بنتي الصغيرة حكايات زيزي
المحتويات
اللعبة من جديد، لكن المرة دي من غير أسرار تقلق حد.
وقبل ما بابا يمشي، ناداني على جنب وقال
عايز أقولك حاجة يا بنتي. ساعات الواحد بيكون قصده يعمل حاجة حلوة، لكنه ما بياخدش باله إن طريقته ممكن تخوّف اللي بيحبهم. وأنا اتعلمت النهارده إن الثقة مش معناها إننا مانسألش، الثقة معناها إننا نقدر نسأل ونتكلم بصراحة.
الكلام ده فضّل في بالي طول الليل.
أنا كنت محظوظة إن الموقف انتهى بمفاجأة جميلة واعتذار صادق، لكن اتعلمت درس مهم لما طفل يحكي عن لعبة أو موقف بيقلقه، لازم نسمعه بهدوء، ونسأله من غير ضغط، وما نفترضش إننا فاهمين كل حاجة من البداية.
والأهم من ده كله، إن الطفل لازم يعرف إن جسمه ملكه، وإن من حقه يرفض أي حاجة مش مريحاه، وإنه يقدر يحكي لأهله عن أي موقف من غير خوف أو إحساس بالذنب.
ومن يومها، بقيت أدي إيميلي مساحة تحكيلي عن يومها وألعابها وأي حاجة بتشغل بالها، من غير ما أخليها تحس إنها متهمة أو إنها عملت حاجة غلط.
لأن أوقات كتير، السؤال الهادي والاهتمام الحقيقي بيكونوا أهم من ألف نصيحة.
تاني يوم الصبح، كنت قاعدة بفطر مع إيميلي، وفجأة قالتلي حاجة خلتني أبصّلها باستغراب.
ماما، هو ينفع أعمل مفاجأة لجدو زي ما هو عملّي؟
ابتسمت وقلتلها
طبعًا يا حبيبتي، نفسك تعمليله إيه؟
قالت بحماس
عايزة أعمله صندوق فيه صورنا كلنا، وأحط فيه صورة تيتة كمان، علشان لما يفتقدها يبص عليها ويفتكرها.
اتأثرت جدًا بكلامها، وحضنتها وقلتلها إن فكرتها جميلة، وبدأنا نجهّز الصندوق سوا.
لكن وإحنا بنرتّب الصور، لقيت إيميلي طلّعت ورقة صغيرة من بين الصور القديمة، وقالتلي
ماما، هو ده إيه؟ أنا لقيته جوه الصندوق بتاع جدو امبارح!
أخدت الورقة منها، ولقيتها جواب قديم مكتوب بخط إيد أمي.
كان مكتوب فيه
يا جورج، لو بنتنا كبرت وبقى عندها أطفال، نفسي تفضل فاكرة إن أجمل حاجة نقدر نديهالهم مش الهدايا، لكن الوقت اللي بنقضيه معاهم، والحكايات اللي بنحكيهالهم، والذكريات اللي بتفضل عايشة حتى بعد ما نمشي.
حسّيت بعيني بتدمع، لأن أمي كانت دايمًا بتحب تجمعنا وتحكي لنا حكايات عن طفولتها.
لكن اللي لفت نظري إن الجواب كان متني بطريقة غريبة، وكأن فيه جزء تاني مستخبي جواه.
فتحته بحرص، ولقيت صورة صغيرة وقعت منه.
كانت صورة ليا وأنا طفلة، واقفة جنب أمي قدام بيتنا القديم، وفي إيدها مفتاح صغير.
قلّبت الصورة، ولقيت أمي كاتبة على ضهرها
المكان اللي خبّينا فيه أجمل ذكرياتنا.
فضلت أبص للصورة وأنا بحاول أفتكر المكان ده.
وفجأة، افتكرت حاجة!
كان فيه صندوق خشبي قديم أمي كانت بتحتفظ فيه بألعابي وأنا صغيرة، وكانت دايمًا تقولّي إن فيه مفاجأة مستنياني جواه لما أكبر.
لكن بعد وفاتها، الصندوق اختفى، وأبويا عمره ما اتكلم عنه تاني.
قررت أسأله عنه أول ما ييجي.
