اتجوزت ست طخينه حكايات زيزي
لما اتأكدوا إنهم بقوا بعيد عنه، إيفاريستو وقف العربة تحت شجرة كبيرة، والتفت لماجدالينا.
— إنتِ تعرفي مين صاحب العلامة دي؟
ماجدالينا فتحت شنطتها، وطلعت قطعة قماش صغيرة كانت محتفظة بيها من حاجات جدتها.
جواها كان فيه مفتاح نحاسي قديم، وعلى رأسه نفس علامة الشجرة.
قالت بقلق:
— المفتاح ده كان في صندوق جدتي. كل ما كنت أسألها عنه، كانت تقولي إنه مش وقته، وإن فيه أسرار لازم تفضل مقفولة لحد ما أصحابها يكونوا مستعدين يعرفوها.
إيفاريستو بص للمفتاح، وبعدها للطريق اللي جُم منه.
— يعني ممكن يكون اللي بيطاردنا عايز المفتاح ده؟
— أو عايز يمنعنا من الوصول للحاجة اللي المفتاح بيفتحها.
ماجدالينا سكتت لحظة، وبعدين قالت بحزم:
— لازم نرجع بيت جدتي قبل ما دون سيفيرو يوصل له.
وصلوا البيت مع اقتراب الفجر.
كان بيتًا قديمًا في طرف القرية، محاطًا بسور حجري قصير، والباب الخشبي بتاعه مغطى بالتراب.
ماجدالينا ما دخلتش البيت من سنين طويلة، لكن أول ما فتحت الباب، رجعت لها ذكريات طفولتها.
افتكرت جدتها وهي قاعدة جنب الشباك، بتغزل الصوف وتحكيلها عن الأرض والجبال، وتقول لها دايمًا:
— يا بنتي، اللي يعرف قيمة الحاجة اللي في إيده، عمره ما يبقى فقير حتى لو ما معهوش فلوس.
وقفت ماجدالينا وسط الحوش، وبصت ناحية البئر القديم.
كان البئر متردم فعلًا، ومغطى بطبقة من التراب والحجارة، وفوقه نباتات برية نمت على مدار السنين.
إيفاريستو قرب منه وقال:
— هنحتاج عمال علشان نشيل كل ده. مستحيل نخلص قبل ما الشمس تطلع.
ماجدالينا نزلت على ركبتها، وبدأت تفحص الحجارة المحيطة بالبئر.
— مش لازم نشيل البئر كله. إستيبان قال إن أبويا خبّى حاجة تحتيه، مش جوه الميّه.
فضلت تتحسس أطراف الحجارة، لحد ما لاحظت حجرًا مستطيلًا عليه نفس العلامة المحفورة في المفتاح.
نادت إيفاريستو.
— تعال شوف ده!
حاولوا يحرّكوا الحجر، لكنه كان تقيل جدًا.
إيفاريستو جاب قضيب حديد قديم من المخزن، واستخدمه لرفع طرف الحجر، بينما ماجدالينا سحبته من الناحية التانية.
وبعد محاولات، الحجر اتحرك، وظهر تحته تجويف صغير.
جواه كان فيه قفل نحاسي قديم.
ماجدالينا طلّعت المفتاح، وحطته في القفل.
لفّته مرة واحدة.
تك!
اتفتح باب حديد صغير مخفي تحت الحجارة.
إيفاريستو بص للفتحة بدهشة.
— يا إلهي! جدتك كانت مخبية إيه هنا؟!
ماجدالينا رفعت المصباح، وبصت جوه التجويف.
كان فيه صندوق معدني ملفوف بقطعة قماش مشمّعة، علشان تحميه من الرطوبة.
سحبته بحذر، وحطته على الأرض.
الصندوق كان عليه قفل تاني، لكن المرة دي ما احتاجوش المفتاح.
إيفاريستو فتحه، وبدأوا يطلعوا اللي جواه.
لقوا صورًا قديمة، ورسائل، ودفتر حسابات، وأخيرًا ظرفًا كبيرًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وعلى الظرف كان مكتوب:
«إلى ماجدالينا رييس… لا يُفتح إلا إذا حاول أحد حرمانها من حقها».
إيد ماجدالينا اترعشت.
فتحت الظرف، وطلعت منه رسالة بخط أبوها.
