ابن جاري الغني حكايات زيزي حصري

لمحة نيوز

مكنتش للوجان.
كانت لابني نوح... واقف قدام مدرسته، وجنبه جرانت وايتمور!
وتحت الصورة، كان فيه سطر مكتوب بخط إيد غريب
لو عايزة تحمي ابنك، لازم تعرفي إيه اللي جاب جرانت للحي ده من الأساس.
يتبع...
فضلت باصة للصورة اللي في إيدي، وحسّيت ببرودة بتجري في جسمي، رغم إن شمس كولورادو كانت لسه قوية.
نوح واقف قدام مدرسته، شايل شنطته على كتفه، وجرانت واقف جنبه وبيتكلم معاه بابتسامة!
لكن ابني عمره ما قالي إنه قابل جرانت قبل كده، وخصوصًا إنه كان دايمًا بيبعد عنه بسبب تصرفات لوجان.
رفعت عيني ناحية فرانك وسألته بصوت هادي، رغم إن قلبي كان بيدق بسرعة
مين اللي بعتلك الظرف ده؟
فرانك هز راسه وقال
معرفش. لقيته قدام باب بيتي من أسبوع، ومن غير اسم أو عنوان. في الأول افتكرت إنه مجرد تحذير تافه، لكن لما شوفت الصورة، قررت أستنى وأتأكد من اللي بيحصل.
قلبت الصورة على ضهرها.
كان فيه تاريخ مكتوب بالقلم، من حوالي شهرين.
يعني جرانت كان قريب من مدرسة نوح قبل ما ابنه يبدأ يستفزني في الشارع!
حطيت الصورة في الظرف، وقلت لفرانك
محتاجاك متقولش لحد إنك وريتهولي. ولا حتى لجيراننا.
هز راسه بالموافقة، لكن قبل ما أتحرك، سألني
كلير، إنتِ فاكرة إن الموضوع ليه علاقة بخدمتك في الجيش؟
بصّيتله مباشرة.
مش عارفة. بس لو حد بيحاول يقرب من ابني لأي سبب، أنا مش هتجاهل الموضوع.
رجعت البيت، وقفلت الباب، ولقيت نوح قاعد على الكنبة، ولسه لابس هدوم المدرسة.
أول ما شافني، قام بسرعة وسألني
ماما، إنتِ كويسة؟ أنا سمعتهم وهما بيتخانقوا بره.
قعدت جنبه، وحطيت الظرف على الترابيزة، وقررت أسأله من غير ما أخوفه.
حبيبي، إنت قابلت جرانت وايتمور قبل كده؟
وشه اتغير.
التغيير كان بسيط، لكنه كان كفاية إني آخد بالي.
بصّ للأرض، وفرك إيديه في بعض، وبعدين قال
أنا... شوفته مرة واحدة.
حسّيت إن قلبي وقع.
إمتى يا نوح؟
بلع ريقه، ورد بصوت واطي
من حوالي شهرين. كنت خارج من المدرسة، وهو كان واقف عند البوابة. قال إنه جارنا، وإنه عايز يسألني سؤال عنك.
حاولت أحافظ على هدوئي.
سألك عن إيه؟
نوح رفع عينيه ليا، وقال
سألني إذا كنتِ بتشتغلي في الجيش فعلًا، وإذا كنتِ بتسافري كتير زمان. ولما قلتله إني معرفش تفاصيل شغلك، اداني كارت وقاللي لو احتجت أي مساعدة في المستقبل، أكلمه.
وإنت أخدت الكارت؟
هز راسه.
أيوه، بس رميته في سلة المهملات أول ما رجعت البيت. مكنتش مرتاحله، ومكنتش عايزك تزعلي إني كلمته.
ضمّيت إيده بين إيديا وقلتله
إنت معملتش حاجة غلط يا حبيبي. بالعكس، أنا فخورة إنك قلتلي الحقيقة.