وبالفعل، لما جه بعد الضهر، وريته الصورة والجواب، وسألته
بابا، إيه حكاية الصندوق الخشبي اللي ماما كانت مخبّياه؟ وإيه المكان اللي كاتبة عنه هنا؟
أول ما شاف الصورة، سكت تمامًا.
وبعد لحظات، قعد على الكرسي، وفضل يبص للصورة كأنه رجع سنين طويلة لورا.
وبعدين قال بصوت هادي
كنت عارف إن اليوم ده هييجي، بس ماكنتش متوقع إنك هتكتشفي الموضوع بالطريقة دي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
موضوع إيه يا بابا؟ إنت تعرف الصندوق فين؟
هزّ راسه وقال
أيوه يا بنتي، أنا عارف مكانه. بس الصندوق ده مش مجرد ألعاب قديمة زي ما إنتِ فاكرة. أمك سابتلك جواه حاجة كانت نفسها توصلهالك لما تكبري.
سألته بلهفة
طب ليه ماقلتليش عنه طول السنين دي؟
بصّلي بحزن وقال
لأن أمك طلبت مني ما أفتحوش غير لما تكوني مستعدة تعرفي الحكاية كاملة.
وبعدين قام من مكانه، وراح ناحية دولاب قديم في الصالة، وطلع من درج صغير مفتاح نحاسي قديم.
حط المفتاح في إيدي وقال
بكرة الصبح، هوديكي المكان اللي الصندوق موجود فيه. وهتعرفي بنفسك ليه أمك احتفظت بيه كل السنين دي.
بصّيت للمفتاح، وبعدها بصّيت لإيميلي اللي كانت واقفة جنبنا وبتسمع الكلام بفضول.
وفجأة، قالت إيميلي جملة خلت جدو يرفع عينيه بسرعة
هو الصندوق ده فيه كمان رسمة أنا رسمتها قبل كده؟ علشان أنا حلمت إني شفت بنت صغيرة شبهي، وكانت بتدور على مفتاح!
أنا وأبوها بصّينا لبعض في دهشة.
أما جدو، فوشّه اتغيّر، وقال بصوت واطي
بنت صغيرة شبهك؟!
إيميلي هزّت راسها وقالت
أيوه يا جدو، وكانت بتقولي إني لازم ألاقي الصندوق قبل عيد ميلادي!
ساعتها، حسّيت إن الموضوع بقى أغرب مما تخيلت.
هل إيميلي كانت فاكرة حاجة شافتها فعلًا وهي صغيرة؟ ولا مجرد حلم اختلط عليها بالواقع؟
وليه أمي كانت مصممة إن الصندوق مايتفتحش غير لما أكبر؟
تاني يوم، رحنا للمكان القديم اللي كان فيه بيت أمي لكن أول ما وصلنا، لقينا الباب مفتوح، والصندوق الخشبي مش في مكانه!
وقفت قدام البيت القديم وأنا مش مصدقة عيني.
الباب كان مفتوح فعلًا، مع إن بابا أكدلي إن محدش دخل المكان من سنين، وإن المفتاح الوحيد معاه.
بصّيتله وقلت بقلق
بابا، إنت متأكد إنك آخر واحد دخل البيت ده؟
رد بسرعة
أيوه يا بنتي، أنا اللي قفلته بنفسي من حوالي شهر، وكل حاجة كانت في مكانها.
دخلنا البيت بحذر، وإيميلي ماسكة إيدي وبتبص حواليها بفضول.
ريحة الخشب القديم كانت مالية المكان، والأثاث متغطي بملايات بيضا، والتراب مغطي الأرض.
لكن أكتر حاجة لفتت نظري كانت آثار خطوات واضحة على الأرض، ماشية من باب البيت لحد أوضة أمي القديمة.
بصّيت لأبويا وقلت
فيه حد دخل هنا فعلًا!
اتحرك بسرعة ناحية الأوضة، وأنا وراه، ولما وصلنا لقينا الدولاب القديم مفتوح، والأدراج متقلّبة، كأن حد كان بيدوّر على حاجة معينة.
صرخت من غير ما أقصد
يا نهار أبيض! هو فيه إيه هنا؟!
بابا ما ردش.
