بنتي الصغيرة حكايات زيزي
مختلف.
لكن أمي كتبت بوضوح إن الخلاف ماكانش بسبب كره أو خيانة، إنما بسبب سوء تفاهم كبير، وكل واحدة فيهم فضلت سنين مستنية التانية تبدأ بالصلح.
وفي آخر الرسالة، كان فيه سطر مكتوب بخط مختلف عن باقي الكلام
أما الجواب التاني، فلازم تقريه بعد ما تسمعي الحكاية كاملة من نادية.
رفعت عيني لخالتي وسألتها
طيب، إيه الحكاية اللي لسه ماحكيتيهاليش؟
تنهدت، وبدأت تحكي.
قالت إن أمي قبل وفاتها بشهور كانت بتحاول تصلّح العلاقة بينهم، وإنها بعتتلها أكتر من جواب، لكن ولا واحد وصل.
وبعدها، في يوم من الأيام، نادية راحت تزور أمي من غير ميعاد، لكنها وصلت بعد ما أمي دخلت المستشفى.
لما عرفت بخبر وفاتها، رجعت لبلدها وهي شايلة إحساس بالندم، لأنها ماقدرتش تودّع أختها.
سألتها
طب والجواب اللي بخط إيد بابا؟
خالتي بصّت للظرف التاني، وقالت
ده اللي أنا نفسي مش فاهمة قصته كاملة. لقيته جوه الصندوق، وكان مكتوب عليه اسمك، لكن أمك طلبت مني ما أفتحهش إلا في وجودك.
مدّتلي الظرف.
فتحتُه بحذر، وبدأت أقرأ أول سطر
إلى ابنتي الحبيبة فيه حقيقة عن اليوم اللي اختفيتي فيه وإنتِ عندك ست سنين، فضلت ساكت عنها سنين طويلة، مش لأنّي عايز أخدعك، لكن لأنّي كنت خايف أخسرك.
حسّيت إن قلبي بيدق بسرعة.
اليوم اللي اختفيت فيه وأنا طفلة!
نفس اليوم اللي بدأت منه كل الأسئلة!
كملت قراءة الرسالة، لكن قبل ما أوصل لنصها، لقيت إن باقي الورقة مقطوع.
رفعت عيني لخالتي وقلت
باقي الرسالة فين؟!
نادية بصّت للظرف، وبعدها قالت
مش موجود معايا غير الجزء ده. لما لقيت الصندوق، كانت الورقة مقطوعة بالفعل.
سألتها بقلق
يعني فيه حد أخد باقي الرسالة؟
ردّت
مش عارفة، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. قبل ما أمك تتوفى، قالتلي إن الجزء الناقص موجود عند الشخص الوحيد اللي كان معاكي يوم اختفائك.
سكتنا إحنا الاتنين.
وبعدين سألتها بصوت واطي
مين الشخص ده يا خالتي؟
نادية بصّتلي مباشرة، وقالت
أبوكي يا بنتي هو الوحيد اللي يقدر يقولك إيه اللي حصل في الساعتين دول، وليه أمك فضلت محتفظة بالسر كل السنين دي.
رجعت البيت وأنا حاسة إن لازم أواجه أبويا، لكن المرة دي ماكنتش عايزة أتهمه بحاجة قبل ما أسمع منه.
ولما دخلت، لقيته قاعد في الصالة، وقدامه صورة أمي القديمة.
أول ما شاف الظرف في إيدي، عرف إني قابلت نادية.
رفع عيني وقال
قريتي الرسالة؟
حطيت الظرف قدامه وقلت
قريت جزء منها، والباقي ناقص. يا بابا، أنا مش عايزة أفضل أخمّن. عايزة أعرف الحقيقة منك، مهما كانت.
فضل ساكت شوية، وبعدها قام وراح ناحية غرفته.
رجع بعد دقايق، وفي إيده علبة صغيرة من الصفيح.
فتحها قدامي، وطلع منها ورقة قديمة، أطرافها مصفرّة من الزمن.
وقال
دي بقية الرسالة اللي كنت فاكر إنها ضاعت للأبد والنهارده جه الوقت إني أحكيلك كل حاجة.
لكن أول ما بدأت أقرأ السطور اللي في الورقة، اكتشفت إن اختفائي وأنا طفلة ماكانش مجرد حادثة عابرة وإن فيه قرار اتاخد يومها غيّر علاقتي بأمي وخالتي للأبد!
مسكت الورقة من إيد أبويا، وبدأت أقرأ ببطء، وكل كلمة كانت بتخلّيني أستغرب أكتر.
