لاجلها بقلم آمل نصر
أصلا.
تطلعت صفا قاطبة الحاجبين نحو ما يشير لتستدرك مقصده سريعا فتشتد خطوط وجهها بغل إكتسحها وردت عليه
دا على أساس إنه كان هامك انت كمان ولا عمرك حتى بصيت عليهم!
يالا بقى بجملة ما انت محملني كل نصايب حياتك جات على دي
بس أنا برضو مش هكش ولا هأنكر!
أيوه يا عرفان... كل الخضرة اللي سابتها المحروسة بعد ما هجت واتطلقت منك سيبتها من غير سقي ولا مراعية لحد ما ماتت واتكنست بالمجشة كمان!
عارف ليه
عشان أنا معمرش زرعة غيري... خصوصا زرعتها هي!
تفوهت الأخيرة بفحيح وغل أثار اشمئزازه حتى لم يعد يحتمل رؤيتها فنهرها بازدراء
طب غوري! غوري من وشي! مش طايق أبص في وشك حتى!
...........................
عودة إلي المنزل الكبير
حيث كان معاذ منهمكا بجدية في فحص هاتف الأستاذة اعتماد أثناء تدريسها لزوجته بينما كانت ترمقه بطرف عينها من وقت لآخر دون أن تعلق بكلمة واحدة.
أما مزيونة فلا تكف عن السؤال وحثه برجاء رغم يأسها من إصلاحه
شوفه زين يا معاذ أكيد في طريقة لفتحه!
تنهد معاذ بنظرة خاطفة نحو إعتماد ثم عاد ليهمس لها بحذر.
ما أنا بحاول والله وعملت كل حاجة ومفيش فايدة... عامل زي الميت اللي وجع فجأة ومحطش منطج.
يا ساتر يا رب... وبعدين
همست بها مزيونة أيضا بصوت بالكاد يسمع
لكن رغم ذلك وصل إلى اعتماد والتي ردت وهي منكفئة على الكتاب دون أن ترفع عينيها
لا بعدين ولا جبلين يا مزيونة... باظ ولا غار في داهية حتى مش فارقة... وفروا تعبكم لحد كدة!
التوى ثغر مزيونة تتبادل النظرات مع معاذ بحرج حتي إنتقل إلي ليلى هي الأخري التي لم تجرؤ على التدخل كي لا تزيد الطين بلة.
كان الحزن يكسو وجهها فهي تشعر بحزن معلمتها القوية التي تكتم عن قصد لا تريد إظهار ضعفها أمامهم وتدعي عدم الاكتراث في شرح لها بعض الفقرات وهي تدعي الفهم.
استمرت محاولات معاذ في إصلاحه حتى يئس تماما يعلل السبب في عدم معرفته بنوع الصناعة ليتركهن وينزل إلى الأسفل ليجد شقيقيه في إنتظاره بحضور والدته وهالة التي استقبلته ساخرة
لا تكون كنت بتاخد درس مع مرتك كمان يا معاذ
رد بابتسامة صفراء
بس لو تبطلي خفة دمك دي شوية عنينا يا هالة.
ضحكت دون اكتراث فيما رمقها زوجها بامتعاض
وتوجه بالسؤال نحو معاذ بنوع من التوتر
ما أنت بصراحة اتأخرت صح النهاردة ودي مش بعادتك يعني.
جلس معاذ وزفر بأسف ثم أجاب
ما أنا كنت بحاول في تليفون أبلة اعتماد عشان يفتح بس للأسف معرفتش خالص.
علق خليفة علي قوله بعصبية
انت اللي معرفتش ولا هو اللي معجرب
صمت معاذ وردت عنه والدته بحرج
يا دي الكسوف! وما يجيش غير في وشنا!
تدخلت هالة وقد تابعت الحوار بانفعال
وتاجي في وشنا ليه إن شاء الله! واحدة تليفونها بايظ من الأول ولا هي تماحيك وخلاص دول ماكانوش نجطتين مية!
تحول توتر خليفة إلى حنق شديد نتيجة قولها فنهض نافضا جلبابه بضجر وعدم تحمل
يا بوووووي على كلامك التجيل إنتي كمان! أنا جايم وماشي!
وغادر الجلسة وسط نظرات الأسف من والدته وإخوته بينما مصمصت هالة شفتيها في أثره بعدم رضا مما استفز حمزة الذي صرف نفسه عنها بالحديث مع أخيه الأصغر
وانت يا أستاذ مش ناوي ترجع شغلك وشي بجى في الأرض منك!
وكأنها فهمت عليه لتقرر تحديه في التدخل بهذا الأمر أيضا بسخريتها
لا ما هو... هيخاف يمشي ويسيب المدام الحامل لوحدها!
حدجها حمزة بنظرة نارية متجنبا الرد عليها بينما زفر معاذ ثم قال مطمئنا
متجلجلش يا حمزة... أنا مظبط أموري مع رئيسي في الشغل وعلى العموم خلاص... كلها بكرة ولا بعده وارجع إن شاء الله.
حرب باردة... هذا هو الوصف الصحيح لما يدور بين الاثنين.
حمزة الذي واصل الحديث مع شقيقه ووالدته متعمدا تجاهلها وتجاهل نظرتها المصوبة نحوه.
لقد أصبحت تحفظه عن ظهر قلب هذا المتيم لا يكتفي بجيرته لتلك المزيونة حتى يأتي خلفها يوميا كل ما جاءت إلى هنا.
يتلهف لكل لفتة منها ولا يخجل من النظر إليها أمام الجميع!
من كان يصدق أن تلك الأفعال تصدر من حمزة... إبن عمها الذي كان يصنع لنفسه هالة من الهيبة تبعث الرهبة في القلوب بمجرد رؤيته
ذلك الذي كانت تراه مغرورا أصبح في حضور تلك المزيونة كالطفل الصغير...
وطبعا هي لا تقصر في مشاغلته والحجة مساعدة ابنتها!
حتى منزلهم أصبح مرتعا لها وللغرباء الذين تأتي بهم كتلك المدرسة المجنونة... لكنها لن تسكت لهما أبدا!
