امي عندها 79سنه حكايات زيزي
أمي اللي عندها 79 سنة ومريضة باركنسون، سمعت بالصدفة حوار بيني وبين جوزي عن إننا نوديها دار مسنين. تاني يوم الصبح اختفت، وسابت جواب وداع على الترابيزة مكتوب فيه أنا مش عايزة أبقى حمل تقيل عليكم أكتر من كده. لما تقروا الجواب ده، هيكون الوقت فات خلاص. لكن لما الشرطة قدرت توصل لها أخيرًا، جوزي وقع على ركبته وانهار في العياط!
في الصبح ده، ولأول مرة في حياتي، وقعت على ركبتي قدام أمي، وفضلت أترجاها تفتح عينيها.
ماما، أرجوكي متسبنيش! لسه عندي كلام كتير أوي عايزة أقولهولك...
لكنها مردتش.
كان جسمها الصغير والضعيف ممدد على أرض الأوضة من غير أي حركة، وحواليها علب أدوية متناثرة، وعلى السرير كان فيه جواب أبيض.
على الظرف، وبخط أمي المرتعش، كان مكتوب
إلى بنتي حبيبتي.
فتحت الجواب، وحسيت إن رجلي مش شايلاني وأنا بقرأ أول سطور فيه
بنتي حبيبتي إيميلي،
سامحيني إني تعبتك معايا كل السنين دي، وعملتلك مشاكل كتير. أنا عارفة إن مرضي حوّل حياتكم لكابوس، وأنا سمعت كل حاجة امبارح بالليل.
أرجوكي متلوميش جوزك. هو عنده حق. أنا مبقتش الأم اللي كانت قادرة تساعدك وتقف جنبك زي زمان.
أنا مش عايزة أقضي آخر أيام عمري وسط ناس غريبة، وأصحى كل يوم الصبح وأنا بسأل نفسي يا ترى بنتي هتيجي تزورني النهارده ولا لأ؟
لما تقري الجواب ده، يمكن يكون الوقت فات خلاص.
بس افتكري دايمًا إني حبيتك أكتر من أي حاجة في الدنيا دي.
الجواب وقع من بين صوابعي.
صرخت بأعلى صوتي
روبرت! يا روبرت! تعالى بسرعة!
جوزي دخل الأوضة وهو بيجري، وأول ما شاف أمي، وقف مكانه متسمّر من الصدمة.
صرخ
يا إلهي! إيه اللي حصل؟!
أشرت ناحية علب الأدوية وصرخت فيه
كل ده بسببك إنت! أمي سمعت الكلام اللي إنت قلته امبارح بالليل! افتكرت إننا عايزين نطردها من بيتها!
وش روبرت بقى أبيض زي الورق.
وقال وهو مرتبك
لأ... لأ يا إيميلي، إنتِ مش فاهمة...
صرخت فيه
إيه اللي أنا مش فاهماه؟! مش إنت اللي قلت إنك مبقتش قادر تستحمل وجودها معانا في البيت؟!
روبرت وقع على ركبته جنب أمي، وفضل ينادي عليها باسمها وهو منهار ومش قادر يصدق اللي حصل.
أما أنا، فكنت اتصلت بالإسعاف بالفعل.
بنتنا صوفي، اللي عندها 7 سنين، كانت واقفة عند باب الأوضة، وحاضنة دبدوبها الصغير بإيديها.
بصتلي وسألتني ببراءة
مامي، هي تيتة بتموت؟
السؤال ده كسّر قلبي.
حضنتها وقلت لها وأنا بعيط
مش عارفة يا حبيبتي... والله مش عارفة.
أمي، مارجريت، كان عندها 79 سنة.
من 3 سنين، الدكاترة شخصوا حالتها بمرض باركنسون، وهو مرض بيأثر على الحركة والتحكم في العضلات.
في البداية، إيدها اليمين بس هي اللي كانت بتترعش.
وبعد كده، المشي بقى صعب عليها، وفي أوقات كتير كانت مش بتقدر تقفل أزرار بلوزتها بنفسها، ولا حتى ترفع كوباية مية لشفايفها.