وبعدين سألته أهم سؤال
هو هددك؟ أو طلب منك تخبي عني أي حاجة؟
نوح فكر شوية، وبعدها قال
لأ. بس قبل ما يمشي، قاللي إن فيه ناس بتفتكر إن الماضي بيموت لما الواحد يسيب شغله، وإنه نفسه يشوف إذا كنتِ لسه نفس الشخص اللي كان زمان.
الجملة دي خلتني أسكت تمامًا.
لأنها مكنتش مجرد كلام عابر.
كانت رسالة متعمدة.
جرانت كان بيدور ورا ماضيّا، وكان بيحاول يوصل لابني قبل ما يواجهني أنا.
لكن السؤال اللي مكنتش لاقية له إجابة كان هو عايز إيه بالضبط؟
في الليلة دي، استنيت لحد ما نوح نام، وبعدها طلعت صندوقًا معدنيًا قديمًا من الدولاب.
الصندوق كان فيه حاجات احتفظت بيها من خدمتي صور قديمة، أوراق رسمية، وميداليات مكنتش بطلعها من مكانها إلا نادرًا.
فتحت ملف خدمتي، وبدأت أراجع التواريخ.
على مدار أكتر من عشرين سنة، خدمت في وحدات مختلفة، وشاركت في عمليات صعبة، ووصلت في النهاية لقيادة قوات ضمن الفوج الخامس والسبعين للرينجرز.
لكن قبل ما أستقر في كولورادو، كان فيه ملف واحد فضلت أتجنّب التفكير فيه لسنين.
ملف عملية قديمة اتعرضت خلالها مجموعة من جنودي لخطر شديد بسبب تسريب معلومات سرية.
أنا وقتها اتخذت قرارًا صعبًا لحماية فريقي، والعملية انتهت، والتحقيقات الرسمية اتقفلت، وكل واحد رجع لحياته.
على الأقل، ده اللي كنت فاكرة إنه حصل.
فتحت الملف القديم، وراجعت أسماء الأشخاص اللي ارتبطوا بالتحقيق.
وفجأة، عيني وقعت على اسم خلاني أرجع بضهري للكرسي.
جرانت وايتمور.
مكانش جندي، ولا كان جزءًا من وحدتي.
لكنه كان مرتبطًا بشركة مدنية قدّمت خدمات لوجستية خلال الفترة اللي سبقت العملية.
والأغرب من كده إن اسمه ظهر في ملحق قديم متعلق بمراجعة عقود الشركة، وبعدها اختفى من الأوراق اللي كانت متاحة ليا.
قعدت أبصّ للاسم وأنا بحاول أفتكر التفاصيل.
هل كان جرانت مجرد رجل أعمال اتعامل مع الشركة؟
ولا كان عنده معلومات عن اللي حصل وقتها؟
ومين اللي قرر يبعت الصورة لفرانك بعد كل السنين دي؟
قبل ما أقدر أوصل لأي إجابة، سمعت صوت خبطتين على باب البيت.
بصّيت للساعة.
كانت الساعة 1147 بالليل.
قمت بهدوء، ووقفت بعيد عن الباب، وسألت
مين؟
جالي صوت راجل من الناحية التانية
أنا فرانك يا كلير. لازم أكلمك حالًا.
فتحت الباب بعد ما اتأكدت من هويته، ولقيته واقف ووشه شاحب، وفي إيده موبايله.
دخلته، وأول ما قفلنا الباب، وراني فيديو منشور على صفحة محلية للحي.
كان فيديو التحدي اللي حصل الصبح.
جرانت نشره بالفعل، لكنه قصّ كل اللحظات اللي ابنه فيها حاول يندفع ناحيتي، وخلى الفيديو يبان كأني ست متكبرة رفضت تواجه شاب رياضي.
وفوق الفيديو، كتب
لما الغرور يخلي بعض الناس تفتكر إنهم أحسن من غيرهم!
لكن ده مكنش السبب اللي خلّى فرانك ييجي في نص الليل.
هو كبّر الصورة على جزء صغير ظهر في آخر الفيديو، قبل ما جرانت يوقف التسجيل.
