جوزي وبنتنا حكايات زيزي

لمحة نيوز


دي، وبعد الحادثة بفترة قصيرة سابت شغلها واختفت.
حسيت إن كل حاجة حواليا بقت ضبابية.
كنت فاكرة إن موت سارة كان مأساة وانتهت، لكن واضح إن فيه حد فضّل سنين مخبي تفاصيل مهمة.
بصيت لإيميلي وسألتها
طيب، الست اللي شوفتيها في السفر قالت لك إيه بالضبط؟
إيميلي فتحت شنطتها، وطلعت ورقة صغيرة مرسوم عليها عنوان.
قابلتها في كافيه قريب من الفندق. كانت عارفة اسمي، وعارفة إني بنتك، لكنها أصرت إني أسمعها لوحدي. قالت لي إن فيه صندوق قديم اتساب عند المحامي من سنين، وإن الصندوق ده فيه الحقيقة.
وإنتِ رحتي للمحامي؟
أيوه، بس بابا عرف ولحقني قبل ما أشوف الصندوق.
دانيال هز راسه وقال
أنا مكنتش عايزها تدخل في الموضوع لوحدها. الست دي رفضت تقول اسمها، وكانت بتطلب من إيميلي تقابلها من غير ما حد يعرف. أنا خفت تكون بتحاول تستغلها.
سألته بحدة
طب وإنت ليه مرجعتش حكيتلي كل ده؟
بصلي بحزن.
لأني كنت خايف أخسرك، وخايف الحقيقة تطلع مختلفة عن اللي متأكدين منه طول عمرنا.
قبل ما أرد، تليفون إيميلي رن.
رقم مجهول.
بنتي بصت للشاشة، ووشها اتغير.
دي هي.
فتحت المكالمة وحطت التليفون على السماعة الخارجية.
جالنا صوت ست هادي، لكنه كان مليان توتر
إيميلي، لازم تقولي لمامتك إن الصندوق وصل للمحامي. متخليش دانيال ياخده قبل ما تشوفوا اللي جواه.
دانيال قرب من التليفون بسرعة.
إنتِ مين؟ وليه بتدخلي بنتي في الموضوع ده؟
الست سكتت لحظات، وبعدين قالت
أنا مش عايزة أضر حد. أنا بس عايزة أصلح غلطة حصلت من سبعتاشر سنة.
صرخت فيها
غلطة إيه؟ وإنتِ تعرفي أختي منين؟
سمعت صوت أنفاسها، وبعدها قالت جملة خلت إيدي تبرد
أنا كنت الممرضة اللي استلمت ملف سارة ليلة ولادة إيميلي.
وقبل ما نقدر نسألها أي سؤال، قفلت الخط.
تاني يوم الصبح، قررنا نروح لمكتب المحامي.
طول الطريق، كنت باصة من الشباك، وبحاول أربط الأحداث ببعضها. لو الممرضة دي فعلًا تعرف حاجة، يبقى لازم نسمع منها الحقيقة، مهما كانت صعبة.
وصلنا المكتب، واستقبلنا المحامي عادل بنفسه.
كان راجل كبير في السن، وشكله مرهق، لكنه أول ما شافني وقف باحترام وقال
أخيرًا قابلتك يا مدام ريبيكا. أنا آسف إنك اضطرّيتي تعرفي كل ده بالطريقة دي.
دخلنا مكتبه، وطلع من الخزنة صندوق خشب صغير، عليه قفل قديم.
حطه على المكتب وقال
الصندوق ده وصلني من موكلتي من حوالي عشر سنين، ومعاه تعليمات إني ما أفتحوش إلا لما تظهر مستندات معينة تخص القضية.
سألته وأنا بحاول أسيطر على توتري
وإيه المستندات دي؟
فتح ملف وطلع منه شهادة ميلاد قديمة، وصورة من سجل المستشفى، وورقة مكتوبة بخط إيد أختي سارة.
لكن اللي شد انتباهي كان اسم موجود في سجل المستشفى.
اسم أمي.
أمي كانت عايشة وقتها، وكانت موجودة في المستشفى يوم ولادتي إيميلي، لكن محدش قال لي إنها اتسجلت ضمن الأشخاص اللي دخلوا قسم الولادة في نفس الليلة.
بصيت للمحامي وقلت
أمي كانت تعرف حاجة عن الموضوع ده؟
رد بحذر
ده اللي محتاجين نعرفه. فيه توقيع منسوب لها على مستند متعلق بطفلة اتولدت في نفس اليوم، لكن لسه ما اتأكدناش من صحة التوقيع.
دانيال مد إيده ناحية الورق، لكن المحامي سحب الملف بهدوء.
اسمح لي، يا أستاذ دانيال. المستندات دي تخص مدام ريبيكا، والأفضل إنها تقراها بنفسها.