كان فيه وقت أمي فيه كانت أقوى ست عرفتها في حياتي.
ربّتني لوحدها، واشتغلت شغلتين عشان تصرف عليّا، وعمرها ما طلبت المساعدة من أي حد.
لكن دلوقتي، حتى أبسط الحاجات اليومية بقت صعبة عليها، وأحيانًا كانت بتحس إنها مش قادرة تعمل أي حاجة لوحدها.
وكل ما حاجة تقع من إيديها بالغلط، كانت توطّي راسها وتهمس بحزن
معلش يا حبيبتي، إيدي مبقتش بتسمع كلامي.
وكنت دايمًا أحاول أطمنها وأهوّن عليها.
لكن خلال الشهور الأخيرة، بدأت ألاحظ إنها بقت ساكتة أكتر من الأول، وكأن فيه حاجة جواها بتوجعها ومش عايزة تحكي عنها.
وفي أوقات كتير كانت تبصلي وتسألني
إيميلي، هو إنتِ مش بتتعبي من كتر ما بتاخدي بالك مني؟
فكنت أرد عليها فورًا
يا ماما، هو أنا ممكن أزهق منك إزاي بس؟! إنتِ أمي وحبيبتي.
كانت تبتسم لي، لكن بطريقة ما، كنت حاسة إنها مش مصدقاني.
ومكنتش فاهمة السبب أبدًا.
لحد ما جه الصبح المرعب ده، واكتشفت إن أمي كانت شايلة في قلبها وجع أكبر بكتير من اللي كنت أتخيله.
جوه عربية الإسعاف، كنت ماسكة إيد أمي الباردة، وبترجاها وهي غايبة عن الوعي
ماما، لو سامعاني، أرجوكي متستسلميش... أرجوكي حاربِي عشاني.
أول ما وصلنا المستشفى، الفريق الطبي أخدها بسرعة عشان يعمل لها الفحوصات اللازمة ويعرف حالتها.
أما أنا وروبرت، ففضلنا واقفين في الممر، والخوف كان بياكل قلبي.
بصيتله وقلت بصوت واطي، لكنه مليان وجع
لو حصل لأمي أي حاجة، عمري ما هسامحك.
روبرت وطّى راسه، ومقدرش يبص في عيني.
قال بصوت مكسور
إيميلي، والله ما كان قصدي أبدًا إني أبعتها تعيش في مكان تاني.
صرخت فيه
أمال إيه اللي إنت قلته امبارح؟! مش إنت اللي قلت إننا هناخدها مكان تاني يوم الجمعة؟!
رد بسرعة
أيوه، بس الموضوع كان...
وقبل ما يكمل كلامه، ظهر دكتور في آخر الممر، وبدأ يبص حواليه كأنه بيدوّر على حد.
وبعدين سأل
أهل مدام مارجريت موجودين؟
قمت من مكاني بسرعة، وقلبي كان بيدق بعنف.
جريت ناحيته وقلت وأنا بترجاه
أرجوك، طمّني! أمي هتعيش؟!
الدكتور سكت للحظات، وبصلي بنظرة غريبة.
وبعدين سألني سؤال خلاني أحس إن فيه مصيبة أكبر لسه مستنيانا
مين اللي لقى الجواب ده؟
بصيتله باستغراب وقلت
أنا اللي لقيته... ليه؟ هو أمي أخدت جرعة كبيرة من الأدوية؟!
لكن رد الدكتور كان بداية سر محدش فينا كان مستعد يسمعه...
الدكتور بصلي بجدية وقال
إيميلي، أنا عايزك تهدي شوية وتسمعيني كويس. والدتك لسه تحت الملاحظة، وإحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه عشان نطمن على حالتها. لكن فيه حاجة في الموضوع ده مش مفهومة بالنسبة لنا.
حسيت إن قلبي هيقف من الخوف، وسألته بسرعة
إيه هي؟ أرجوك متخبيش عني حاجة!