بدأت تقرأ بصوت مسموع:
«ابنتي الحبيبة ماجدالينا،
لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى غالبًا حد حاول ياخد الأرض اللي كان من حق عيلتنا تحميها.
أنا ما كنتش أغنى رجل في القرية، لكن كنت أملك شيئًا أغلى من المال: حقًا موثقًا في الأرض والماء، واتفاقًا بين عيلتنا وعيلة لوخان.
احتفظت بالنسخة الأصلية من الاتفاق في مكان آمن، لكن قبل ما أشرح لك مكانها، لازم تعرفي إن فيه شخصًا ساعدني على حفظ الحق ده، وشخصًا تاني حاول يضيّعه…»
ماجدالينا توقفت عن القراءة.
إيفاريستو سألها:
— مين الشخص اللي ساعده؟ ومين اللي حاول يضيّع الحق؟
قلبت الصفحة، لكن الجزء اللي فيه الأسماء كان ممزقًا.
فضلت تقلّب الأوراق، لحد ما لقت ورقة صغيرة مكتوب فيها:
«الخاتم الأصلي هو علامة إثبات، لكنه وحده لا يكفي. الحقيقة الكاملة موجودة في سجل الميّه، تحت الرقم سبعة عشر. ابحثي عن النسخة التي لم تُحرق».
إيفاريستو رفع رأسه بسرعة.
— سجل الميّه؟ ده ممكن يكون في مبنى الجمعية القديمة!
ماجدالينا هزت راسها.
— غالبًا. وده معناه إننا لازم نوصل له قبل دون سيفيرو.
لكن قبل ما يقدروا يلمّوا الأوراق، سمعوا صوتًا جايًا من ناحية البوابة.
صوت راجل بيقول:
— فتّشوا الحوش كله! لازم نلاقي الصندوق قبل ما يخرجوا بيه!
إيفاريستو طفى المصباح فورًا.
ماجدالينا لمّت الأوراق وحطتها في شنطتها، وبعدها دخلوا من باب جانبي يؤدي إلى مخزن صغير خلف البيت.
من شق في الباب، شافت ماجدالينا ثلاثة رجال بيفتشوا المكان، وواحد منهم كان ماسك ورقة عليها رسم للخاتم القديم.
همست لإيفاريستو:
— دول مش جايين من نفس المجموعة اللي طاردتنا. فيه أكتر من طرف بيدوّر على الصندوق!
إيفاريستو رد بصوت منخفض:
— يبقى لازم نخرج من هنا من غير ما يشوفونا.
لكن ماجدالينا كانت بتبص للورقة اللي في إيد واحد من الرجال.
لاحظت إن عليها ختمًا رسميًا، وتحت الختم اسم مكتوب بوضوح.
اسم محامي دون سيفيرو نفسه!
يعني المحامي اللي كان بيدافع عن دون سيفيرو، ممكن يكون عارف مكان الصندوق من البداية.
وفي اللحظة دي، سمعت ماجدالينا واحدًا من الرجال بيقول:
— المحامي قال إننا لازم نجيب الخاتم، مش الأوراق كلها. لو الخاتم مش موجود، ما تسيبوش البيت قبل ما تفتشوا كل ركن!
ماجدالينا بصت للمفتاح النحاسي في إيدها، وفهمت إنهم لسه ما اكتشفوش كل أسرار جدتها.
بعد ما الرجال اتوزعوا في الحوش، خرجت ماجدالينا وإيفاريستو من الباب الخلفي، واتجهوا ناحية طريق ترابي يوصل لمبنى الجمعية القديمة.
كان المبنى مقفولًا من سنين، لكنهم لقوا نافذة جانبية مكسورة، ودخلوا منها.
جوا، كانت الرفوف مغطاة بالتراب، والدفاتر القديمة متكومة فوق بعضها.
بدأت ماجدالينا تدور على سجل الميّه، بينما إيفاريستو كان بيفحص الخزائن.
بعد وقت طويل، صرخ إيفاريستو:
— لقيته!
كان ماسك دفترًا ضخمًا، وعلى غلافه رقم سبعة عشر.
فتحوه، وبدأوا يقلّبوا الصفحات لحد ما وصلوا إلى سجل الاتفاقات القديمة.