كان مكتوب
في اليوم اللي اختفت فيه بنتي، كنت فاكر إني فقدتها للأبد. دورت عليها في كل مكان، ولما لقيتها، اكتشفت إن اللي حصل أكبر من مجرد طفلة خرجت تلعب في الجنينة.
رفعت عيني لأبويا وسألته
يعني إيه يا بابا؟ أنا كنت فين طول الساعتين دول؟
قعد جنبي، وأخد نفس طويل، وقال
اليوم ده كان عيد ميلادك السادس. أمك كانت مجهزة ليكي مفاجأة، وخالتك نادية كانت جاية تزورنا بعد غياب طويل. لكن أنا ماكنتش أعرف إنها هتيجي.
سكت لحظة، وبعدين كمل
لما وصلت، أمك استقبلتها في الجنينة، وإنتِ كنتِ بتلعبي بعيد عنهم. الاتنين اتكلموا عن خلافهم القديم، وبعدها صوتهم علي، وإنتِ خفتي من الخناق ومشيتي بعيد.
بدأت أفتكر مشاهد صغيرة من طفولتي؛ صوت عالي، باب بيت بيتقفل، ووردة حمرا كنت ماسكاها في إيدي.
أبويا كمل
لما لاحظنا إنك مش موجودة، قلبنا البيت والجنينة، واتصلنا بالجيران. وبعد ساعتين، لقيناكي في مخزن صغير جنب البيت القديم، قاعدة تحت الترابيزة وبتعيطي.
سألته بلهفة
طب إيه علاقة ده بالرسالة اللي أمي كتبتها؟
بصّلي بحزن وقال
لما لقيناكي، كنتِ ماسكة ورقة صغيرة، وفضلتي تقولي إنك مش عايزة ماما تزعل. أمك أخدت الورقة منك، وحطّتها في الصندوق، وقالت إن لازم نحل خلافنا بعيد عنك، وإننا ماينفعش نحملك مشاكل الكبار.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إن علاقتي بخالتي انتهت لأنها سافرت ومارجعتش، وماكنتش أعرف إن فيه خلاف قديم بين الكبار هو اللي خلّى العيلة تتفرّق بالشكل ده.
لكن كان لسه فيه سؤال محيرني.
قلت لأبويا
طيب، ليه ما حاولتوش تتصالحوا بعد كده؟ وليه خالتي ما رجعتش؟
أبويا نزل عينيه وقال
حاولنا، يا بنتي. أمك بعتتلها جواب، ونادية ردّت، لكن كل واحدة فيهم كانت فاكرة إن التانية لسه زعلانة. ومع الوقت، بقى الصمت أطول من الكلام، لحد ما أمك تعبت، وما بقاش فيه فرصة إنهم يقعدوا مع بعض تاني.
سكتنا شوية، وبعدين أبويا مدّ إيده وطلع ورقة تانية من العلبة.
فيه حاجة كمان لازم تعرفيها.
أخدت الورقة، ولقيتها رسالة قصيرة من أمي لخالتي نادية، مكتوب فيها
يا نادية، أنا مش عايزة بنتي تكبر وهي فاكرة إن العيلة ممكن تتفرّق بسبب خلاف. لو حصل لي حاجة، أتمنى إنكم تلاقوا طريق ترجعوا بيه لبعض.
حسّيت بغصة في قلبي.
أمي كانت بتحاول تصلّح اللي اتكسر، حتى وهي عارفة إن الوقت ممكن مايسمحلهاش.
بصّيت لأبويا وقلت
طب ليه ماحاولتش توصل الرسالة دي لخالتي بنفسك؟
رد بصوت مكسور
حاولت يا بنتي، لكن كنت بخاف أفتح جرح قديم. وده كان غلط مني. ساعات بنفتكر إن السكوت بيحل المشاكل، لكنه في الحقيقة بيخلّي المسافة تكبر.
في اللحظة دي، فهمت إن السر اللي فضل مدفون سنين ماكانش جريمة ولا مؤامرة زي ما تخيلت، لكنه كان خلاف عائلي قديم، وخوف من المواجهة، وناس كل واحد فيهم كان مستني التاني يبدأ بالصلح.
لكن القصة ما انتهتش هنا.
تاني يوم، اتصلت بخالتي نادية وطلبت منها تيجي تزورنا.
ولما وصلت، كان أبويا مستنيها عند الباب.
فضلوا واقفين قدام بعض لحظات طويلة، من غير ما حد فيهم يتكلم.
وبعدين أبويا قال
أنا آسف يا نادية. كان المفروض ما أسيبش السنين تعدّي بالشكل ده.
نادية دمعت عينيها وردّت
وأنا كمان آسفة يا جورج. كنت مستنية منك كلمة، وإنت كنت مستني مني كلمة، وفي الآخر ضاعت سنين من عمرنا.