الدكتور بص ناحية روبرت، وبعدين رجع بصلي وقال
الجواب اللي لقيتيه جنب والدتك... إحنا محتاجين نعرف إذا كانت هي اللي كتبته فعلًا، ولا حد تاني كتبه ليها.
اتجمدت مكاني.
إزاي يعني؟! ده خط أمي، وأنا عارفاه كويس من وأنا طفلة!
الدكتور هز راسه وقال بهدوء
أنا مش بتهم حد بحاجة يا مدام إيميلي، لكن والدتك كانت بتحاول توصل لنا رسالة قبل ما تفقد الوعي، والرسالة دي مختلفة تمامًا عن اللي مكتوب في الجواب.
بصيتله بعدم تصديق، وحسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
أمي قالت إيه؟!
قبل ما يرد، روبرت قرب مننا بخطوات مترددة، ووشه كان شاحب بشكل مخيف.
قال للدكتور
لو سمحت، ممكن نتكلم معاها لوحدنا؟ فيه حاجات لازم إيميلي تعرفها.
لفيت ناحيته بسرعة.
حاجات إيه يا روبرت؟! إنت مخبي عني إيه كمان؟!
حاول يمسك إيدي، لكني سحبتها منه بعنف.
متلمسنيش! من ساعة ما أمي دخلت المستشفى وإنت بتتكلم بالألغاز. أنا عايزة أفهم الحقيقة!
روبرت غمض عينيه للحظة، وكأنه بيحاول يجمع شجاعته، وبعدين قال بصوت مبحوح
أنا عارف إنك فاكراني السبب في كل اللي حصل، وعندك حق تزعلي مني... بس فيه حاجة أنا اكتشفتها من كام يوم، ومكنتش عارف أقولك عليها إزاي.
صرخت فيه
اكتشفت إيه؟!
بص للدكتور، وبعدها رجع بصلي وقال
أمك مكنتش خايفة من دار المسنين وبس يا إيميلي... أمك كانت خايفة من حاجة تانية، حاجة كانت بتحاول تخبيها عنك من شهور.
حسيت ببرودة تسري في جسمي.
أمي؟!
الست اللي كانت بتحكيلي كل حاجة، حتى أبسط تفاصيل يومها، كانت مخبية عني سر بالشكل ده؟
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال، خرجت ممرضة من باب العناية، وكانت ماسكة كيسًا بلاستيكيًا شفافًا فيه حاجات أمي الشخصية.
قربت من الدكتور وقالت
يا دكتور، لقينا دي في جيب الروب بتاع المريضة، وفيه ورقة لازم أهلها يشوفوها.
الدكتور أخد الورقة، وقراها بسرعة، وبعدها رفع عينيه وبصلي بنظرة مليانة قلق.
مدام إيميلي، والدتك كانت محتفظة بالورقة دي معاها، ومكتوب فيها اسمك واسم زوجك.
مديت إيدي وأنا برتعش، وأخدت الورقة منه.
كان مكتوب بخط أمي
لو جرالي أي حاجة، أرجوكم متصدقوش إن روبرت هو السبب... الحقيقة موجودة في الصندوق الخشبي اللي تحت سريري.
فضلت أعيد قراءة الجملة مرة ورا التانية.
إيه الصندوق الخشبي ده؟! أنا عمري ما شفت صندوق تحت سرير أمي!
لكن روبرت، أول ما شاف الورقة، رجع لورا خطوتين، وحط إيده على وشه، وبدأ يعيط بصوت مكتوم.
مسكته من دراعه وقلت بحدة
إنت تعرف الصندوق ده؟!
هز راسه ببطء، والدموع نازلة من عينيه.
أيوه... أنا اللي حطيته هناك.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
إنت؟! وليه بتحطه تحت سرير أمي من غير ما تقولي؟!
بصلي بعينين حمراوين وقال
لأن أمك طلبت مني أوعدها إني مش هفتحه، إلا لو حصل لها حاجة ومبقتش قادرة تحكيلك بنفسها.