فتحت الورقة اللي مكتوبة بخط سارة، ولقيتها بتقول
ريبيكا، لو الورقة دي وصلت لك، يبقى أنا فشلت في إني أوضح لك الحقيقة بنفسي. أنا عمري ما كنت عايزة أحرمك من أي حاجة، لكن فيه قرار اتاخد بالنيابة عني، وناس كتير فضلت ساكتة خوفًا من الفضيحة.
لو عايزة تعرفي اللي حصل، دوري على الدفتر الأزرق اللي اتساب في بيت أمي. أول صفحة فيه فيها اسم الشخص اللي بدأ كل الحكاية.
قفلت الورقة، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
سارة كانت بتحاول توصل لي رسالة من سنين، لكن مين اللي منعها؟
وفجأة، افتكرت حاجة.
أمي عندها صندوق قديم في دولابها، وكانت دايمًا ترفض تخلينا نفتحه. ولما كنت بسألها عن السبب، كانت تقول إن جواه حاجات تخص الماضي ومش عايزة تفتكرها.
بصيت لدانيال وقلت
لازم نروح لأمي دلوقتي.
لكن قبل ما نتحرك، المحامي قال
فيه مشكلة تانية. موكلتي اتصلت بيا امبارح، وقالت إن فيه حد حاول يدخل شقتها ويدور على نسخة من الدفتر الأزرق.
سألته
مين؟
هز راسه.
معرفش، لكن الكاميرا صورت الشخص وهو خارج من المبنى.
فتح اللابتوب، وعرض علينا صورة من كاميرا المراقبة.
الشخص كان لابس جاكيت غامق، ووشه مش واضح بالكامل.
لكن لما قربت من الشاشة، حسيت إن قلبي وقع.
الشخص ده كان شبه أبويا المتوفي بشكل يخوف!
مستحيل.
أبويا مات من عشر سنين!
فضلت باصة للصورة، وبعدين همست
مين الراجل ده؟
المحامي رد
لسه بنحاول نعرف هويته.
في اللحظة دي، إيميلي مسكت إيدي، وقالت بصوت ضعيف
ماما، فيه حاجة أنا مقلتهاش لك عن الست اللي قابلتها في الرحلة.
لفيت ناحيتها.
إيه هي؟
نزلت عينيها للأرض، وبعدها قالت
قبل ما تمشي، ادتني صورة لراجل كبير، وقالت لي إنه الشخص الوحيد اللي يقدر يثبت إن كل اللي مكتوب في أوراق المستشفى مش صحيح.
طلعت الصورة من محفظتها وحطتها قدامي.
ولما شفت وش الراجل، عرفت إنه مش مجرد شخص غريب.
ده كان أخو أمي، خالي محمود، اللي عيلتنا كلها قالت إنه سافر بره مصر من أكتر من عشرين سنة، ومحدش يعرف عنه أي حاجة!
لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان أصعب من كل اللي فات
ليه خالي اختفى؟ وإيه اللي يعرفه عن سارة؟ وليه رجع يظهر في حياتنا دلوقتي، بعد كل السنين دي؟
أما موضوع حمل إيميلي، فكان لسه محتاج نفهم تفاصيله بعيدًا عن التخمينات، ونتأكد إن بنتي في أمان وإنها بتاخد الرعاية الطبية اللي محتاجاها.
لكن قبل ما نخرج من مكتب المحامي، وصلته رسالة جديدة على تليفونه.
قراها، ووشه اتغير.
وبعدين رفع عينه لينا وقال
الممرضة وافقت تقابلكم الليلة، لكن اشترطت إن مدام ريبيكا تيجي لوحدها.
وسكت لحظة قبل ما يضيف
لأنها بتقول إن الشخص اللي غيّر الأوراق لسه موجود في حياتك، وإنتِ بتشوفيه كل يوم تقريبًا.
يتبع
الجزء الرابع الشخص اللي عايش وسطنا
فضلت باصة للمحامي، مش قادرة أستوعب كلامه.
يعني إيه الشخص ده لسه في حياتي؟ إنت تقصد مين بالظبط؟
عادل هز راسه وقال
أنا معرفش هويته لحد دلوقتي، والممرضة رفضت تقول أي تفاصيل في التليفون. كل اللي قالته إنها مستعدة تحكي الحقيقة الليلة، بشرط إنك تيجي لوحدك.
دانيال اعترض فورًا
مستحيل ريبيكا تروح مكان مجهول لوحدها! إحنا مش عارفين الست دي مين، ولا إذا كانت فعلًا الممرضة اللي بتدّعي إنها هي.
لكن أنا كنت حاسة إن مفيش وقت نضيعه.