تبسم وجهها فجأة مع القدوم المفاجئ لزوجته الأولى برفقة ابنه ريان الذي دلف مهللا إليهم
شوفت أمي جابتلي إيه يا بوي البلايستيشن اللي جولتلك عليه قبل كده!
انتشت في داخلها وهي تراقب رد فعل حمزة الذي نهض عن مقعده بشحوب يستقبل والدة ابنه ثم علق قائلا
ومالك فرحان جوي كده هي أول مرة تجيبه البلايستيشن مكنش ليه لزوم التعب يا روان...
مسحت على شعر صغيرها لتتولى الإجابة عنه وعن نفسها
ربنا ما يحرمه منك أكيد أنت مكفيه من كله بس أنا أمه وحقي أجيب له كمان... النوع ده مختلف شوية هو كان كلمني عنه وحبيت أعملهاله مفاجأة.
ده ابني يا حمزة وأنا عايزة أعوضه على قد ما أقدر.
مهما كنت أنت حنين أو أهلك كلهم محدش فيهم يقدر يسد مكاني.
أومأ لها بصمت دون تعليق يتركها تلتقي بباقي العائلة وبداخله تغير غير مفهوم...
روان العملية تلك اللغة جديدة عليها.
يتسرب داخله شيء ما يجعله يشك في قربها المتزايد وقدومها المتكرر هذه الأيام لأخذ ريان...
كلها أشياء تؤكد له وبشكل قاطع صدق الظنون التي تنهش رأسه...
.......................
راقبتها من مكانها وهي مستندة بمرفقيها على السور الرخامي لشرفتها تتبعها بعينيها وهي تغادر المنزل الكبير أخيرا تتحدث مع تلك المدعوة اعتماد التي تذهب أيضا معها.
ركزت بأبصارها جيدا عليها جميلة لا تنكر لكنها لن تزيد عنها بالتأكيد. بالإضافة إلى أنها امرأة مطلقة تحوم حولها المشاكل والمصائب أينما حلت.
أما هي... لقد كانت وما زالت جميلة العائلة ومع ذلك رفضها!
رفضها وفضل عليها تلك المدعوة روان لتكون أول طعنة غادرة تتلقاها منه.
منذ أن خلقت وهي تحفظ اسمه قبل أن تحفظ الكلمات هالة لحمزة وحمزة لهالة.
نشأت وترعرعت على أنه لها وأنها لن تكون لأحد غيره.
كل الرجال كانوا سواء في نظرها هم في كفة وحمزة وحده في كفة.
ومع ذلك لم ير ولم يقدر الحب الكبير الذي كانت تحمله له.
تنهدت بحرارة خرجت من صدرها كالصهد أغمضت عينيها بقوة وقد استعادت تلك الذكرى المذلة حين خرجت عن أدبها المعتاد بعد صدمتها بالخبر الأسود لتواجهه دون خجل
ليه رفضتني يا حمزة
صدر صوتها بقوة أجفلت الحصان الذي كان ينظف حافره حتى انتفض متراجعا فكاد أن يؤذي حمزة لولا حرص الأخير ليلقي ما بيده أرضا ويلتفت إليها متجهما يوبخها
إنت اتجننتي يا بت جاية ورايا هنا عشان تقوليلي الكلام ده
لم تكترث بغضبه بل دفعها شعور الإهانة الذي كان يكتنفها إلى أن تتقدم منه أكثر إلى الداخل حتى وقفت مقابلة له تواجهه
وأجيلك آخر الدنيا كمان عشان أسألك! ليه تخطب واحدة غيري وإنت عارف إني معلجة على اسمك كيف تبص لواحدة تانية وأنا بت عمك اللي أحق بيك زي ما إنت أحق الناس بيا
توقفت برهة لتكمل الباقي وجسدها ينتفض من الانفعال أمامه
أنا هالة يا حمزة أحلى بنات العيلة والبلد كلها. بصلي كويس وانت تعرف إن كنت بكدب ولا صادقة. طول عمري بتكبر على الكل بجمالي وعيلتي وبيك على أساس إني خطيبتك من غير كلام. دلوك لما الناس تعرف إنك رفضتني وفضلت عليا واحدة تانية تبجى فين كرامتي
رغم تفاجئه منها ومن جرأتها التي تصل إلى حد الوقاحة في فتح أمر كهذا إلا أنه حاول أن يكون مقدرا إلى أقصى درجة معها علها تفهم
عشان النصيب يا هالة. حكاية إني واد عمك ومكتوبة على اسمي دي مشهورة في كل العائلات. الوفق والقبول ده من عند ربنا يا بت عمي محدش فينا له دخل فيه.
اهتز رأسها بجنون وكأن حديثه يأتي بنتيجة عكسية
يعني إيه وفق ولا قبول هو إنت أول مرة تشوفني دا أنا متربية على يدك يعني تعرفني أكتر من نفسي!
ما هو عشان عارفك أكتر من نفسي أنا بجولك لا يا هالة.
يعني إيه
ما يعنيش. لفي واطلعي من هنا يا هالة. إنت بالذات محدش يحمل همك لأنك حلوة زي ما بتجولي.
انفعل في الأخيرة مما زاد من اشتعالها لتردد مؤكدة
صدجت في الأخيرة يا حمزة! بكرة تشوف لما جمالي ده يجيب سيد سيدك! أنا هالة ومش هجبل غير باللي أحسن منك!
وظلت تكرر الكلمات حتى غادرت من أمامه وهو تجمد في مكانه يتابع انهيارها بقسوة وجمود...
تنهدت عائدة إلى واقعها وحظها المؤسف في عدم تنفيذ وعدها معه.
كانت تبغي أن تذله بمن هو أوسم وأغنى وأكثر هيبة.
لكن حظها التعس جعل نصيبها مع خليفة شقيقه بفضل ضغط والديها عليها.
لتعيش كالميتة محرومة من الحب والسعادة...
ولكنها أيضا مصممة أن يكون الجميع مثلها.
لقد نجحت قبل ذلك كثيرا وما زالت مستمرة في مسعاها للانتقام من حمزة
........................