هناك، لقوا نسخة من العقد، وعليها توقيع ماتيو رييس ووالد إيفاريستو، بالإضافة إلى توقيعات ثلاثة شهود.
لكن المفاجأة كانت في الصفحة اللي بعدها.
كانت فيه ملاحظة رسمية بتقول إن حقوق استخدام الميّه لا تنتقل إلى أي شخص لمجرد امتلاكه ديونًا على أحد أصحاب الأرض، وإن أي اتفاق بيع لازم يكون بموافقة أصحاب الحقوق المسجلين.
إيفاريستو تنفس براحة.
— الورقة دي ممكن تنقذ المزرعة!
ماجدالينا ابتسمت، لكنها ما قدرتش تخفي قلقها.
— ممكن تساعدنا، لكن لازم نثبت إن النسخة أصلية، ونقدّمها للجهة المختصة قبل ما يبدأ الحفر.
فجأة، لاحظت توقيعًا في أسفل الصفحة، وتجمّدت مكانها.
التوقيع كان باسم أحد الشهود.
إستيبان موراليس.
وبجانبه ملاحظة بخط مختلف:
«تم استلام النسخة الأصلية وإيداعها في الخزانة الرئيسية، بموجب طلب صاحب الحق».
إيفاريستو قال باستغراب:
— يعني النسخة الأصلية مش هنا؟
ماجدالينا هزت راسها.
— لأ. دي نسخة من السجل، لكن الأصلية اتحطت في خزانة تانية.
وقبل ما يكملوا البحث، سمعوا صوت تصفيق بطيء جاي من عند الباب.
التفتوا بسرعة.
كان دون سيفيرو واقف هناك، ووراه محاميه ورجلان من رجاله.
ابتسم وقال:
— برافو يا ماجدالينا! قدرتِ توصلي للمكان اللي أبوكي خبّى فيه الحقيقة.
إيفاريستو وقف قدامها.
— مش هتاخد الورق ده!
دون سيفيرو تجاهله، وبص لماجدالينا مباشرة.
— عندك اختيار واحد بس. تسلّميني الدفتر والخاتم، وأنا أضمن إن جوزك يفضل في المزرعة، وإن الديون تتوقف عند المبلغ الأصلي.
ماجدالينا ردت من غير تردد:
— ولو رفضت؟
ابتسامته اختفت.
— ساعتها هتعرفي إن فيه فرق كبير بين إنك تكوني شاطرة في تربية الخراف، وإنك تدخلي حرب مع راجل يقدر يشتري نص القرية!
ماجدالينا ضمّت الدفتر لصدرها.
— يمكن تقدر تشتري نص القرية، لكن مش هتقدر تشتري الحقيقة.
دون سيفيرو أشار لرجاله إنهم يتقدموا.
لكن قبل ما يوصلوا لهم، دخل راجل مسن من الباب الرئيسي، ماسك عصا وملفًا جلديًا.
رفع صوته وقال:
— محدش هيلمس الورق ده قبل ما أراجع الأختام بنفسي!
دون سيفيرو اتجمد مكانه.
إيفاريستو شهق بدهشة.
أما ماجدالينا، فبصت للراجل اللي دخل، واكتشفت إنه نفس الشخص اللي ظهر في الصورة القديمة جنب أبوها ووالد إيفاريستو.
الراجل قرب منها، وقال:
— أنا دون رافائيل، كاتب العدل السابق. وكنت مستني اليوم اللي حد يكتشف فيه إن النسخة الأصلية من العقد ما اختفتش زي ما الناس كلها كانت فاكرة.
وبعدين فتح الملف الجلدي، وطلع منه مستندًا مختومًا بالشمع الأحمر.
لكن قبل ما يسلّمه لماجدالينا، التفت ناحية دون سيفيرو وقال:
— قبل ما نفتح المستند ده، لازم نوضح للناس كلها حقيقة واحدة… الراجل اللي زور أوراق الديون ما كانش دون سيفيرو وحده!
ماجدالينا بصت له بصدمة.
وإيفاريستو اتراجع خطوة.
لأن دون رافائيل رفع عينيه ناحية شخص كان واقف خلف دون سيفيرو، وقال اسمه بوضوح…
وكان آخر شخص ممكن ماجدالينا تتوقع إنه يكون متورطًا في المؤامرة!