في اللحظة دي، خرج الدكتور من العناية وقال إن أمي بدأت تستجيب للعلاج، لكن لسه محتاجة مراقبة دقيقة.
وقعت على الكرسي من شدة الارتياح، وبعدها قمت فورًا وقلت لروبرت
إحنا راجعين البيت دلوقتي. عايزة أشوف الصندوق ده بعيني.
روبرت حاول يمنعني، وقال
إيميلي، استني لحد ما أمك تفوق. فيه حاجات لو عرفتيها دلوقتي، ممكن تندمي إنك استعجلتي.
بصيتله بصدمة وقلت
أندم على إيه؟! دي أمي! ومش هسيب أي سر يخصها مستخبي عني تاني!
وبالفعل، رجعنا البيت، وطلعت أوضة أمي بسرعة.
رفعت المرتبة، وبصيت تحت السرير، ولقيت صندوقًا خشبيًا صغيرًا، عليه قفل قديم.
روبرت طلع مفتاحًا من محفظته، وفضل واقف جنبي وهو بيترعش.
فتحت الصندوق...
ولقيت جواه صورًا قديمة لأمي وهي أصغر من سني دلوقتي، ومجموعة خطابات مربوطة بشريط أزرق، وفوقهم ظرف كبير مكتوب عليه
إلى إيميلي... افتحيه لما تعرفي إني مبقتش قادرة أخبي الحقيقة عنك.
فتحت الظرف بسرعة، لكن أول ما شفت الصورة اللي كانت جواه، إيدي بدأت تترعش بشكل هستيري.
كانت صورة ليا وأنا طفلة، عندي حوالي خمس سنين، واقفة جنب أمي قدام بيت قديم عمري ما شفته قبل كده.
والغريب إن فيه راجل واقف بعيد عننا في الصورة، ووشه كان متشطب عليه بقلم أسود.
قلبت الصورة، ولقيت أمي كاتبة جملة واحدة
الراجل ده هو السبب في إن حياتنا اتغيرت للأبد... وروبرت يعرف حكايته كويس.
رفعت عيني ناحية جوزي ببطء.
روبرت... مين الراجل ده؟!
لكنه ماردش.
فضل باصص للصورة، وبعد ثواني وقع على ركبته قدامي، وقال بصوت مخنوق
أنا آسف يا إيميلي... كنت فاكر إن السر ده هيفضل مدفون للأبد.
وقبل ما أقدر أضغط عليه عشان يتكلم، رن تليفوني.
كان رقم المستشفى.
رديت بسرعة، وسمعت صوت الممرضة بتقول
مدام إيميلي، لازم تيجي حالًا... والدتك فاقت، وأول حاجة طلبتها إنها تشوفك إنتِ وجوزك مع بعض.
سكتت لحظة، وبعدها أضافت بصوت متردد
بس فيه مشكلة... أول ما والدتك شافت صورة الراجل اللي معاكي في الملف، بدأت تصرخ، وفضلت تقول إن الشخص ده رجع تاني، وإنه مش هيكتفي باللي عمله زمان.
بصيت للصورة اللي في إيدي، وبعدين بصيت لروبرت اللي كان لسه على ركبته.
وسألته السؤال اللي خلّاه يرفع راسه ويبصلي برعب
هو الراجل ده لسه عايش يا روبرت؟!
روبرت فتح بقه عشان يرد، لكن الكلمات خرجت منه بالعافية...
والإجابة اللي قالها كانت أخطر بكتير من كل اللي اكتشفته لحد اللحظة دي!
روبرت فضل باصصلي ثواني طويلة، وكأنه مش قادر يقرر يقول الحقيقة ولا يفضل ساكت.
وبعدين مسح دموعه وقال بصوت مرتعش
أيوه يا إيميلي... الراجل ده لسه عايش.
حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
طيب هو مين؟! وإيه علاقته بأمي؟! وليه أمي كانت بتخاف منه بالشكل ده؟!
روبرت قام من على ركبته،