سنه 1995 حكايات زيزي
في حياتنا إحنا كمان.
بعد الزيارة دي، ماريا رجعت بيتها وهي شايلة جواها مشاعر متلخبطة بين الفرحة والحزن والدهشة.
كانت فرحانة لأنها شافته أخيرًا بعد 28 سنة، لكن في نفس الوقت، كانت بتفكر في كل الحيوانات الصغيرة اللي ممكن تكون لسه بتعاني في الغابات، ومحدش وصل لها عشان ينقذها.
وفي الليلة دي، فتحت ماريا ألبوم الصور القديم اللي محتفظة فيه بذكرياتها مع الحيوانات اللي ساهمت في إنقاذها على مدار السنين.
قلبت الصفحات واحدة ورا التانية، لحد ما وصلت لصورة الغوريلا الصغير.
وقفت عندها طويلًا، وابتسمت وهي بتقول لنفسها
مين كان يصدق إن الطفل الصغير الخايف ده هيكبر ويبقى بالقوة دي كلها؟!
لكن أكتر حاجة أثرت فيها إنها افتكرت إزاي كانت خايفة عليه في أول أيامه، وإزاي كانت بتتمنى بس إنه يعيش لحد ما يقدر يعتمد على نفسه.
وفي الأيام اللي بعدها، بدأت تحكي لزمايلها عن الزيارة، وعن المفاجأة اللي عاشتها لما شافت الغوريلا بيتفاعل معاها بالشكل ده.
لكنها كانت حريصة على نقطة مهمة جدًا إنها متقدرش تؤكد إن الغوريلا احتفظ بذكرى واضحة عنها طوال ال سنة، رغم إن رد فعله وقت اللقاء كان مؤثرًا بالنسبة لها.
وقالت لواحد من زملائها
يمكن هو فاكرني فعلًا، ويمكن وجودي فكّره بإحساس قديم بالأمان... أنا مش هقدر أعرف اللي جواه، لكن اللي أعرفه إني سعيدة إنه عاش وكبر وبقى في مكان آمن.
والكلام ده خلّاها تفكر في معنى أعمق من مجرد لقاء بين إنسانة وحيوان بري.
إيه اللي بيحصل لما كائن اتعرض للخوف والأذى يلاقي أخيرًا حد يعامله برفق؟
ماريا كانت عارفة إن مفيش إجابة واحدة تنطبق على كل الحيوانات، وإن كل واحد منهم له تجربته وطبيعته، لكن تجربتها علمتها إن الرعاية والصبر والبيئة الآمنة ممكن يغيروا حياة حيوان بالكامل.
وبعد مرور فترة، رجعت ماريا تركز في شغلها، وواصلت دعم جهود حماية الحيوانات البرية، وهي شايلة ذكرى اللقاء ده في قلبها.
أما الغوريلا، ففضلت حياته مستمرة داخل المحمية، وسط الرعاية والاهتمام اللي محتاجهم.
وماريا مكنتش محتاجة تعرف إذا كان فاكر كل تفاصيل الماضي ولا لأ؛ لأنها كانت شايفة قدامها النتيجة الأهم إن الحيوان الصغير اللي أنقذته من ظروف قاسية سنة 1995، قدر يعيش ويكبر ويلاقي فرصة لحياة أفضل.
لكن فيه درس أخير ماريا خرجت بيه من الحكاية دي...
إن الرحمة مش لازم تكون وعدًا إننا هنفضل مع حد طول عمره، ولا إننا هنقدر نعرف إذا كان فاكر كل حاجة عملناها عشانه.
أحيانًا، الرحمة الحقيقية هي إنك تساعد كائن ضعيف يقف على رجليه، وتوفر له الأمان، وبعدها تسيبه يكمل حياته بحرية.
وسواء كان الغوريلا فاكر ماريا فعلًا بعد كل السنين دي، أو كان بيتفاعل معاها بطريقة تانية، فاللقاء فضل لحظة مؤثرة بتفكّرنا بقيمة إنقاذ الأرواح، وبأهمية حماية الحيوانات اللي ملهاش صوت تقدر تطلب بيه المساعدة.
وفي نهاية الحكاية، ماريا فضلت محتفظة بصورة الغوريلا الصغير في ألبومها، لكن الصورة دي مبقتش مجرد ذكرى من الماضي؛ بقت دليل بالنسبة لها على إن لحظة رحمة واحدة ممكن تكون بداية حياة جديدة لكائن كان على وشك إنه يفقد كل حاجة.
سنة 1995، كان الغوريلا ده مجرد طفل صغير مرعوب، ضعيف ومحتاج حد يحميه. وبعد ما اتنقذ واتنقل لمكان آمن، قدر يكبر ويعيش وسط الرعاية والاهتمام، لحد ما بقى الغوريلا الضخم اللي ماريا قابلته بعد حوالي 28 سنة.
ويمكن محدش يقدر يعرف على وجه اليقين إيه اللي كان بيدور في عقله وقت اللقاء، أو إذا كان فعلًا فاكر ماريا من أيام طفولته، لكن رد فعله كان كفاية عشان يخلي اللحظة دي محفورة في ذاكرتها للأبد.
ماريا دخلت المحمية وهي فاكرة إنها مجرد زيارة لحيوان أنقذته من سنين طويلة، لكنها خرجت منها وهي حاسة إن الرحلة دي فكّرتها بسبب اختيارها إنها تكرّس حياتها لحماية الحيوانات البرية.
لأن أجمل حاجة في الإنقاذ مش إنك تكون بطل في حكاية حد، لكن إنك تديه فرصة يعيش حكاية جديدة، حتى لو في يوم من الأيام مشيت بعيد عنه.
ومن يومها، فضلت حكاية الغوريلا وماريا تذكيرًا لكل اللي يسمعوها إن الرحمة مش محتاجة كلام، وإن مساعدة كائن ضعيف ممكن تسيب أثرًا عميقًا في حياتنا، حتى لو مش عارفين أبدًا إيه اللي هيفضل فاكره من اللحظة دي.
يا ترى، لو كنت مكان ماريا، كنت هتقدر تستنى 28 سنة من غير ما تعرف إذا كان الحيوان اللي أنقذته لسه عايش، ولا كنت هتحاول تزوره كل ما تقدر؟
اللهم ارزقنا قلوبًا رحيمة بكل مخلوقاتك، واجعلنا سببًا في إنقاذ روح، أو تخفيف ألم، أو نشر الرحمة في الدنيا. آمين.