ابن جاري الغني حكايات زيزي حصري
المحتويات
الشخص اللي كان مسؤول عن مراجعة عقود الشركة اختفى فجأة، وبعدها بفترة قصيرة، اتقفلت القضية من غير ما حد يعرف وصل لإيه.
بصّيتله بتركيز.
مين الشخص ده؟
قال الاسم، وحسّيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
لأنه كان اسم رجل اشتغل معايا في بداية خدمتي، وكنت بثق فيه ثقة كاملة.
العقيد المتقاعد مايكل هاريس.
الراجل اللي وقّع بنفسه على التقرير النهائي للعملية.
الراجل اللي أكد إن دانيال مات.
والراجل اللي كتب في التقرير إن مفيش أي دليل على تسريب معلومات.
قلت بصوت واطي
إنت بتقول إن مايكل كان عارف إنك عايش؟
دانيال هز راسه.
أنا مش بقول إنه كان عارف كل حاجة. أنا بقول إن توقيعه على التقرير محتاج يتراجع، وإن فيه مستندات اتشالت من الملف قبل ما يوصل لمرحلة المراجعة النهائية.
فتح الملف الأسود، وطلع منه نسخة قديمة من مستندات العقود.
كان فيه جدول بأسماء الشركات، ومواعيد التحويلات، وأرقام ملفات داخلية.
لكن اللي لفت نظري كان سطر في آخر صفحة.
اسم جرانت وايتمور.
وتحته ملاحظة مكتوبة بخط اليد
مراجعة عاجلة بناءً على طلب M H.
رفعت عيني لدانيال.
يعني مايكل هو اللي طلب مراجعة اسم جرانت؟
أيوه. ودي كانت آخر مرة ظهر فيها اسم مايكل في السجلات المتاحة ليا.
حاولت أربط الأحداث ببعضها.
لو مايكل هو اللي طلب مراجعة جرانت، ليه التقرير النهائي تجاهل الموضوع؟
ولو دانيال كان عارف إن فيه تسريب، ليه اختفى بدل ما يبلّغ؟
دانيال فهم الأسئلة اللي بتدور في دماغي، وقال
أنا اختفيت لأن حد بعتلي تحذير واضح إن حياتي في خطر، وإن أي محاولة للرجوع هتعرّض ناس تانية للخطر. مكنش عندي طريقة أتأكد مين اللي أقدر أثق فيه، ففضلت بعيد لحد ما لقيت دليل حقيقي.
وليه رجعت دلوقتي؟
سكت طويلًا.
وبعدين دفع ناحيتي صورة قديمة.
الصورة كانت لجرانت وهو أصغر سنًا، واقف قدام مبنى إداري، وبجانبه رجل تاني.
الرجل التاني كان العقيد مايكل هاريس.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني، مكنش وجود مايكل في الصورة.
كان التاريخ المكتوب على ظهرها.
الصورة اتاخدت بعد التاريخ اللي اتقال إن دانيال مات فيه بأسبوعين.
يعني حد من الأشخاص اللي ارتبطوا بالقضية كان لسه بيتواصل مع جرانت بعد العملية.
وفجأة، رنّ تليفوني.
كان رقم السيدة ميلر.
رديت بسرعة.
ألو، خير؟ نوح كويس؟
صوتها كان مرتعشًا.
كلير، نوح بخير، هو معايا في البيت. بس فيه عربية سودا وقفت قدام بيتك، ونزل منها راجل بيسأل عنك. ولما قلتله إنك مش موجودة، سلّمني ظرف وقاللي أديهولك أول ما ترجعي.
حسّيت بقبضة قوية في صدري.
خلي نوح جوا، ومتخليش الراجل يقرب منه. وأنا هتصرف.
قفلت المكالمة وبصّيت لدانيال.
حد بعتلي ظرف تاني.
دانيال قام من مكانه، وملامحه اتغيرت تمامًا.
كلير، لازم تمشي من هنا فورًا. لو الشخص ده عرف إنك قابلتيني، يبقى إحنا فقدنا ميزة مهمة جدًا.