كان واقف قدام الدولاب، ووشه اتغيّر تمامًا.
قربت منه وسألته
مالك يا بابا؟ إنت عرفت حاجة؟
لفّ ناحيتي وقال بصوت متوتر
الصندوق مش هو الحاجة الوحيدة اللي اختفت.
أمال إيه كمان؟
أشار بإيده ناحية رف صغير في آخر الأوضة، وقال
كان فيه ظرف بني هنا، جواه ورق مهم جدًا بالنسبة لأمك، وأنا متأكد إني سيبته في مكانه.
حسّيت إن الموضوع بقى أكبر من مجرد صندوق ألعاب قديم.
سألته
ورق إيه يا بابا؟
اتردد شوية، وبعدين قال
أوراق تخص البيت ده، وحاجات كانت أمك محتفظة بيها من زمان.
قبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، إيميلي شدّت إيدي وقالت
ماما، تعالي شوفي! لقيت حاجة تحت الترابيزة!
بصّينا ناحيتها، لقيناها ماسكة ورقة صغيرة متنية.
أخدتها منها وفتحتها، ولقيت مكتوب بخط أمي
لو وصلتي للمكان ده، يبقى الوقت جه تعرفي الحكاية اللي فضلت مخبياها عنك طول السنين.
حسّيت برعشة في جسمي.
كملت قراءة الرسالة
يا بنتي، فيه حاجة حصلت يوم ما كان عندك ست سنين، وكنت فاكرة إنك نسيتيها. لكن أنا احتفظت بكل التفاصيل، علشان كنت عارفة إنك في يوم من الأيام هتحتاجي تعرفي الحقيقة.
وقفت عن القراءة، وبصّيت لأبويا.
بابا، إيه اللي حصل وأنا عندي ست سنين؟
أبويا نزل عينيه للأرض، وفضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين قال
في اليوم ده، إنتِ اختفيتي من البيت لمدة ساعتين، وإحنا قلبنا الدنيا عليكي. ولما لقيناكي، كنتِ قاعدة في الجنينة القديمة، جنب شجرة الورد، وماكنتيش فاكرة إزاي وصلتي هناك.
حاولت أفتكر، لكن مفيش أي صورة واضحة جت في بالي.
قلتله
أنا مش فاكرة حاجة زي دي خالص!
رد بهدوء
عارف يا بنتي. كنتِ صغيرة، وبعدها أمك قالت إن الأفضل مانضغطش عليكي بأسئلة كتير.
بصّيت للرسالة تاني، ولاحظت إن فيه سطر أخير مكتوب تحت الكلام، بخط أصغر من باقي الرسالة
دوري تحت شجرة الورد، هتلاقي أول دليل.
خرجنا للجنينة، وكانت مهملة تمامًا، والأعشاب الطويلة مغطيّة جزء كبير منها.
لكن شجرة الورد القديمة كانت لسه موجودة.
قربت منها، وبدأت أدور حوالين جذعها، لحد ما رجلي خبطت في حاجة صلبة تحت التراب.
جبت عصاية صغيرة، وشلت التراب بحذر، لحد ما ظهر صندوق معدني صغير، عليه قفل قديم.
بابا طلع المفتاح النحاسي اللي كان معاه، لكن المفتاح ماكانش مناسب للقفل.
وقبل ما نعرف نعمل إيه، إيميلي أشارت ناحية الجذع وقالت
ماما، بصّي! فيه حاجة مكتوبة هنا!
قربنا كلنا، ولقينا حروف صغيرة محفورة على الخشب.
كانت أول حروف من اسمي واسم أمي، وتحتها تاريخ قديم.
أول ما شفت التاريخ، افتكرت اليوم اللي اختفيت فيه وأنا طفلة.
وفجأة، رجعتلي ذكرى صغيرة جدًا
كنت قاعدة جنب شجرة الورد، وأمي بتحط في إيدي ورقة، وبتقولي
احتفظي بيها يا حبيبتي، ولما تكبري هتفهمي معناها.
لكن قبل ما أقدر أفتكر أي تفاصيل تانية، سمعت صوت باب البيت بيتقفل بقوة.
لفّينا كلنا ناحية البيت.
كان فيه حد جوّه!
بابا وقف
متابعة القراءة