كان فيه راجل واقف جنب عربيته السودا، بعيد عن التجمع، وبيبص ناحيتي.
فرانك قال
أنا أعرف الراجل ده. شفته مرتين الأسبوع اللي فات، وكان كل مرة بيقف قدام بيتك لدقايق ويمشي.
بصّيت للصورة كويس.
مكنتش أعرفه.
لكن فرانك فتح صورة تانية على موبايله، وقال
النهارده شفته خارج من مكتب جرانت، وكان معاه ملف كبير. أنا معرفش هو مين، لكن عندي إحساس إن وجوده مش صدفة.
مدّيت إيدي للموبايل، وراجعت الصورتين.
وبعدين قلت
فرانك، من فضلك متحاولش تواجه أي حد بنفسك. لو فيه تهديد حقيقي، لازم نتعامل معاه بطريقة قانونية وآمنة.
هز راسه، وبعدها قال جملة خلتني أفكر في احتمال أسوأ
كلير، فيه حاجة أنا مخبيها عنك. الراجل ده مش بس بيقف قدام بيتك... أنا شفته كمان خارج من مكتب محامي في وسط المدينة، نفس المحامي اللي بيتعامل مع شركات جرانت العقارية.
في اللحظة دي، سمعت صوت إشعار من موبايل نوح، اللي كان سايبه على الترابيزة.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها، ولقيت فيها صورة جديدة.
الصورة كانت لبيتنا من الخارج، متصورة في نفس الليلة.
وتحتها جملة واحدة
إنتِ بدأتي تفتكري يا كلير... بس لسه متعرفيش مين اللي خان فريقك زمان.
فضلت باصة للرسالة، وكل تفصيلة في دماغي بدأت ترتبط بالتانية.
جرانت، الصورة القديمة، الملف العسكري، والراجل الغامض اللي بيراقب البيت.
وفجأة، افتكرت اسمًا من ملف التحقيق القديم، اسم شخص كنت متأكدة إنه مات من سنين.
لكن لو كان الشخص ده لسه عايش...
فده معناه إن القصة اللي اتقالت لنا عن العملية القديمة ممكن تكون كذبة من البداية.
رفعت عيني ناحية فرانك وقلت
بكرة الصبح، هروح أقابل شخص واحد. لو عنده الإجابة اللي بدور عليها، هعرف ليه جرانت اختارني أنا بالذات.
فرانك سألني بقلق
ومين الشخص ده؟
قفلت الملف المعدني، وقلت اسمًا واحدًا.
اسم الشخص اللي كان آخر واحد شفته قبل ما تنتهي العملية القديمة... واللي تقرير الجيش أكد وفاته من عشرين سنة!
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن الشخص ده كان هو كمان بيحاول يوصل ليا من شهور...
وإن المقابلة اللي استنيتها كل السنين دي، هتكشف سرًّا أكبر بكتير من مجرد انتقام جرانت وايتمور.
يتبع...
الساعة كانت 6 الصبح، وأنا واقفة قدام المراية بربط شعري، وعقلي مشغول بالاسم اللي افتكرته طول الليل.
النقيب دانيال روس.
الراجل اللي كنت آخر واحدة شافته قبل ما تنتهي العملية اللي قلبت حياتي، واللي اتقال لنا إنه مات أثناء الانسحاب، بعد ما اتقطعت الاتصالات بينه وبين فريق الإنقاذ.
لكن فيه تفصيلة عمري ما قدرت أنساها.
قبل ما نفقد الاتصال بيه بدقايق، دانيال قال جملة على اللاسلكي، جملة فضلت ترن في ودني لسنين
كلير، لو حصل أي حاجة، متصدقيش التقرير الأخير.
وقتها اعتبرت كلامه نتيجة الضغط والخطر اللي كنا فيه.
لكن بعد ما لقيت اسم جرانت في الملف القديم، وبعد الرسالة اللي وصلتني بالليل، بدأت أشك إن دانيال كان بيحاول يحذرني من حاجة محدش عرفها.