😱🔥 يتبع…
### 😱🔥 الجزء السابع: الخيانة اللي محدش كان يتوقعها!
كل اللي كانوا موجودين في مبنى الجمعية القديمة سكتوا، بعد ما دون رافائيل أعلن إن دون سيفيرو ما كانش لوحده في تزوير أوراق الديون.
دون سيفيرو حاول يحافظ على هدوئه، وقال بسخرية:
— إنت كبرت يا دون رافائيل، ويبدو إن ذاكرتك بقت بتخونك. قبل ما تتهم الناس، اتأكد إنك فاكر الحكاية صح!
لكن دون رافائيل ما اهتمش بكلامه.
رفع الملف الجلدي، وفتحه قدام الجميع، وقال:
— أنا قضيت أكتر من أربعين سنة وأنا شايل سر كان المفروض أتكلم عنه من زمان. والنهارده، مش هسمح إن الحق يضيع مرة تانية.
وبعدين لفّ ناحية الرجل اللي كان واقف ورا دون سيفيرو، وقال اسمه:
— دون فيرمين!
ماجدالينا اتصدمت.
دون فيرمين؟!
صاحب الحانة اللي بدأت فيها حكاية الرهان اللي خلّى إيفاريستو يتجوزها على سبيل السخرية!
نفس الراجل اللي كان معروف في البلد إنه صديق دون سيفيرو، وإنه دايمًا بيساعده في جمع الديون من الفلاحين.
دون فيرمين اتراجع خطوة وقال بعصبية:
— إنت بتقول إيه يا راجل؟! أنا مالي بكل الكلام ده؟
دون رافائيل طلع ورقة من الملف، وحطها فوق الترابيزة.
— الورقة دي فيها توقيعك، وبتثبت إنك كنت شاهدًا على اتفاق بيع اتعمل بعد وفاة والد إيفاريستو، رغم إن التاريخ المكتوب عليها سابق لوفاته بشهور!
إيفاريستو قرب من الورقة، وبدأ يقراها.
وبعد ثواني، وشه اتغير.
— ده توقيع أبويا! إزاي موجود على ورقة بتاريخ بعد وفاته؟!
دون فيرمين حاول يخطف الورقة، لكن دون رافائيل سحبها بسرعة.
— علشان التوقيع اتنسخ من مستند قديم، واتحط على عقد جديد علشان يبان إن والدك وافق على التنازل عن حقوق الميّه والأرض!
ماجدالينا بصت لدون سيفيرو.
— يعني الديون كانت مجرد وسيلة علشان تاخدوا المزرعة، حتى لو الورق نفسه مزوّر؟
دون سيفيرو ضرب عصاه في الأرض.
— كفاية! إنتوا مش فاهمين حاجة عن التجارة والديون! والد إيفاريستو استلف فلوس، وما قدرش يسددها، وأنا من حقي أسترد فلوسي!
ماجدالينا ردت بقوة:
— استرداد الدين حقك، لكن تزوير التوقيعات والاستيلاء على حقوق ناس تانية مش من حقك!
للحظة، دون سيفيرو ما لاقاش رد.
لكن دون فيرمين فجأة ضحك وقال:
— جميل جدًا! كلكم بتتكلموا عن الحق، وكأنكم ملايكة! طيب، يا دون رافائيل، قول لهم مين اللي سلّمك المستندات دي أصلًا؟!
دون رافائيل سكت.
دون فيرمين ابتسم ابتسامة خبيثة، وبص لماجدالينا.
— أبوكي نفسه هو اللي سلّمنا جزء من الأوراق زمان!
ماجدالينا حسّت إن قلبها وقف.
— كداب! أبويا عمره ما كان هيساعد حد يسرق حقنا!
دون فيرمين رد بسرعة:
— أنا ما قلتش إنه كان بيساعدنا. أنا بقول إنه سلّمنا الأوراق بإيده، لأنه كان عارف إن الاتفاق القديم فيه مشكلة!
إيفاريستو اتدخل بغضب:
— عندك دليل على الكلام ده؟
دون فيرمين ما ردش، لكنه بص لدون سيفيرو نظرة سريعة.
النظرة دي كانت كفاية علشان ماجدالينا تفهم إن فيه سر تاني لسه ما اتكشفش.