جمعت الأوراق بسرعة، لكن قبل ما أخرج، دانيال مسكني من غير ما يمنعني من الحركة، وقال
اسمعيني كويس. متثقيش في أي حد يقولك إنه بيحاول يحميكي، حتى لو كان من الناس اللي خدموا معاكي.
بصّيتله بحدة.
إنت تقصد مين؟
لكنه مردش.
بدلًا من كده، طلع من جيبه مفتاحًا صغيرًا، وحطه في إيدي.
ده مفتاح خزانة مستندات في محطة القطار القديمة. جواها النسخة الوحيدة من الدليل اللي ممكن يثبت مين كان مسؤول عن اللي حصل.
سألته
وليه مديتني المفتاح دلوقتي؟
رد بصوت مليان خوف
لأن الليلة اللي اختفيت فيها، أنا مكنتش لوحدي. كان فيه شخص تالت معانا، شخص الكل اعتقد إنه مات... والشخص ده هو اللي بعتلك الصورة.
قبل ما أقدر أسأله عن أي تفاصيل، سمعنا صوت باب بيتقفل بعنف في آخر الممر.
دانيال لفّ ناحية الصوت، ووشه شحب.
وبعدين همس
مستحيل... هو وصل لهنا إزاي؟
ظهر ظل راجل عند مدخل المكتب.
سمعت صوت خطوات بطيئة بتقرب، وبعدها صوتًا أعرفه كويس، صوتًا كنت بسمعه في الاجتماعات الرسمية من سنين طويلة.
صباح الخير يا كولونيل بينيت.
خرج الراجل من الظل.
كان العقيد مايكل هاريس.
لكن بدل ما يوجّه كلامه ليا، بصّ لدانيال وقال بهدوء مخيف
كنت عارف إنك هتظهر في يوم من الأيام.
وبعدين حوّل نظره ناحيتي وأضاف
بس واضح إنك لسه متعرفيش الحقيقة كاملة يا كلير.
مد إيده، وطلع صورة تالتة من جيبه.
الصورة كانت ليا أنا، من عشرين سنة، واقفة جنب فريق الرينجرز قبل العملية مباشرة.
وفي الخلفية، كان فيه شخص واقف بعيد عن الكاميرا، لابس الزي العسكري.
شخص كنت فاكرة إنه مات في نفس العملية.
لكن لما شفت وشه بوضوح، فهمت إن السر الحقيقي مكنش في اختفاء دانيال... السر كان في هوية الشخص اللي كان واقف جنبي طول الوقت، واللي وثقت فيه أكتر من أي حد تاني!
يتبع...
فضلت ماسكة الصورة، وببص للشخص اللي واقف في الخلفية، وعقلي رافض يصدق اللي عيني شايفاه.
كان الرقيب أول إيثان كول.
أقرب شخص ليا في الفريق، والراجل اللي أنقذ حياتي مرتين أثناء خدمتي، واللي اتقال إنه مات في نفس العملية اللي اختفى فيها دانيال.
إيثان مكنش مجرد زميل.
كان الشخص اللي كنت بثق فيه لما كل حاجة حوالينا كانت بتنهار، واللي كان عارف عني تفاصيل محدش غيره يعرفها.
رفعت عيني ناحية مايكل هاريس وقلت
إنت عايز تقنعني إن إيثان كان عايش هو كمان؟
مايكل مردش فورًا. بصّ لدانيال، وبعدها رجع بصّلي.
أنا مش بحاول أقنعك بحاجة. أنا بقولك إن التقرير اللي اتقدم بعد العملية مكانش بيحكي كل الحقيقة.
دانيال ضرب بإيده على المكتب وقال بغضب
كفاية لف ودوران يا مايكل! إحنا ضيعنا عشرين سنة بسبب الأكاذيب دي. قولها الحقيقة!
مايكل فضل ساكت لثواني، وبعدها سحب كرسي وقعد.
إيثان كان مسؤول عن جزء من الاتصالات أثناء العملية. قبل ما الاتصال ينقطع، وصلتنا إشارة إن فيه معلومات اتسربت، وإن الفريق بتاعكم بقى مكشوف.