سيبت لنوح ورقة على الترابيزة، وطلبت منه يروح المدرسة مع جارتي السيدة ميلر، وإنه ميفتحش الباب لأي حد غريب.
وقبل ما أخرج، اتصلت بالجهة المختصة وطلبت التحقق من التهديدات اللي وصلتني، واحتفظت بكل الصور والرسائل من غير ما أرد على الرقم المجهول.
مكنش عندي أي نية إني أعرّض ابني للخطر عشان أكتشف الحقيقة بنفسي.
لكن كان لازم أعرف مين اللي بيحاول يخوفني، وليه اختار الوقت ده بالذات.
وصلت للمكان اللي كان المفروض أقابل فيه دانيال، وهو مبنى قديم على أطراف المدينة، فيه مكاتب لشركات صغيرة ومحلات مقفولة من سنين.
المكان اللي اتحدد في الرسالة كان مكتبًا في الدور التاني.
طلعت السلم، ووقفت قدام الباب المكتوب عليه اسم شركة استشارات أمنية.
الباب كان مفتوحًا.
دخلت بحذر، وسمعت صوت راجل من آخر الممر بيقول
اتأخرتي يا كلير.
وقفت مكاني.
الصوت كان أعمق وأخشن من اللي فاكره، لكن فيه نبرة مستحيل أنساها.
ظهر الراجل من ورا باب جانبي، وكان أكبر سنًا، شعره أبيض تقريبًا، ووشه مليان خطوط عميقة.
لكن عينيه...
عينيه كانوا نفسهم.
نفس النظرة اللي شفتها آخر مرة وسط الدخان والتراب.
رفعت إيدي على بقي من الصدمة، وخرج الاسم من شفايفي بصعوبة
دانيال؟!
هز راسه ببطء.
أيوه. أنا عايش.
حسّيت بغضب وصدمة في نفس الوقت.
عشرين سنة!
عشرين سنة وأنا فاكرة إن الراجل ده مات، وعشرين سنة وأهله عايشين على ذكرى شخص مفقود اتقال لهم إنه مش هيرجع أبدًا.
قربت منه خطوة وقلت بصوت مرتعش من الغضب
إنت عارف إنهم أعلنوا وفاتك؟ عارف إن فريقنا كله صدّق إنك مت؟ إزاي قدرت تختفي كل السنين دي؟
دانيال نزل عينيه للأرض.
عارف إن مفيش كلام هيكفي يبرر اللي حصل. بس لو كنت رجعت وقتها، كان فيه ناس هتتأذى، وإنتِ كنتِ هتبقي أول واحدة فيهم.
مين الناس دي؟
رفع عينيه ليا، وقال
الناس اللي كانوا بيحاولوا يسرّبوا معلومات عن تحركات وحدتنا. واللي حصل في العملية مكنش مجرد خطأ في التخطيط، زي ما التقرير الرسمي قال.
سكت لحظة، وبعدها كمل
كان فيه حد بيوصل معلومات حساسة لجهة خارجية، والمعلومات دي كانت بتوصل للشركة المدنية اللي كانت مسؤولة عن بعض الخدمات اللوجستية.
افتكرت اسم جرانت فورًا.
شركة وايتمور؟
دانيال اتفاجئ لما سمع الاسم، ووشه اتغير.
إنتِ وصلتي للاسم ده إزاي؟
حكيتله عن الظرف والصورة، وعن محاولة جرانت إنه يستفزني قدام الجيران، وعن الرسالة اللي وصلتني.
كل ما كنت بتكلم، ملامحه كانت بتزداد قلقًا.
ولما خلصت، قال
يبقى هو بدأ يتحرك تاني.
سألته
يتحرك عشان إيه؟
راح ناحية مكتب خشبي قديم، وفتح درجًا مقفولًا، وطلع منه ملف أسود سميك.
حطه قدامي، لكنه مفتحوش فورًا.
قبل ما أوريكي اللي جواه، لازم تعرفي إن فيه حاجة حصلت بعد اختفائي بسنين.
تم نسخ الرابط