في منزل مني
تفاجأت منى بالزيارة المفاجئة لشقيقها الذي لا يأتي دون استئذان في العادة ولا في هذا الوقت
من المساء كما خالف وفعلها اليوم.
لكنه كان متغيرا وذلك ما لمسته منذ بداية الترحيب به وحتى جلستها معه لتترك له المجال الكامل حتى أوضح أخيرا سبب الزيارة بعد أن قص عليها جميع ما حدث
خدي يا منى... إديها دول.
نظرت إلى كم النقود التي وضعها في يدها متسائلة بعدم فهم
ليه دول يعني يا خليفة مش فاهمة!
زفر المذكور بخفوت ثم أجابها بعد لحظات
دول ترضية يا منى... بدل التليفون اللي ضاع.
بما إني مش هعرف أكلمها ودي واحدة زي الجطر ما بتديش فرصة للتفاهم.
فأنا شايف إنك أنسب واحدة بحكم علاقة المودة اللي بينكم.
مش جوزك برضو هو اللي دايما متشددلها وبيقدمها في أي مشوار شغل
تمتمت منى تلوي ثغرها على الجانبين وقد فهمت ما يقصد ورددت بطريقتها مستنكرة
يا حزني يا أمه... يعني إنت عايز تضحي بأختك عشان بس جوزي متشددلها وبيقدمها في مشاوير شغل
طب افترض جوزي مخه ضارب أضيع أنا بسببه
إيه اللي بتهلفطي بيه ده يا منى ما توزني كلامك!
يا حبيبي والله وازنه كلامي... بس أنا بقولك أهو انس حكاية الفلوس والكلام الفاضي ده.
أعفش حاجة في اعتماد هي عزة نفسها وحساسيتها الزيادة عن اللزوم.
خد يا حبيبي فلوسك دي... أنا مش مستغنية عن عمري.
وختمت الأخيرة كلامها وهي تفتح كفه تعيد له النقود التي وضعها بيدها منذ لحظات فنظر إليها متمتما بحيرة
طب وبعدين في الموضوع المعجرب ده أحله إزاي بس وأريح مخي
...........................
ناديتك وانتظرت الإجابة...
ناديتك يا عنيدة وما زلت صابرا حتى يلين قلب الحجر قلبك.
لن أكف عن المحاولات ولن أيأس.
فرغم كل شيء قلبي يخبرني بقرب الوصال.
كيف السبيل إليك دليني.
حمزة
لقد مر اليوم طويلا ولم يتحدث معها رغم حرصه وتتبعها إلى منزل العائلة ولكنها تعمدت أن تظل في طابق ابنتها ولم تنزل إلى الطابق السفلي أثناء تواجده والذي لم يستمر طويلا نظرا إلى الحضور المفاجئ لزوجته السابقة.
حتي إنه لم يحتمل المكوث أكثر من دقائق معدودة خاصة بعد متابعته لذلك الود المبالغ فيه بينها وبين هالة ابنة عمه.
ليستغل فشل محاولته للذهاب إلى أعماله المتراكمة بسبب انشغاله في الأهم وهو ترويض العنيدة كما يحدث الآن.
تجاوز حنقه حدود السماء وهي لا تخرج حتى لابتياع احتياجاتها المنزلية من خضروات وبقالة بعد أن تكفل بها هذا المتحذلق ابن أخيها حازم.
تنهد بيأس وهو يراقب صغيره الذي يلعب بالكرة أمامه يذهب بها هنا وهناك حتى اصطدمت في مرة بإحدى الشجيرات التي زرعها بنفسه.
لينتقل ريان بالنظر إليه مذعورا ينتظر التوبيخ وكان على وشك ذلك فعلا... وقد خطرت بباله فكرة جعلته يتراجع.
ليطمأنه بنظرة حانية ثم نهض من على أريكته وتناول الكرة منه وقرر مشاركته اللعب مما جعل الصغير يقفز فرحا.
لتبدأ لحظات من الركض والمرح وتسديد الأهداف حتى أتى بأهم هدف في لحظة تركيز حين أصاب المكان الذي يريده ليتوقف ريان فجأة قائلا بوجل ولهاث
يا وجعة! الكورة دخلت في بيت خالتي مزيونة... هنعمل إيه دلوك
تنفس والده بابتسامة ماكرة وصحح له
وجعت في الحوش المكشوف من غير قصد يا ريان... يعني تقدر تندهلها تجيبهالنا.
يعني مش هتزعج
لأ يا حبيبي وتزعج ليه بس إن شاء الله متكونش كسرتلها حاجة. ولا أقولك انده عليها وجولها عشان نشوف.
وهكذا أقنعه ليذهب إلى مدخل منزلها مناديا من الخارج بتشجيع من والده
يا خالة مزيونة يا خالة مزيونة! الكورة وجعت عندك في الحوش هاتيها!
وحين جاء ردها من الداخل واطمأن حمزة لخروجها وضع بيد ريان بعض الأوراق المالية ليصرفه ويجعله يذهب إلى أقرب محل بقالة يشتري ما يشاء ثم انتظر فقط لحظات حتى خرجت بالكرة تبحث عنه
الكورة أهي يا عفريت! بس على الله تكررها تاني... لا أشجهالك بالسكين!
وأكملت بضحكة مرحة حتى وصلت إلى الجزء الخلفي وهو ما زال في انتظارها جالسا على مصطبتها الحبيبة.
لقد ذهب عقله عشقا بها...
هو متأكد تماما من تلك المعلومة.
حجج المراهقين وأفعال الصغار في ابتكار طرق اللقاء بالحبيبة يفعلها الآن في هذا العمر!
ولم لا يفعل!
وبماذا سيفيده العقل إن نام ليلته دون أن يكحل عينيه برؤيتها بعد أن اختفت طوال اليوم
فقد خرجت الآن بزي مختلف عن كل العباءات العصرية التي ترتديها ذلك الزي القديم لنساء البلدة رداء يشبه الفستان يصنع من قماش منقوش بخامات مختلفة مجسم إلى حد ما في الأعلى حتى حردة الخصر ثم يتسع كالتنورة في الأسفل.
ازدادت بهاء وسحرا في عينيه وهو أصلا لا ينقصه!