بصّيتله بذهول.
إنت كنت موجود في غرفة المتابعة وقتها. إزاي وافقت على التقرير اللي قال إن مفيش أي تسريب؟
رد بصوت متعب
لأن الأدلة اللي وصلتني وقتها كانت بتشير إن إيثان هو المسؤول عن التسريب.
حسّيت بالغضب بيغلي جوايا.
إيثان؟! إنت بتتكلم عن الراجل اللي رجع للموقع عشان ينقذ اتنين من جنودي، بعد ما كان ممكن ينسحب ويضمن سلامته؟!
مايكل هز راسه.
عارف إنك كنتِ بتثقي فيه. لكن الثقة مش دليل براءة، زي ما الاتهام مش دليل إدانة.
دانيال وقف فجأة.
الأدلة اللي وصلتلك كانت مزورة!
الصمت ملأ الغرفة.
بصّيت لدانيال وسألته
إنت متأكد؟
فتح الملف الأسود، وطلع ورقة عليها توقيعات وأرقام مرجعية.
دي نسخة من سجل الاتصالات الأصلي. الرسالة اللي اتقال إنها خرجت من جهاز إيثان، اتبعتت بعد ما الجهاز بتاعه اتعطل، وبعد ما تم تسجيل وجوده في مكان تاني.
أخدت الورقة وبدأت أراجعها.
كنت بعرف أقرأ سجلات العمليات، وأميّز بين التوقيتات الصحيحة والأخطاء اللي ممكن تغيّر معنى الحدث كله.
وبعد دقائق، رفعت عيني.
البيانات دي محتاجة فحص رسمي. لكنها فعلًا بتثير أسئلة خطيرة.
مايكل تنهد وقال
وده بالضبط السبب اللي خلاني أطلب مراجعة شركة وايتمور وقتها. لكن قبل ما التحقيق يكتمل، اختفى جزء من المستندات، واتقفل الملف.
سألته
وإنت عملت إيه؟
بصّ للأرض.
حاولت أعيد فتح التحقيق، لكن وصلني تحذير إن أي تحرك غير رسمي ممكن يعرّض شهود للخطر. وبعدها اختفى دانيال، واتقال إن إيثان مات، وفقدت القدرة على إثبات أي حاجة.
دانيال رد بعصبية
كان ممكن تبلغ الجهات المختصة بدل ما تسكت!
مايكل ما حاولش يدافع عن نفسه.
أيوه. وكان لازم أصرّ على مراجعة مستقلة. ده خطأ أنا عايش معاه كل يوم.
لأول مرة، حسّيت إن مايكل مش جاي يهددني، لكنه كمان مش شخص ينفع أصدّق كل كلمة بيقولها من غير دليل.
حطيت الصورة والورق على المكتب وقلت
كفاية كلام عن اللي حصل زمان. عندي ابن عنده 12 سنة، وفيه شخص بيصوره وبيبعتلي رسائل تهديد. أنا مش هسمح إن أي تحقيق قديم يتحول لسبب يعرّضه للخطر.
مايكل رفع عيني بسرعة.
إيه اللي حصل لابنك؟
حكيتله عن جرانت، وعن الصورة اللي اتاخدت قدام المدرسة، وعن الرسائل اللي وصلتني.
أول ما سمع اسم جرانت، اتغيرت ملامحه.
جرانت بدأ يظهر في الصورة تاني؟
أيوه. وعايزة أعرف ليه.
مايكل بصّ لدانيال، وبعدها قال
لأن جرانت مش مجرد رجل أعمال كان بيتعامل مع شركة خدمات. شركته اتوسعت بشكل كبير بعد العملية، وفيه عقود قديمة محتاجة مراجعة. لكن ده مش معناه إنه ارتكب جريمة، ولازم نتأكد من كل حاجة بالأدلة.
دانيال أشار للملف.
والدليل موجود في الخزانة اللي قلتلك عليها يا كلير.
