سنه 1995 حكايات زيزي

لمحة نيوز

كأنه بيطلب منها متسيبهوش لوحده.
همست لنفسها
يا حبيبي... إنت كنت صغير أوي، ومكنش عندك أي وسيلة تقول بيها إنك خايف.
لكن العامل كمل كلامه، وقالها إن الغوريلا مع مرور السنين بقى أقوى وأكثر استقلالًا، وإنه اتعلم يتعامل مع البيئة المحيطة بيه، وبقى عنده روتين يومي وحياة مستقرة داخل المحمية.
ومع ذلك، ماريا كان عندها سؤال واحد مش قادرة تبعده عن تفكيرها
طب إزاي عرفني بعد كل السنين دي؟ أنا نفسي مش قادرة أصدق!
العامل ابتسم وقالها
اللي نقدر نقوله إن رد فعله لما شافك كان مميز جدًا... لكن إحنا منقدرش نجزم هو فاكر إيه بالضبط، أو إيه اللي خلاه يتصرف بالطريقة دي.
ماريا هزت راسها، لأنها فهمت إن محدش يقدر يدخل عقل الغوريلا ويعرف بالضبط إيه اللي بيدور جواه.
لكن في اللحظة دي، حصل موقف خلّاها تنسى كل الأسئلة اللي كانت بتدور في دماغها! 
الغوريلا كان قاعد على مسافة قريبة منها، وفجأة قام من مكانه، ومشي ناحيتها تاني.
المرة دي ماريا فضلت ثابتة، وراقبته وهو بيقرب بهدوء، لحد ما وقف قدامها.
مد إيده الكبيرة ناحية إيدها، فماريا مدت إيدها هي كمان بحذر، وتحت إشراف العاملين في المحمية، فضلت للحظات بتتأمل ملامحه.
بصت في عينيه، وابتسمت وسط دموعها، وقالت
بص بقيت كبير إزاي! أنا كنت بشيلك بين إيديا وإنت أصغر من كده بكتير!
الزوار اللي كانوا بيتفرجوا من بعيد سكتوا تمامًا، وكأن كل واحد فيهم بيحاول يستوعب المشهد.
لكن ماريا مكنتش عايزة تكتفي باللحظة دي وخلاص.
كان نفسها تعرف كل حاجة عن حياته، وعن الأيام اللي عاشها بعيد عنها، وعن الشخصيات اللي ساعدته يتجاوز خوفه ويكبر في بيئة آمنة.
وعشان كده، قررت تطلب من العاملين في المحمية إنهم يحكولها بالتفصيل عن رحلته من أول يوم وصل فيه لحد اللحظة دي.
لكن أول ما بدأت تشوف الصور القديمة المحفوظة في سجلات المحمية، وقعت عينيها على صورة خلتها تسكت تمامًا...
صورة للغوريلا في أيامه الأولى بعد الإنقاذ، وهو لسه صغير جدًا، قاعد في ركن هادي من المكان، وحاضن لعبة قماشية صغيرة كانت المحمية موفراها له.
ماريا قربت الصورة من عينيها، وفضلت تتأملها، وبعدين سألت العامل
الصورة دي اتصورت إمتى؟ وإيه حكاية اللعبة دي؟ 
العامل بص للصورة، وبعدها رجع بص لماريا، وبدأ يشرح لها إيه اللي كان بيميز المرحلة دي من حياة الغوريلا...
والتفاصيل اللي عرفتها عن أول أيامه في المحمية خلتها تفهم قد إيه إنقاذ حيوان صغير من الخطر مش مجرد نقله لمكان آمن، لكنه مسؤولية بتستمر سنين طويلة.
يتبع... 
ماريا فضلت ماسكة الصورة القديمة، وعينيها بتتنقل بين ملامح الغوريلا الصغير اللي فيها، والغوريلا الضخم اللي واقف قدامها دلوقتي.
وسألت العامل بلهفة
هو كان بيعمل إيه باللعبة دي؟ وليه محتفظين بالصورة لحد النهارده؟
العامل ابتسم، وبدأ يشرح لها إن صغار الغوريلا اللي بيفقدوا أمهاتهم بدري ممكن يمروا بفترة صعبة جدًا، خصوصًا لو تعرضوا للخوف والجوع قبل إنقاذهم. وإن وجود بيئة آمنة ورعاية مناسبة بيساعدهم تدريجيًا على التأقلم.
وأضاف إن اللعبة كانت واحدة من الحاجات اللي كانت موجودة في مكان رعايته وقتها، وإن الصورة اتاخدت لتوثيق المرحلة دي من حياته.
ماريا نزلت الصورة ببطء، ومسحت دموعها، وقالت
أنا كل اللي كنت بتمناه وقتها إنه يعيش... مكنتش أعرف إذا كان هيقدر يتجاوز كل اللي شافه ولا لأ.
لكن العامل طمأنها إن الغوريلا كبر، وإنه بقى قادر يتعامل مع حياته داخل المحمية، وإن الفريق المسؤول عنه كان بيتابع احتياجاته وسلوكه على مدار السنين.
ماريا ابتسمت أخيرًا، وكأن حملًا تقيلًا اتشال من على قلبها.
لكن المفاجأة إن الزيارة نفسها كانت لسه مستمرة!
بعد شوية، العامل أشار لها إن الوقت قرب يخلص، وإن الأفضل إنها تسيب الغوريلا يرجع لروتينه الطبيعي، من غير ما تضغط عليه أو تحاول تجبره على أي تفاعل.
ماريا هزت راسها بالموافقة، وبدأت تستعد للمغادرة.
وقبل ما تتحرك، بصت للغوريلا وقالت بصوت مليان حنان
أنا مبسوطة إني شوفتك... وأهم حاجة عندي إنك تكون بخير.
وبعدين بدأت تمشي ببطء.
لكن بعد خطوات قليلة، سمعت صوت حركة وراها!
لفت راسها، ولقت الغوريلا واقف في مكانه، متابعها بعينيه.
ماريا وقفت لحظة، وقلبها اتقبض من التأثر. مكنتش عارفة إذا كان فاهم إنها بتمشي، ولا مجرد منتبه لحركتها، لكن المشهد لمس قلبها بشكل مش قادرة توصفه.
واحد من العاملين قال لها بهدوء
سيبيه ياخد وقته... أهم حاجة إن اللقاء ينتهي وهو مرتاح.
ماريا أخدت نفس عميق، وابتسمت له للمرة الأخيرة، وبعدها خرجت من المكان.
طول الطريق، كانت بتفتكر اليوم اللي أنقذته فيه، وبتقارن بين صورته القديمة وصورته دلوقتي.
وقتها فهمت إن إنقاذ الحيوانات مش معناه إننا نقدر نعرف هي فاكرة إيه، أو بتحس بإيه بالضبط... لكن معناه إننا نديها فرصة تعيش من غير خوف وجوع، وتكبر في أمان.
ومع ذلك، كان فيه سؤال واحد فضل شاغل ماريا بعد الزيارة هل اللقاء ده هيكون آخر مرة تشوفه فيها، ولا هتقدر ترجع وتطمن عليه من جديد؟ 
ولأول مرة من سنين طويلة، ماريا قررت إنها مش عايزة تسيب الذكرى دي مجرد صورة قديمة في حياتها... كانت عايزة تفضل جزء من رحلتها في حماية الحيوانات البرية، وتساعد حيوانات تانية تاخد نفس الفرصة اللي أخدها الغوريلا الصغير زمان.
لأنها عرفت إن أحيانًا، اللحظة اللي بننقذ فيها حياة كائن ضعيف بتفضل علامة فارقة
تم نسخ الرابط