وكأنها شعرت به التفتت إليه فجأة ليكتشف الحردة الأمامية عند الرقبة...
اللعنة!
أنزل عينيه سريعا يبتلع ريقه الذي جف بحضورها.
وانتبهت هي بدورها لتخفي الجزء المكشوف من جيدها بشالها وتقول بارتباك
أنا كنت طالعة بالكورة لريان... هو فين
ارتفعت أبصاره يحدثها بنبرة عادية الآن
ريان جري على البقال يشتريله حاجة ساجعة بس أنا أبوه وأستلم عنه عادي يعني.
قال الأخيرة بنوع من المزاح تجاهلته وأنزلت الكرة أرضا قائلة
تمام على العموم أهي لما يرجع يبجى ياخدها... أنا كده عملت اللي عليا.
قالتها وشرعت في الانصراف من أمامه لكنه أوقفها قبل أن تتحرك خطوتين معلقا على ردائها
ده تبع المرحومة أمك صح ولا حد تاني من أهلك
ابتلعت رمقها بحرج شديد وحنق يكتسحها من تعليقه
أيوه... بتاع المرحومة أمي عادي يعني. رتبت حاجتها النهاردة وخطر لي ألبس حاجة من ريحتها.
طب ياريت متكرريهاش تاني...
هكذا يأمرها وببساطة!
طالعته بعدم استيعاب تكذب أسماعها لكنه لم يكترث وعاد يؤكد بجدية
أيوه يا مزيونة... اسمعي الكلام.
أهالينا زمان كانوا غلابة ومتعودين عشان الكل كان بيلبس كده...
إنما دلوك ومع واحدة زيك اللبس ده جريمة يعاقب عليها القانون.
نعم! قالتها بغضب ليرد عليها
أنا ما بغلطش على فكرة...
ما انتي لو وجفتي جدام مراية كبيرة هتشوفي بنفسك...
ويمكن تاخدي بالك إن واحدة زيك حتى العباية البهتانة بتفرق معاها.
أشحال بقى حاجة زي دي
حمزة يا قناوي!
صاحت بالاسم بعدم تحمل لتوقفه عن هذيانه مرددة
مش شايف إنك زودتها جوي
ناجص كمان تنجيلي لبسي!
مش كفاية اسمي اللي بقى لبانة على لسانك!
استقبل ثورتها بهدوء يثير الدهشة
أولا لازم تاخدي بالك إن انتي كمان بتندهيلي باسمي حاف من غير ألقاب...
ولو على اللبس أختار لك وماله ليه لأ
فغرت فاها واتسعت عيناها بذهول لا تصدق الجرأة بل الوقاحة التي يتحدث بها...
وكأنه شيء عادي.
وظل يتأملها دون خجل حتى خرج صوتها بصعوبة
إنت شكلك اتجننت!
بفضلك...
سيجلطها هي موقنة من ذلك إن ظلت واقفة تجادله.
يتحدث بأريحية ولا يشعر بذرة أسف...
ليس أمامها سوى الهروب كعادتها
أنا عارفة إن مفيش فايدة... ماشيه وسيبهالك!
وتحركت تسبق الريح بأقدامها نحو باب منزلها بغضب لم يمنعه من وصف ما يشعر به ويؤلمه الآن بصوت خفيض... لكنه وصل إليها
والله محدش جالك تبقي حلوة زيادة عن اللزوم... يا المزيونة...
دلفت إلى مأمنها تصفق الباب بعنف لتستند عليه من الداخل وتخرج شهقة من عمق صدرها الآن واضعة يدها على موضع قلبها الذي كان يضرب بقوة.
بمشاعر لم تعد تميز إن
كانت غضبا... أو شيء آخر لكنها ليست طبيعية على الإطلاق.
هذا الرجل مستفز بدرجة تربكها إلى أقصى الحدود.
يزلزل كيانها رأسا على عقب...
ولكن... لماذا
وهي قد وضعت النهاية المحسومة برأسها ولن تتراجع عنها أبدا أبدا!
..........................
أما عنه
فقد سقط عائدا إلى أريكته بغيظ جعله يضرب بكفه على فخذه مرددا بتصميم وإصرار
ماشي يا مزيونة ماشي...
أنا برضو وراكي ومش هسيبك!
اعندي براحتك واعملي ما بدالك...
برضو مش هحلك من راسي!
وهتبجي حلالي... يعني هتبجي حلالي.
... يتبع
للمرة الألف برضو هنبه احنا نقدر نوصل لأربعة الألف وخمسة آلاف بالمستريح والله ليه البخل اضغطوا لايك وخليكو حلوين انا بتشجع منكم
الفصل السابع والعشرون ج١
أجاهد قلبي كلما رآك قريبا
كأن بيني وبينك ألف باب موصد
وأنا التي أمسكت بالمفتاح ثم نسيته عمدا.
لا تسألني لم أهرب
فأنا لا أخافك بل أخاف مني حين أطمئن إليك
من ضعفي إن صدقتك من دموعي إن جرحتني
ومن قلبي إن عاندني واختارك.
تظن أني أقسى مما ينبغي
وأنا فقط أحاول أن أبقي ما تبقى مني واقفا.
أخشى أن أميل إليك فأقع.
فلا تناديني من بين نظراتك
ولا تعاقبني على حروبي التي لا تراها
أنا التي تقاتل نفسها كل يوم كي لا تحبك أكثر.
المراجعة والخاطرة العظمة للرائعة سنا الفردوس
الفصل السابع والعشرون ج١
أغلق الكراسة التي كان يصحح بها ليرفع رأسه إلى زوجته متطلعا إليها بعدم استيعاب سائلا عما أدلت به منذ لحظات
إنت بتتكلمي جد لا تكوني بتهزري يا منى
تحركت قدماها تتجه نحو السرير المقابل لمكتبه تجلس عليه قائلة
يا
صحح لها منصور وبيده يجمع الكراسات في كومة واحدة قبل أن يقوم من مكانه ذاهبا إليها
ما اسمهاش عفاشة اسمها عزة نفس يا ست منى ودي واحدة مكافحة يعني يضرب لها تعظيم سلام.
أمممم...
