القصر النهارده قبل ما أعرف مين عمل كده.
لكن في اللحظة دي، صوت نوال جه من ورا الباب
سيدي فيه حاجة لازم أقولها لحضرتك عن مريم، قبل ما حضرتك تاخد أي قرار!
مريم بصت ناحية الباب، ووشها بقى أبيض من الخوف.
لأنها كانت عارفة إن نوال مش جاية تقول الحقيقة
دي جاية تقلب التهمة عليها، وتخلي الشيخ راشد يصدق إنها سارقة!
والأخطر إن نوال كانت معاها ورقة تانية، لو الشيخ شافها، ممكن كل حاجة تتغير تمامًا
يتبع
الجزء التالت
نوال دخلت على الشيخ راشد باتهام خطير لكن اللي حصل بعدها قلب خطتها ضدها!
نوال دخلت الأوضة بخطوات ثابتة، وفي إيديها ورقة مطوية، وعلى وشها ملامح الحزن المصطنع.
بصت لمريم، وهزت راسها كأنها مش قادرة تصدق اللي شافته، وبعدين التفتت للشيخ راشد وقالت
أنا كنت خايفة اليوم ده ييجي يا سيدي، بس طالما حضرتك عرفت موضوع الفلوس، يبقى لازم أقول الحقيقة كلها.
مريم حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
كدب يا سيدي! أنا معملتش حاجة!
نوال رفعت إيدها باعتراض.
استني يا مريم، أنا لسه ما قلتش حاجة! ليه خايفة كده لو إنتِ بريئة؟
راشد ضرب بإيده على المكتب وقال بحزم
محدش هيتكلم غير لما أطلب منه. نوال، إنتِ قلتي إن عندك دليل، اتفضلي ورّيني.
نوال مدت له الورقة.
راشد فتحها وبدأ يقرا، وكل ما عينه تتحرك من سطر للتاني، ملامحه كانت بتتغير.
الورقة كانت عبارة عن إقرار باستلام مبلغ مالي من خزنة القصر، وعليها اسم مريم وتوقيع منسوب ليها.
نوال قالت بسرعة
أنا بنفسي شفتها يومها خارجة من الممر اللي جنب مكتب الحسابات. ولما سألتها كانت مرتبكة جدًا. وقتها ما حبيتش أظلمها، وقلت يمكن يكون فيه تفسير، لكن بعد اللي حصل النهارده، أنا شايفة إن حضرتك لازم تاخد موقف.
مريم دموعها نزلت بغزارة.
والله ما دخلت مكتب الحسابات أصلًا! أنا حتى معرفش الخزنة مكانها فين!
راشد رفع عينه من الورقة وسأل نوال
إنتِ بتقولي إنك شفتيها خارجة من الممر ده بنفسك؟
أيوه يا سيدي.
والورقة دي كانت معاكي من إمتى؟
نوال اتلخبطت للحظة، لكنها ردت بسرعة
من يوم ما اكتشفت الموضوع.
راشد حط الورقة على المكتب، وقال بهدوء غريب
تمام. يبقى هنراجع كل حاجة، ومحدش هيتظلم.
نوال ما عجبهاش الرد.
كانت متوقعة إنه يأمر بطرد مريم فورًا، خصوصًا بعد ما لقاها نايمة في سريره. لكنها بدأت تحس إن الشيخ راشد مش هيمشي الأمور بالطريقة اللي رسمتها.
فقالت بنبرة فيها اعتراض
بس يا سيدي، وجودها في القصر بقى خطر. إحنا مش عارفين هي ممكن تعمل إيه تاني!
راشد بص لها نظرة حادة.
الغريب إنك مستعجلة أوي على طردها، أكتر من استعجالك على معرفة مين اللي سرق الفلوس فعلًا!
نوال سكتت فجأة.
أما مريم، فرفعت عينيها للشيخ، ولأول مرة من ساعة ما دخل الأوضة، حسّت إن فيه حد ممكن يسمعها من غير ما يحكم عليها.
لكن راشد لسه ما كانش وصل للحقيقة.
بعد حوالي نص ساعة، طلب الشيخ راشد من عم سالم يجيب مسؤول الحسابات، ويستدعي حارس البوابة اللي كان موجود يوم اختفاء الفلوس.
ولما الاتنين وصلوا، بدأ يسألهم بالتفصيل.
مسؤول الحسابات أكد إن المبلغ اختفى فعلًا، وإن سجل الخزنة اتراجع أكتر من مرة، لكن مفيش دليل واضح يحدد مين أخده.
أما حارس البوابة، فقال إن مريم ما خرجتش من القصر في اليوم المذكور.