بصيت له وقلت
أنا فضلت سبعتاشر سنة عايشة على رواية واحدة عن موت أختي. ودلوقتي عرفت إن فيه أوراق اتغيرت، وأسرار اتخبّت، وناس اختفت. لازم أعرف الحقيقة.
المحامي اتدخل وقال إن المقابلة هتكون في مكتبه، وإنه هيكون موجود في غرفة تانية قريبة، حفاظًا على سلامتي.
وافقت.
أما إيميلي، فطلبت مني قبل ما نمشي إني ما أسيبهاش لوحدها مع الأسئلة اللي بتخوفها.
حضنتها وقلتلها
إنتِ أهم حاجة عندي. ومهما كانت الحقيقة، هنواجهها سوا.
لكنها مسكت إيدي وهمست
ماما، لو الممرضة قالت لك إن فيه حاجة غلط في أوراق ولادتي، متزعليش مني. أنا نفسي مش فاهمة كل اللي بيحصل.
قلتلها وأنا بمسح دموعها
إنتِ ملكيش ذنب في أي سر الكبار قرروا يخبوه.
الساعة كانت تمانية بالليل لما وصلت مكتب المحامي.
دخلت أوضة صغيرة، فيها ترابيزة وكرسيين، وعلى الترابيزة كان فيه ملف بني قديم.
بعد دقائق، الباب اتفتح، ودخلت ست في أواخر الستينات، شعرها أبيض ووشها مرهق.
أول ما شافتني، وقفت مكانها.
وبعدين قالت
إنتِ شبه سارة أوي.
حسيت بدموعي بتتجمع في عيني.
حضرتك الممرضة اللي كانت في المستشفى ليلة ولادة بنتي؟
هزت راسها ببطء.
أيوه. اسمي نوال. وفضلت سنين طويلة أتمنى إني أقابلك وأحكيلك اللي حصل.
قعدت قدامي، وفتحت الملف.
كان جواه صور قديمة، ونسخ من سجلات المستشفى، وورقة عليها توقيع أمي.
نوال أشارت للورقة وقالت
الليلة دي كان فيه ضغط كبير في المستشفى، وكان فيه طفلين اتولدوا في وقت قريب جدًا من بعض. حصل ارتباك في تسجيل بعض البيانات، وبعدها اتطلب مني أراجع سجل الولادات وأصحح الأخطاء.
سألتها بسرعة
مين اللي طلب منك كده؟
نوال سكتت شوية، وبعدين ردت
شخص من عيلتك.
حسيت إن نفسي اتقطع.
مين؟
بصت لي مباشرة وقالت
والدتك.
رجعت بظهري لورا، مش قادرة أصدق.
أمي؟ الست اللي ربتني، واللي كنت بروح لها كل ما الدنيا تضيق بيا؟
نوال كملت
أنا مش هقدر أقول إن والدتك غيّرت البيانات عمدًا قبل ما نراجع المستندات الأصلية. لكن اللي أقدر أقوله إن فيه ورقة اتعدلت بعد الولادة، والتعديل ده ماكانش عليه التوقيع المطلوب.
سألتها
والورقة دي تخص مين؟
فتحت صفحة تانية، وحطتها قدامي.
كان مكتوب فيها اسم أختي سارة، وتاريخ ميلاد طفلة، وتحت البيانات ملاحظة قصيرة بخط اليد.
قريت الملاحظة مرتين، وبعدها رفعت عيني لنوال.
يعني إيه تم نقل الملف بناءً على طلب الأسرة؟
نوال أخدت نفس طويل.
دي النقطة اللي فضلت مش قادرة أفهمها. بعد وفاة سارة المعلنة، الملف اتنقل لقسم تاني، وبعض الأوراق اختفت. ولما حاولت أسأل، اتقال لي إن الموضوع اتقفل، وإن مفيش داعي أرجع أفتحه.
بس إنتِ وافقتي تسكتي؟
نزلت عينيها.
أيوه. كنت خايفة أخسر شغلي، وكنت فاكرة إن الموضوع مجرد خطأ إداري. لكن بعد سنين، وصلتني رسالة من سارة نفسها.
شهقت.
سارة كانت عايشة؟!
نوال هزت راسها بسرعة.
استني، أنا ماقدرش أأكد لك إنها كانت صاحبة الرسالة. الخط كان شبه خطها، لكن الرسالة وصلت من غير عنوان مرسل، ومكنش فيها غير جملة واحدة
لو ظهر اسم ريبيكا في أي ملف قديم، لازم تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان.
إيديا بدأت ترتعش.
طب ليه ما بلغتيش الشرطة؟
ردت بحزن
حاولت أوصل للعنوان اللي كان مكتوب في الرسالة، لكن الشخص اللي استلمها هناك قال لي إن سارة ماتت من سنين. وبعدها بفترة، حد بعت لي صورة من شهادة الوفاة، وطلب مني أنسى الموضوع.