زامت بمكر واضعة سبابتها على وجنتها تنتظره حتى جلس بجوارها لتعلق
كان عنده حق الجزين لما يقولي جوزك متشدد لها مع إنه بصراحة غاظني وحسيت إنه بيستهزأ بيا.
بيستهزأ بيكي!
أيوه لما يجيب سيرة مرة غيري ويجولي جوزك مش عارف إيه عليها ده كلام برضو
سمع منها لتصدح ضحكته الرنانة تلك التي لا تصدر إلا بفضلها ليشاكسها قارصا ذقنها بين إصبعيه السبابة والإبهام
يعني يوم ما تغيري تغيري من اعتماد يا منى
نفضت يده عنها بعصبية
ومغيرش منها ليه إن شاء الله مش معنى إن بوزها شبرين وبتطفش الرجالة يبجى عفشة ومحدش يبصلها ولا هتنكر يعني
لا طبعا هنكر ليه هو أنا أعمى
قالها بعفوية استفزتها لتصيح به معترضة
منصور لم نفسك!
وكان رده ضحكات أخرى لم ولن يحدث أبدا أن ينظر لامرأة غيرها بعين الرجل. كل النساء في عينيه سواء وهي فقط من استحوذت بتلك الصفة لديه دون غيرها.
حين يغيب الجسد في غفوته يأخذ العقل الفرصة كاملة في نسج ما يريد مستغلا انفصاله عن الواقع في تلك الساعات القليلة أو الكثيرة يترجم ذلك إما في أحلام سعيدة أو سيئة أو مشاهد غير مفهومة حتى يغيب هو الآخر ويقتطف راحته مع الجسد المنهك. ثم يعود الاثنان بعد ذلك وقد تجددت الطاقة استعدادا ليوم آخر بصراعاته ومسؤولياته.. تتابعهما شقيقتها والدة الطفلة التي كانت جالسة على أرضية الغرفة منكفئة على بعض الأوراق المنتشرة حولها تقطع وصلة المرح بين الاثنتين
أنا جولت محدش هيعرف يصحيكي غير دندن هي بس اللي بتجدر عليكي وبتعمل ما بدالها معاكي.
وكأنها واحدة أخرى غير تلك المتجهمة الحادة في وجه الجميع تعيدها تلك الطفلة الصغيرة وحدها إلى طبيعتها الأولى
عشان قليلة أدب ومش متربية! في واحدة تعمل كده برضو في خالتها نفسي أعرف جايبة الجرأة دي منين جوليلي يا بت جايباها منين ها
وعادت تنقض عليها وسط صوتها الصخب حتى إذا تعبت الأولى توقفت بلهاث
لا إنت لو خدت اليوم كله في اللعب معاكي مش هتشبعي وخالتك مش كدك يا حبيبتي ده أنا...
قطعت عن إكمال جملتها حين انتبهت أخيرا إلى فعل الأخرى لتسألها
إنت بتدوري على إيه عندك يا روضة
رفعت المذكورة رأسها مندمجة في كتلة من الأوراق التي تمسك بها لتأخذ برهة من الوقت تستدعي بها التركيز
لا يا بت أبوي خير إن شاء الله مفيش حاجة أنا بس بدور على شهادة ميلاد الكمبيوتر بتاعتي والبطاقة كانت جاعدة هنا مع ورقك وورق رغد أختي بجالي ساعة بدور مش لاجياها.
سريعا ما تبدل مزاج اعتماد ليتسرب داخلها شيء من ريبة في استفسارها
وإنتي مالك بشهادة الميلاد ولا البطاقة هتجدمي على وظيفة مثلا
ردت روضة سريعا دون تفكير
لا طبعا مين هيوظفني بدبلوم الصنايع محمود طالبهم.
انتفضت اعتماد باستدراك تنهض وتنزل عن سريرها حاملة الطفلة بيدها تسأل بخفوت وخطر
وجوزك طالب بطاقتك ليه
كان الصمت هو ردها تتحرك مقلتاها بتوتر أدخل الشك في قلب اعتماد لتردف مخمنة بحدة
جوزك عايزك تضمنيه في قرض الربا اللي جبتي سيرته من كام يوم صح
تلجلجت روضة بكلمات غير مفهومة
ما هو... ما هو... أصل هو يعني... عشان يعمل المشروع...
لأ عشان يشتري الموتوسيكل!
صدحت بها اعتماد حتى انتفضت الطفلة بيدها فتداركت سريعا تهدئها قبل أن تعود لشقيقتها تحذرها بخفوت
باع الدهب على تفاهات وما اتكلمتش عشان حضرتك راضية وما اشتكيتيش جابله على نفسك وبيأكل بعقلك حلاوة برضه ميخصنيش. إنما توصلي إنك تضمنيه في قروض الربا اللي ماشية في البلد يبجى أطلقك منه أحسن.
بعد الشر يا اعتماد ليه بتقولي كده
اخرسي يا بت!
ما زالت تحافظ على خفض انفعالها من أجل الطفلة لكنها مستمرة في الحزم معها
أنا جولت كلمتي ومش هتنيها يا روضة. جابلة عيشتك مع جوزك الصايع إنت حرة إن شاء الله حتى يأكلك عيش حاف. إنما تضمنيه في قروض لا والف لا. المحروس مصمم على اللي في دماغه يخلي أي حد من عيلته يضمنه إنما إنت يا روضة لا تبجي أختي ولا أعرفك.
بصمت تام تلقت روضة التهديد دون إبداء أي رد فعل سوى أنها لملمت الأوراق ثم استقامت من جلستها لتقف وتتناول ابنتها تومئ بصوت خفيض
ماشي يا خيتي اللي تشوفيه. تعالي يا دنيا.
وخرجت بطفلتها تتبعها اعتماد في جمود وحسرة. شقيقتها لا تفرق عنها سوى ثلاث سنوات ثلاث سنوات فقط فرق بين واحدة تحملت مسؤولية عائلة كاملة عن عمر السادسة عشرة وأخرى تعيش الحياة بلا عقل ولا تفكير. كل شيء يصل إليها بلا تعب تسير خلف عاطفتها كالعمياء ويتحمل غيرها النتائج.