نوال قاطعته بسرعة
وده معناه إيه؟ ما هي ممكن تكون خبّت الفلوس جوه!
راشد لف ناحيتها ببطء.
أنا ما سألتكيش يا نوال.
سكتت، ووشها احمر من الإحراج.
بعدها طلب راشد من مسؤول الحسابات يراجع توقيع الإقرار مع التوقيعات الموجودة في سجلات الموظفين.
الرجل أخد الورقة، وفضل يقارن بين التوقيعات لدقايق طويلة.
وفجأة رفع راسه وقال
سيدي، فيه مشكلة.
راشد سأله
إيه هي؟
مسؤول الحسابات أشار للتوقيع.
التوقيع ده مش مطابق لتوقيع مريم الموجود في ملف تعيينها. فيه اختلاف واضح في طريقة كتابة حرفين، وكمان شكل الأرقام في المبلغ مش زي الأرقام اللي اتكتبت في باقي السجل.
نوال اتحركت في مكانها بتوتر.
راشد لاحظ الحركة، لكنه ما علّقش.
بدل كده، سأل مسؤول الحسابات
تقدر تعرف مين كتب الورقة؟
مش أقدر أجزم من التوقيع وحده يا سيدي، لكن أقدر أراجع سجلات الدخول لمكتب الحسابات، وأشوف مين كان عنده وصول للملفات.
راشد هز راسه.
ابدأ فورًا.
وبعدين التفت لمريم وقال
لحد ما نعرف الحقيقة، محدش له حق يتهمك أو يهددك. وإنتِ هتكملي شغلك في مواعيد محددة، وأي حد يطلب منك شغل زيادة عن المطلوب يرجعلي أنا.
مريم ما قدرتش تمنع دموعها.
شكرًا يا سيدي أنا والله كل اللي عايزاه إني أشتغل بالحلال، وأساعد أمي وإخواتي.
راشد سألها باهتمام
إنتِ اللي بتصرفي على أمك وإخواتك؟
مريم هزت راسها.
أيوه. بابا اتوفى من تلات سنين، وماما تعبانة ومش بتقدر تشتغل. وأنا أكبر إخواتي، ولو خسرت الشغل ده مش عارفة هنعيش إزاي.
راشد سكت لحظة، وبعدين قال
كان ممكن تقولي إنك تعبانة بدل ما توصلي نفسك للحالة دي.
مريم ردت بصوت مكسور
أنا حاولت يا سيدي، بس كل مرة كنت بطلب فيها أخلص بدري، كانوا بيقولولي إن فيه ناس كتير مستنية مكاني.
الجملة دي خلت راشد يبص ناحية نوال.
لكن نوال كانت بدأت تحس إن الدائرة بتضيق عليها، فقررت تستخدم آخر ورقة معاها.
قالت فجأة
بما إن حضرتك مهتم تعرف ظروف مريم، يبقى لازم تعرف كمان إنها كانت بتسأل عن صاحب القصر القديم، وإنها دخلت غرفة الأرشيف أكتر من مرة من غير إذن!
عم سالم اتفاجئ.
إنتِ بتقولي إيه يا نوال؟!
مريم بصت لها بصدمة.
أنا دخلت غرفة الأرشيف مرة واحدة بس، لما حضرتك طلبتي مني أنضفها!
نوال ردت بسرعة
أنا ما طلبتش منك تدخلي الغرفة دي أبدًا!
راشد رفع إيده، فالجميع سكت.
صاحب القصر القديم؟ تقصدي مين؟
نوال اترددت، وبعدين قالت
أقصد والد حضرتك، الله يرحمه. مريم كانت بتسأل عنه وعن صورته القديمة اللي موجودة في الأرشيف.
أول ما سمِع اسم والده، وش راشد اتغير.
لأن والده، الشيخ حمدان، كان متوفي من سنين طويلة، والقصر ده تحديدًا كان مرتبط بذكريات قديمة ما كانش بيحب يتكلم عنها.
بص لمريم وسألها
إنتِ كنتِ بتدوري على صورة والدي ليه؟
مريم اترددت، وبعدين مدت إيدها ناحية جيب مريولها، وطلعت منه صورة صغيرة قديمة، أطرافها متآكلة من كتر ما اتلمست.
حطتها قدام الشيخ وقالت
أنا ما كنتش بدور على صورته يا سيدي أنا كنت بدور على اسم مكتوب ورا الصورة دي.
راشد أخد الصورة.
قلبها على ضهرها، وأول ما قرأ الاسم المكتوب بخط قديم، وقف من مكانه فجأة!
الاسم كان اسم والدته، ومعاه تاريخ قديم جدًا، وتحتهم جملة قصيرة مكتوبة بخط إيده هو شخصيًا وهو طفل!