بصيت لها وقلت
ومين الشخص اللي بعت لك الشهادة؟
نوال قربت الملف مني، وطلعت صورة صغيرة من جيبها.
ده الشخص اللي شوفته يومها.
أول ما بصيت للصورة، اتجمدت.
كان خالي محمود.
نفس الراجل اللي اختفى من حياتنا من أكتر من عشرين سنة!
خرجت من الأوضة وأنا مش قادرة أرتب أفكاري.
المحامي كان مستنيني، ولما شاف وشي سألني إذا كنت كويسة.
حكيت له عن الصورة، لكنه قال إننا لازم نتأكد من مصدرها قبل ما نتهم أي حد.
ركبت العربية ورجعت البيت، وطول الطريق كنت بفكر في أمي.
هل كانت تعرف حاجة عن اللي حصل لسارة؟
وهل خالي محمود كان بيحاول يساعدها، ولا كان جزءًا من السر؟
لما وصلت، لقيت دانيال مستنيني في الصالة.
قام من مكانه أول ما شافني.
ريبيكا، كنت قلقان عليكي. قابلتي الممرضة؟
حطيت شنطتي على الترابيزة، وبصيت له.
أيوه. وعرفت إن أمي وخالي محمود ليهم علاقة بالأوراق القديمة.
دانيال سكت.
السكون ده كان كفاية يخليني أحس إن فيه حاجة مش بيقولها.
قربت منه وسألته
إنت كنت تعرف إن خالي محمود له علاقة بالموضوع؟
رد بعد لحظة
كنت أعرف إنه كان بيتابع قضية تخص سارة، لكن ماكنتش أعرف تفاصيلها.
وليه ما قلتليش؟
لأن كل مرة كنت بسأل عن الموضوع، كان بيتقال لي إن مفيش حاجة تستاهل نفتحها من جديد.
بصيت له بوجع.
حتى إنت قررت إني مش من حقي أعرف الحقيقة؟
قبل ما يرد، ظهر صوت إيميلي من آخر الممر.
ماما، جدتي على التليفون، وبتقول إنها لازم تشوفك حالًا.
أخدت التليفون منها.
صوت أمي كان مرتعشًا.
ريبيكا، إنتِ رحتي لمكتب المحامي؟
سكتُّ.
ماما، إنتِ تعرفي نوال؟
سمعت تنهيدة طويلة من الناحية التانية.
وبعدين قالت
أيوه، أعرفها. وعارفة إن الوقت جه إني أحكيلك عن اللي حصل ليلة ولادتك.
حسيت إن قلبي هينخلع من مكانه.
طب احكيلي يا ماما. أرجوكي، أنا تعبت من الأسرار.
لكن أمي قالت جملة واحدة
مش في التليفون. تعالي لي بكرة الصبح، وتعالي لوحدك.
وبعدها قفلت.
تاني يوم، رحت بيت أمي.
كانت قاعدة في الصالة، قدامها صندوق خشب قديم، نفس الصندوق اللي افتكرت إني شوفته من سنين في دولابها.
أول ما دخلت، مدت إيدها وفتحت الصندوق.
جواه كان فيه دفتر أزرق، وصورة لأختي سارة، ومظروف مكتوب عليه اسمي.
أمي بصت لي بعينين مليانين دموع وقالت
أنا خبّيت الدفتر ده لأن سارة طلبت مني أحافظ عليه، لكني خفت إن فتحه يدمّر العيلة كلها.
فتحت أول صفحة.
كان فيها اسم خالي محمود، وتحته تاريخ قديم، وبعده جملة قصيرة مكتوبة بخط سارة
محمود مش هو الشخص اللي غيّر الأوراق لكنه الوحيد اللي يعرف مين عمل كده وليه.
رفعت عيني لأمي.
مين اللي غيّر الأوراق يا ماما؟
أمي غطت وشها بإيديها، وفضلت تعيط.
وبعد لحظات، قالت
الشخص ده كان موجود في المستشفى ليلة ولادتك، وكان عنده سبب يخليه يخفي الحقيقة. لكن أنا ماعرفتش السبب الحقيقي غير بعد سنين.
قربت منها.
مين هو؟
رفعت أمي عينيها ليا، وقالت اسمًا خلاني أحس إن كل اللي فات كان مجرد بداية.
أبوكي يا ريبيكا أبوكي هو اللي طلب تغيير الأوراق.
وقفت مكاني مصدومة.
أبويا اللي مات من عشر سنين، واللي كنت فاكرة إنه عمره ما خبّى عني حاجة كبيرة!
لكن قبل ما أقدر أسألها عن السبب، أمي قلبت الصفحة اللي بعدها، وظهر فيها مستند
 

تم نسخ الرابط