صعدت إلى الطابق الثاني من منزلها تحمل دلو ماء وإناء بلاستيكيا امتلأ بالحبوب من أجل إطعام السرب الذي تجمع حولها فور أن أطلت أمامهم يتدافعون بأجنحتهم في طلب الطعام. تستقبل لهفتهم بابتسامة تطمئنهم
كلكم هتاكلوا والله بس ادوني فرصة.
وأكملت ضاحكة بعد أن نثرت أسفلها عددا من الحفنات الكبيرة على سطح المنزل تلهيهم بتناولها فتمر هي على الأعشاش تنظفها وتطمئن على الصغار تغير الماء القديم بآخر جديد حتى إذا انتهت ملأها شعور بالراحة وهي تراقبهم وتراقب حب الأزواج. كل فرد منهم لوليفه يحمل قصة تعلمها جيدا. ما أجمل عالمهم! حب الحمام ترعرع داخلها منذ الصغر بفضل تلك الصفة التي تعلمها عنهم لا يمكن لفرد حمام أن يتزوج دون حب حقيقي.
لفت أنظارها أحدهم وهو يدور حول أنثاه يفعل كل شيء من أجل لفت انتباهها وإضحاكها. قد يبدو أنها تهذي بتلك الأخيرة ولكنها ترى بوضوح السعادة التي تتجلى بأفعال الأنثى اندماجا بذكرها.
ياريتنا عالم البشر نبجى زيكم... ولا نصكم حتى. آآه لو يحصل!
وأطلقت تنهيدة ويا ليتها ما فعلت إذ انتبهت أخيرا أنها مراقبة من ذاك المتربص جارها المزعج مستندا بمرفقه على نصف الحائط المبني في الطابق
الثاني يقابلها بابتسامة متسعة متمتما بشفتيه كلمات سهلة القراءة
صباح الجمال.
لم تجب التحية واكتفت أن تحدجه غاضبة بعينيها الجميلتين اللتين تأسره بالنظر إليهما غافلة ببراءة تناقض شراستها أنها تزيد من تسليته. ليردف بتحريك الشفاه مرة أخرى
مستنيكي النهارده تنوري البيت.
وكأنها عادت طفلة صغيرة لا تدري ببلاهة أفعالها اهتز رأسها بالرفض وتحريك الشفاه
احلم براحتك مش داخلة بيتك.
والتفتت بعنف تذهب من أمامه فلم تر الضحكة الكبيرة التي كتم صوتها بصعوبة يضرب بكفه على ذلك الجزء الناقص من الحائط حتى إذا توقف غمغم بصوت مسموع لنفسه
آه يا أنا يا أمه تلاحق على إيه ولا إيه بس يا حمزة دمها العسل ولا العيون المسحوبة ولا... يا غلبك يا حمزة يا غلبك!
...............................
وقف يتابع خروج الفتيات من مدرستهم ومرور عدد منهن في ذلك الطريق الجانبي وليس الرئيسي الذي يمر عليه المعظم. ينظر لساعة يده كل لحظة في انتظار تلك المرأة المعقدة مخمنا بفطرته أن هذا هو الممر الوحيد لمنزلها.
زفر بضيق يكتسحه لثقل تلك المهمة التي تطوق رقبته بعذاب الضمير. ليتها كانت امرأة عادية وتعرف التحدث بالأخذ والرد ولكن كيف وهي تتخذ معاداة الرجال أسلوب حياة كما سمع من بعضهم.
انتفض مستقيما بعد أن كان متكئا على جانب سيارته يبصرها قادمة من قريب متحفزا لمعركة قد تؤدي لفضائح أو ربما خسائر بشرية لكنه لن يهتز أو يتراجع عما قرر فعله منذ الأمس. ما زالت تقترب وعدد من الفتيات يرافقنها يتبادلن الحديث والضحك يا إلهي! إنها تعرف الضحك مثل باقي البشر!
أستاذة اعتماد! هتف مناديا باسمها يجذب انتباهها وانتباه الفتيات اللواتي يحيطن بها من الجانبين غير مبال بالغضب الذي ارتسم جليا على ملامحها مستنكرة فعله بالتأكيد. ولكن فليكن لقد شحذ همته استعدادا لكل المصائب من طرفها.
تابع تصرف الطالبات وهن يواصلن المسير دونها فاتجهت إليه بخطوات تحفر الأرض بغضبها حتى إذا توقفت أمامه
نعم بتنادي ليه حضرتك
صمت برهة يتأملها ولأول مرة تحضره ضحكاتها منذ قليل مع طالباتها. لقد ظن لوهلة أنه أخطأ الشخصية بالإضافة إلى الاختلاف التام بين تلك التي كانت مع الفتيات وهذه التي تقف أمامه بوجهها المشتد... ومع ذلك جميلة!
حضرتك بسألك بتنادي عليا ليه ممكن أفهم ليه ساكت
ما أبشع غضبها وتشنجها في الصياح دون تمييز! زفر يستدعي الحكمة والهدوء في النقاش مع كتلة النار التي تقف أمامه
معلش يا أبلة اعتماد لو عصبناكي بس أنا بصراحة كان لازم أشوفك عشان أسألك...
هدأت من وتيرة أنفاسها قليلا
تسألني عن إيه
أجاب يدخل في الموضوع مباشرة
أسألك عن التليفون حضرتك اللي عطل امبارح... بسبب المية...
وإنت إيه يخصك عشان تسأل
سليطة اللسان! كم يود أن يهشم رأسها! بارعة جدا في إخراجه عن طوره الطبيعي الهادئ إلى الانفعال بعصبية.
مالي كيف يعني هو التليفون دا مش باظ بسببي ولا بسبب حد غيري عرفت إنك وديتيه لحمادة جينيس بتاع
بشرتها الخمرية تحولت إلى الأحمر القاني بامتزاج مع العرق الذي يتصبب على جبهتها وبعض مناطق وجهها بفضل الشمس والعروق التي انتفخت في جبهتها تنبيء بوضوح أنها على وشك الانفجار
يعني حضرتك روحت للراجل الغريب وعن تليفوني سألت واتطجست برضو هجولهالك تاني إيه دخلك باظ بسببك ولا بأي سبب تاني برضو ما يخصكش ولا يخص أي حد!