بص لمريم بذهول وقال
إنتِ جبتي الصورة دي منين؟!
مريم ردت وهي بتترعش
الصورة دي كانت مع أمي من سنين، وقبل ما تموت جدتي بأيام، قالتلي لو في يوم اشتغلت في قصر الشيخ حمدان أو قابلت حد من عيلته، لازم أسأل عن الحكاية اللي وراها.
راشد قبض على الصورة، وعينيه بدأت تتحرك بين الكلمات كأنه بيحاول يفتكر حاجة ضاعت منه من سنين.
وبعدين سألها بصوت خافت
وإيه اسم جدتك؟
مريم قالت الاسم.
وفي اللحظة دي، الشيخ راشد رجع خطوتين لورا، وسند إيده على المكتب.
عم سالم قرب منه بقلق
سيدي، حضرتك كويس؟
لكن راشد ما ردش.
كان فاكر الاسم ده كويس جدًا.
لأنه كان اسم ست اختفت من حياة عيلته من أكتر من عشرين سنة، وبعد اختفائها حصل خلاف كبير بين والده وأحد أقرب الناس ليه، وخلافهم ده كان السبب في إن القصر البعيد يفضل مقفول معظم السنة.
أما نوال، فكانت واقفة جنب الباب، بتبص للصورة في رعب واضح.
لأنها عرفت الصورة دي من أول لحظة شافتها فيها.
وكانت فاكرة إنها اختفت للأبد!
راشد رفع عينه ناحية مريم، وقال ببطء
مريم إنتِ تعرفي إن الصورة دي ممكن تغيّر كل اللي أنا فاكره عن عيلتي؟
مريم هزت راسها بالنفي.
لأ يا سيدي، أنا ما أعرفش غير الكلام اللي جدتي قالتهولي.
راشد أخد نفس عميق، وبعدها قال جملة خلت عم سالم ونوال يبصوا لبعض بذهول
بكرة الصبح، هنروح المكان اللي الصورة دي اتصورت فيه وهناك هنعرف الحقيقة.
لكن قبل ما مريم تخرج من الأوضة، نوال قربت منها وهمست بصوت ما سمعوش غيرها
إنتِ مش فاهمة إنتِ فتحتي على نفسك أنهي باب ولو الشيخ عرف السر كله، مش إنتِ لوحدك اللي حياتها هتتغير!
ومريم لأول مرة بدأت تشك إن سبب خوف نوال منها مش موضوع الفلوس أصلًا وإن نومها في سرير الشيخ راشد كان مجرد بداية لحكاية أكبر بكتير!
يتبع
الجزء الرابع
السر اللي اتخبّى أكتر من عشرين سنة والباب اللي الشيخ راشد خاف يفتحه!
مريم فضلت طول الليل مش عارفة تنام.
كل ما تقفل عينيها، تفتكر نظرة الشيخ راشد لما شاف الصورة، وكلام نوال اللي همسته في ودنها قبل ما تمشي.
لو الشيخ عرف السر كله، مش إنتِ لوحدك اللي حياتها هتتغير!
يا ترى إيه السر اللي ممكن يقلب حياتها بالشكل ده؟ وإيه علاقة جدتها بعيلة الشيخ حمدان؟
أما الشيخ راشد، فكان قاعد في مكتبه لوحده، قدامه الصورة القديمة، وبيحاول يفتكر تفاصيل طفولته.
كان عنده حوالي عشر سنين لما أبوه أخده للقصر البعيد ده لأول مرة. فاكر إنه كان فيه ست كبيرة بتزورهم باستمرار، وكانت أمه بتعاملها كأنها واحدة من العيلة. وفجأة، الست اختفت، وأبوه منع أي حد يجيب سيرتها تاني.
ولما راشد سأله عنها، أبوه قال له جملة عمره ما نسيها
يا راشد، مش كل حقيقة لازم تعرفها وإنت صغير. فيه أسرار لو ظهرت في الوقت الغلط، ممكن تضيّع عيلة كاملة.
وقتها ما فهمش معنى الكلام.
لكن دلوقتي، بعد السنين دي كلها، الصورة رجعت تفتح باب كان فاكر إنه اتقفل للأبد.
مد إيده للتليفون، واتصل بمحاميه القديم، الأستاذ فؤاد.
أول ما الراجل رد، راشد قال من غير مقدمات
فؤاد، فاكر الست اللي اختفت من حياة والدي من أكتر من عشرين سنة؟
سكت فؤاد شوية، وبعدين رد بحذر
أيوه يا راشد بيه فاكرها طبعًا. بس إنت ليه بتسأل عنها دلوقتي؟
متابعة القراءة