قعدوا مع بعض، وبدأوا يحكوا عن أمي، وعن الأيام القديمة، وعن كل المواقف اللي كل واحد فيهم كان فاكر إن التاني نسيها.
أما إيميلي، فكانت قاعدة جنبنا، بتقلّب في الصور القديمة، لحد ما رفعت صورة أمي وقالت
ماما، ينفع نحط الصورة دي في الصندوق بتاعي، علشان أفضل فاكرة تيتة؟
ابتسمت وقلتلها
طبعًا يا حبيبتي، بس هنحتفظ بنسخة هنا كمان، علشان كلنا نفتكرها.
وبالفعل، رجّعنا الصور والخطابات للصندوق الخشبي، وحطيناه في مكان ظاهر في الصالة، بدل ما يفضل مستخبي في مكان قديم ومقفول.
ومن اليوم ده، بدأت علاقتنا بخالتي ترجع واحدة واحدة، وبقى فيه زيارات ومكالمات وحكايات عن أمي.
أما أنا، فتعلمت إن مش كل سر وراه مصيبة، وإن أحيانًا الخوف من الكلام بيخلّي مشكلة صغيرة تكبر لحد ما تبعد ناس عن بعض سنين طويلة.
واتعلمت كمان إن من حق أي أم تقلق وتسأل لما بنتها تحكيلها عن موقف مش فاهماه، لكن لازم تسمع وتتحقق من غير ما تتسرع في الحكم.
وفي النهاية، اكتشفت إن المفاجأة اللي بدأت بلعبة تخمين في الحمّام، انتهت بلمّة عيلة كانت محتاجة فرصة واحدة علشان ترجع لبعض من جديد.
وبعد مرور شهر، قررت أعمل حاجة كنت أمي نفسها تشوفها من زمان.
جمعت العيلة كلها في البيت، وعملت عشا بسيط، وطلبت من خالتي نادية تحكي لإيميلي حكايات عن تيتة مريم، وعن طفولتي، وعن شجرة الورد اللي كانت موجودة في الجنينة القديمة.
إيميلي كانت قاعدة تسمع باهتمام، وكل شوية تسأل سؤال جديد، لحد ما قالت فجأة
ماما، هو ينفع لما أكبر أعمل صندوق ذكريات لبنتي كمان؟
ضحكت وقلتلها
طبعًا يا حبيبتي، وتحطي فيه كل الحاجات اللي بتحبيها.
جدو جورج ابتسم، وطلع من جيبه وردة صغيرة مجففة، وحطها في إيد إيميلي.
دي آخر وردة احتفظت بيها من شجرة الورد بتاعة تيتة. عايزك تحطيها في صندوقك، علشان تفضلي فاكرة إن أجمل حاجة في الدنيا هي الذكريات الحلوة اللي بنعيشها مع بعض.
إيميلي فرحت جدًا، وجريت تجيب صندوقها الخشبي، وحطت الوردة جنب صورة تيتة مريم.
وفي اللحظة
دي، خالتي نادية بصّت لأبويا وقالت
يا ريتنا كنا اتكلمنا من زمان، بدل ما نسيب السنين تسرق مننا كل الوقت ده.
أبويا رد بهدوء
المهم إننا لحقنا نرجع لبعض، وإن اللي حصل يبقى درس لينا كلنا.
بعدها بأسابيع، رجعنا زرعنا شجرة ورد جديدة في جنينة البيت، وإيميلي هي اللي اختارت مكانها.
وكل ما كانت تسقيها، كانت تقول إنها هتفضل تعتني بيها لحد ما تكبر وتبقى شجرة جميلة زي شجرة تيتة.
أما أنا، ففضلت فاكرة اليوم اللي بدأت فيه الحكاية، لما بنتي الصغيرة سألتني عن لعبة جدو.
في البداية، خوفي خلاني أتخيل أسوأ الاحتمالات، لكني قررت أسمعها وأفهم منها، وده ساعدني أكتشف الحقيقة وأفتح باب كان مقفول من سنين.
ومن وقتها، بقيت أحرص إن إيميلي تعرف إن مفيش سر لازم تخاف تحكيه لماما، وإن من حقها تسأل وترفض أي حاجة مش مريحاها، حتى لو الشخص اللي قدامها حد بتحبه وبتثق فيه.
والدرس اللي خرجت بيه من الحكاية دي إن الثقة مش معناها إننا نسكت عن أسئلتنا، والحب مش معناه إننا نخبي الحقيقة؛ الحب الحقيقي هو إننا نسمع بعض، ونحترم حدود بعض، وما نسيبش الخلافات تسرق مننا سنين ممكن نعيشها سوا.
تمت النهاية.