توقفت تهدئ من وتيرة أنفاسها المتسارعة وصمت هو قليلا يمتص غضبها غير متأثر بكل ما تلفظت به فهذا المتوقع منها أصلا... ليستدعي الحكمة في مخاطبة القطار المشتعل ماشي رغم كل زعيقك وصراخك أنا برضو هاعمل بتربيتي وأصلي الطيب. جلتها قبل كده إنه قفل بسببي وأنا ما اتعودتش أغلط وماصلحش غلطي. بس يا ريت يبجى فيه تفاهم منك.
لم تفهم الأخيرة حتى التف بجذعه أمامها وأدخل يده في السيارة متناولا منها علبة بيضاء برقت أبصارها بخطر حين علمت بفحواها ومع ذلك لم يتراجع أو يهتز وهو يقدمه لها
دا واحد بدل اللي ضاع يا أبلة اعتماد ممكن تعتبريه عوض وممكن تعتبريه هدية. النبي قبل الهدية...
اهتزت أمامه كالقدر الذي يغلي فوق النيران الموقدة شرار ناريتيها يكاد أن يحرقه بتصاعد ثورات الاعتزاز والكرامة التي تصدح داخلها تنادي بالانتقام لذاتها... كيف يفعلها وكيف يجرؤ وكيف...
براحة على نفسك شوية يا أبلة اعتماد أنا ما بغلطش فيكي ولا بقلل منك هو بس إحساس بالمسؤولية لخطأ ارتكبته وعايز أصلحه.
هكذا وبكل سهولة أردف يخفف وطأة الشعور بالدونية الذي يكتنفها كلما مرت بموقف مشابه لتعبر عن رفضها وبقوة وأنا ما بجبلش العوض... ولا الهدية!
عاد فجأة بعلبة الهاتف يلقيها داخل السيارة بكل بساطة
تمام أنا كده عملت اللي عليا. ثم امتدت كفه إلى الباب يفتحه ويستقل مقعده خلف عجلة القيادة يردف لها على عجالة وهو يدير المحرك كان ودي أتصرف بمروءة وأجولك اتفضلي أوصلك في طريقي بس أخاف كمان تفهميني غلط وده المتوقع. عن إذنك يا أبلة اعتماد.
ظلت على صمتها تراقبه حتى ابتعد بسيارته لتغمغم في أثره بحنق شديد وقد ضيع عليها فرصة الانفجار وصب جام غضبها عليه مغرور... وقليل ذوق!
.............................
قامت بتسخين المياه على الموقد الطيني في القدر النحاسي الذي ورثته عن والدتها لتستخدم المياه الدافئة للاستحمام. ثم جلست متربعة القدمين تمشط شعرها الطويل عائدة لروتين النساء قديما وراحتها التي غابت عنها على مدار سنوات زواجها.
راحتها الحقيقية التي وجدتها هنا رغم التعب في تحضير كل شيء حتى في تسخين المياه. مرآة صغيرة كانت ترفعها إليها كل حين وآخر تتأمل وجهها النضر والشعر الأسود يحاوطه من الجانبين العيون التي بدأت تحرص على تكحيلها لترى جمالهما المميز. أصبحت ترى نفسها تستشعر الأنوثة التي كانت غائبة عنها رغم كلمات الإعجاب التي تتلقاها دائما حتى من النساء. ذلك الإحساس الرائع تتمنى من الله ألا تحرم منه امرأة.
تنهدت بعمق وقد تذكرت المتسبب الرئيسي في عودة تلك المشاعر إليها لتزفر بضيق وتنفض رأسها لا تريد التفكير به ولا التأثير على قناعتها... لا تريد.
أخرجها من شرودها صوت طرق الباب الخشبي يليه نداء ابن شقيقها
افتحي يا عمة مزيونة أبويا جا معايا! استقامت مبتهجة تركض إلى الباب تستقبل شقيقها الغائب دائما بفضل عمله خارج المحافظة وبلهفة لا تقل عنها قابلها هو الآخر يقبل وجنتها وجبهتها متغزلا بعد أن تطلع إليها جيدا
تبارك الرحمن فيما خلق ولا أكنك رجعتي لعمر الستاشر يا بت أبوي! رجعتي مزيونة على حق!
أضاف عليه حازم هو الآخر أيوه يا بوي والله أنا بقولها كده دايما وهي ما بتصدجش!
تبسمت بخجل أصابها ساحبة شقيقها معها إلى الداخل
بس يا واد بطل بكش! أخويا شايفني بعين المحب عمره ما هيشوفني كبرت واصل.
طب ما إنت فعلا ما كبرتيش يا خيتي لساكي! برضك مش مصدجة
قالها وصفي ضاحكا فتتنعم هي بحنانه وتعبر عن امتنانها
حبيبي يا خوي ربنا ما يحرمني منك. بس مفاجأة حلوة جيتك النهاردة. هتجعد معانا
اليوم كله بجى هنتغدى أنا وإنت والواد حازم ونتصل بالعيال وأمهم.
واض يا حازم اتصل بأمك بسرعة و...
قاطعها وصفي
حيلك حيلك يا بت أبوي! تجيبي المرة والعيال كيف وإحنا أصلا معزومين عند نسايبك
نسايب ااا .......
توقفت تستدرك مقصده فتابع هو باستفساره
إيه الحكاية يا مزيونة ده أنتي حتى من أول الناس المعزومين! الحجة حسنية ولا منى حمزة نفسه ما بلغكيش
ابتلعت بتوتر عند ذكره الأخير تحاول التوضيح بحرج
لا طبعا كلموني أنا بس بصراحة مش عايزة...
مش عايزة ليه يا مزيونة دي عزومة عادية الراجل عاملها يبخت بيته الجديد!
بماذا تخبره لا تجد في رأسها الحجة المقنعة ومع ذلك تصر على رأيها. هذا الرجل الذي يحاصرها أينما اتجهت حتى في أحلامها ومع ذلك تصر على موقفها
هو أنا روحت يعني اللي هتزود ولا تنقص! روحوا إنتوا احضروا العزومة وتعالوا أنا مستنياكم نجضي اليوم مع بعض.