وقبل ما أقدر أرد، رنّ تليفوني مرة تانية.
كانت السيدة ميلر.
رديت، وسمعت صوتها بتتكلم بسرعة
كلير، أنا آسفة، بس نوح سمعني وأنا بتكلم معاكِ عن الظرف، وشاف الصورة اللي فيها جرانت. هو دلوقتي بيقول إنه افتكر حاجة مهمة حصلت في المدرسة.
قلبي انقبض.
إيه اللي افتكره؟
قالت
في يوم الصورة، جرانت مكنش لوحده. كان معاه راجل كبير، ونوح بيقول إنه شافه قبل كده في صورة عندك في البيت.
بصّيت تلقائيًا للصورة القديمة اللي على المكتب.
إيثان كول كان واقف في الخلفية.
لكن نوح عمره ما شاف صور خدمتي القديمة، على الأقل مش الصور اللي كنت محتفظة بيها في الصندوق المقفول.
سألتها
هو قال اسم الراجل؟
ردت
قال إنه سمع جرانت بيناديه باسم... مايكل.
رفعت عيني ناحية العقيد هاريس.
كان واقف قدامي، لكنه أول ما سمع الاسم من خلال المكالمة، وشه فقد لونه.
قلت ببطء
مايكل، إنت قابلت جرانت في مدرسة نوح؟
رد بسرعة
لأ. أنا عمري ما رحت مدرسة نوح، ومش عارف إزاي اسمي دخل في الموضوع.
دانيال بصّله بتركيز، لكن مقلش حاجة.
قفلت المكالمة، وفضلت باصة لمايكل.
كان ممكن يكون نوح سمع الاسم غلط، أو شاف شخصًا يشبهه. لكن كان لازم أتحقق، خصوصًا بعد كل اللي حصل.
مايكل وقف وقال
أنا مستعد أقدّم كل المستندات اللي عندي للجهات المختصة، لكن لازم نمشي بطريقة قانونية. ولو فيه تهديد حقيقي لابنك، لازم يتوثق ويتبلغ عنه فورًا.
هزيت راسي.
ده اللي هيحصل.
بعد حوالي ساعة، كنت راجعة البيت، ومعايا نسخ من المستندات، ومفتاح الخزانة اللي ادّاهولي دانيال.
أول ما دخلت، نوح جري ناحيتي.
ماما، أنا افتكرت حاجة تانية!
قعدت قدامه وقلت
احكيلي يا حبيبي، براحتك.
قال إنه يوم ما جرانت كلمه قدام المدرسة، كان فيه راجل واقف بعيد شوية، بيبص عليهم. وبعد ما جرانت مشي، الراجل قرب من نوح وقاله
لو أمك سألتك عن اللي حصل النهارده، قولها إنك قابلت جاركم بالصدفة.
نوح وقتها مكنش فهم إن فيه حاجة غريبة، لكنه افتكر الجملة لما شاف الصورة.
سألته
تقدر توصفلي الراجل ده؟
وصفلي رجل طويل، شعره رمادي، وكان لابس خاتم فضي في إيده اليمين.
فتحت صورة مايكل على الموبايل، وورّيتهاله.
نوح هز راسه.
مش هو.
وبعدين فتحت صورة دانيال.
ولا ده.
بدأت أعرض عليه الصور القديمة اللي كانت موجودة في الملف، واحدة ورا التانية.
وفجأة، وقف عند صورة معينة.
وأشار للشخص اللي واقف جنب جرانت في الصورة القديمة.
ماما... هو ده!
قربت الصورة من عيني.
كان إيثان كول.
لكن ده مستحيل يكون دليل كافي إنه الشخص اللي شافه نوح، لأن الصورة قديمة، ومكنتش بتوضح ملامحه الحالية.
ومع ذلك، فيه حاجة في الصورة شدت انتباهي.
إيثان كان لابس خاتم فضي في إيده اليمين.
نفس الوصف اللي قاله نوح.
قعدت على الكرسي ببطء، وحاولت أستوعب الاحتمال اللي بدأ يتشكل في
متابعة القراءة