...............................
مسكينة هي حين ظنت أنها سوف تنفذ قرارها. وكيف تفعل وقد لف شباكه باحترافية تمنع عنها حتى التفكير
فقد اتخذ جلسته خارج منزله على الأريكة المقابلة لمنزلها يستقبل الرجال من أبناء عمومته وزوجاتهم وشقيقاته وأزواجهم. يدخل الرجال إلى دار الضيافة الواسعة والتي جعلها عن قصد في الخلف حتى لا يزعج خصوصيته أحد مع المزيونة المتمردة والتي كانت تخفي نفسها داخل منزلها منذ الصباح. ومع ذلك تتورط وعلى غير إرادتها بالمشاركة والترحيب بالحاضرين بدون أدنى جهد منه.
فجميع نساء العائلة ممن حضرن مع أزواجهن أو بلا كانت تذهب أقدامهن إلى منزلها قبل منزله يلتقين بها ويسألنها وهي تختلق الحجج حتى نفدت طاقتها بحضور حسنية نفسها ومنى التي هي هتفت بها فور الولوج إليها
انتي لسة جاعدة مكانك يا ولية والبيت بيضرب يقلب هناك!
تلجلجت وهي ترحب بهن
وه يا منى ادخلي سلمي الأول بي. اتفضلي يا حجة حسنية اتفضلي...
عارضتها حسنية بلطفها المعتاد
ندخل فين يا بنيتي ونسيب الناس والبيت المليان هناك إنتي لسة جاعدة مكانك ليه يا مزيونة هو إنتي غريبة يا بنيتي
ابتلعت تبحث عن سبب منطقي يمنعها
يا حجة أصل يعني هو...
هو إيه بس يا مزيونة يا بتي اتحركي ياللا حتى على الأقل عشان تونسي بنيتك!
ليلى هتحضر
سألتها بلهفة لتؤكد لها منى
أيوه يا ستي ومعاها معاذ كمان قبل ما يسافر على شغله بكرة. يعني البيت كله هيحضر وهما لأ
...........................
بعد لحظات ليست بالقليلة خرجت تنعش الهواء من حوله بحضورها ترافق والدته وشقيقته بخطوات يحفها الخجل.
هو ليس بالأعمى حتى لا يرى بأم عينيه تأثيره عليها حتى وإن ادعت العكس بذلك التجهم الذي تتصنعه وقد خرجت مجبرة حسب ما فهم من بعض الحجج التي تواترت على مسامعه عن سبب غيابها وقد أنبأته صباحا بعبوس الأطفال.
فاردة ظهرها بعزة تمشي بجوار والدته التي أطلقت زغرودة كبيرة من فمها قبل أن تلقي بنفسها عليه تبارك وتهنئ وتقبل وجنتيه
تكون عتبة السعد عليك يا نضري تملاها بالولاد والبنات اللي تخاوي بيهم ولدك.
ضحك بمرح يلقي كلمات ذات مغزى يخطف بنظراته إليها كل لحظة
آه يا ست الحبايب بس تيجي صاحبة النصيب الأول وإحنا نخاوي ريان بالولاد والبنات والأحفاد إن شاء الله فيما بعد.
كريم ينولك نصيبك.
تمتمت بها والدته بتضرع ليتجه ببصره بعد ذلك نحو مزيونة التي تغيرت لشيء آخر...
قد ذهب عنها خجل المراهقات الذي أصبح يصاحبها في حضرته ليحضر شيء آخر لم يفهمه ربما سببه كانت تلك الكلمات الأخيرة التي أردفت بها والدته.
عتبة سعيدة إن شاء الله يا أبو ريان.
تسلمي يا أم ليلى ربنا يبارك فيكي.
أخيرا هتخشي البيت مع الجماعة وتشوفي البيت.
قال الأخيرة بمزاح قابلته بابتسامة باهتة فاقدة الحياة ثم تحركت تتبع والدته نحو باب منزله والذي ستدخله لأول مرة.
اقتربت منى تجذبه من ياقته بعنف كي ينتبهه إليها
ما خلاص سيبها تدخل وانت شوف أختك يا عديم الحساسه!
ألف مبروك يا حبيبي عتبة السعد والهنا إن شاء الله.
تقبل العناق ومباركتها بابتهاج لا حدود له يعبر عنه كالطفل ناسيا وضعه كرجل كبير رب عائلة وناضج
دخلت بيتي يا منى ادعيلي يا خيتي تبجى من نصيبي ادعيلي ربنا يهديها على أخوكي يا بت.
قابلت رجاءه بعطف شديد
إن شاء الله يا حبيبي تكون من نصيبك والله ليحصل بإذن الله.
يا رب يا رب...
ظل يتمتم بالدعاء حتى بعد ذهابها واستقبال فردين من أبناء عمومته من ضمن المدعوين تغمره حالة من الشرود والتساؤلات التي تدور في عقله عن رد فعلها حين ترى داخل المنزل...
كم ود أن يترك مكانه ويريها كل قطعة فيه ليعرف رأيها وإن كانت تعجبها أم يغيرها من أجلها.
وفي غمرة تلك التساؤلات تفاجأ بحضور آخر شخص يتمنى غيابه الآن.
روان...
تمتم بعد استيعاب يراقب ترجلها من السيارة بصحبة صغيره الذي يكاد أن يطير من الفرح يسحبها من يدها وهي تضحك
براحة يا قلب ماما أنا مش قدك.
بوجوم واضح تلقى تهنئتها يومئ برأسه وبصوت بالكاد يسمع
أهلا يا روان الله يبارك فيكي.
اكتنفها حرج شديد من رد فعله فسارعت بالتوضيح لتخفف من ثقل الموقف
ريان هو اللي عزمني على فكرة مكنتش أعرف إنه مقالكش.
على العموم لو رافض دخولي البيت أرجع عادي أنا أصلا جاية أبارك وبس عشان عزومة يعني ولا حاجة.
ألقى بنظرة خاطفة نحو صغيره قبل