لاجلها بقلم آمل نصر

لمحة نيوز


أن يعود إليها بحنق في نبرة صوته
ودي عمايل ولاد أصول برضو عيب يا روان البيت بيتك.
اتفضلي جوا مع الحريم.
ترددت عن التحرك من محلها فتوجه بالأمر حازما نحو صغيره واض يا ريان اسحب أمك على البيت جوا عند الحريم... أخلص يا واض!
........................
طافت بها على جميع الغرف لم تترك موضعا في المنزل حتى عرفتها به فلم يتبق سوى غرفة واحدة كانت الأخيرة. وفور أن دخلتها مزيونة اكتنفها شيء غير مفهوم لتسألها
دي شكلها أوضة نوم بتاعة...
قطعتها ناظرة إليها بعتاب تجاوزته منى وهي تتحدث بمكر
أيوة يا حبيبتي دي أوضة حمزة إيه رأيك فيها بجى
ابتلعت رمقها بارتباك شديد لتجيبها بحدة
وأنا مالي يا منى أجول رأيي فيها ليه حلوة لصحابها وخلاص يلا بينا خلينا نرجع.
همت أن تلتف ولكن منعتها منى توضح ببراءة
وه يا مزيونة أنا بسألك عشان أشوف رأيك عادي حكم إني مكنتش عجباني جوي أكمنها عصرية زيادة عن اللزوم مش زي الأنواع اللي إحنا متعودين عليها. حمزة اشتراها جديدة زي ما عمل مع كل العفش في البيت الجديد.
هي لم تكذب في الأخيرة كانت بالفعل مبهرة عصرية وفاخرة كصاحبها وصاحبة النصيب أيضا التي تليق به...
أين هي من هذه الفخامة...
نفضت رأسها فجأة تطرد الأفكار المزعجة من عقلها
ربنا يوفقه ببنت الحلال اللي تنورها إن شاء الله كفاية بجى... خلينا نطلع.
والتفتت سريعا ذاهبة حتى اضطرت منى أن تهرول للحاق بها
طب استني يا ولية أنا فيا حيل للجري وراكي!
توقفتا الاثنتان مع الظهور المفاجئ لتلك التي أصبحت عادتها تلك الصفة
ما شاء الله طالعين بتفروا ورا بعض! لتكونوا بتلعبوا
كمان
حل الوجوم بمزيونة لا تجد ردا على تلك المخلوقة الغريبة فتكلفت منى بالرد
وماله يا هالة لما نفر ورا بعض الله أكبر عليكي يعني.
يا ستي هو أنا هحسدك ربنا يزيدكم كمان وكمان.
بس أنتو كنتوا طالعين من أوضة النوم صح الوحيدة اللي أنا مدخلتهاش يا منى...
قطعت الجملة مصوبة نظرة نارية نحو مزيونة لتردف
ولا اكني بت عمهم حتى... مش مرة أخوهم اللي معاهم في بيت واحد!
للمرة الثانية زادت من حنق مزيونة لتجبرها على الرد هذه المرة
وأنا إيه اللي عرفني بالكلام ده يا هالة أنتو عيلة في بعض زي ما بتجولوا... عن إذنكم.
أنهت كلماتها وتحركت مبتعدة من أمامها بخطوات سريعة غاضبة لتعلق منى إثرها نحو الأخرى
نفسي أفهم يا هالة هو انتي شيطانك ده مسلطك علينا ولا على نفسك ربنا يهديكي.
ضحكة ساخرة صدرت من هالة تتابع ذهاب منى باستخفاف مغمغمة
وتتعبي نفسك ليه يا غالية هي سهلة وبسيطة خالص... لكل فعل رد فعل.
......................
حين وصلت مزيونة إلى تجمع السيدات كانت تهم بالاستئذان في الرحيل ولكن وجدت ما جعلها تتراجع سريعا صغيرتها التي كانت كالزهرة بين السيدات بطلتها التي تقترب من المراهقة الصغيرة والعروس المتزوجة حديثا تثير فضول الجميع في النظر إليها والتقرب منها بروحها النقية دائما.
حتى أنها لم تخجل منهن وفور أن التقت عيناها بها ركضت إليها غير مبالية بشيء
أمي الغالية أنا جيالك بنفسي النهارده.
تلقتها مزيونة بالعناق غير مبالية مصدر السعادة الوحيد إليها صغيرتها فلم قد تخجل من لهفتها إليها عانقتها بقوة حتى أنها لم تع على وجود أحدهم سوى بعد لحظات وقد كان واقفا بالقرب من الباب يصوب أبصاره نحوهما بابتسامة خلابة أثناء حديثه السريع مع والدته فقالت ليلى
عم حمزة هو اللي أصر أجي وأحضر معاكم العزومة أنا ومعاذ اللي جاعد دلوك مع الرجالة. البيت طلع حلو جوي بصراحة عم حمزة يستاهل كل خير.
سمعت منها واتجهت أبصارها نحوه على غير إرادتها تتعانق النظرات بينها وبينه بصورة لفتت زوجا من النظرات الحاقدة لتوسوس إحداهما إلى الأخرى
واخدة بالك عشان تبجي تصدجيني بس.
.......يتبع في الجزء التاني واحداث نارية 
الفصل السابع والعشرون ج٢ 
كم كان الطريق موحشا حين خطفت قدماي إلى ساحة لم أخترها
ساحة نصبت فيها العيون قبل أن تنصب الكلمات 
أغرقت في معركة لم أعلن يوما أنني جندي فيها 
كأن الهمسات سهام 
والنظرات قاض لا يعرف للرحمة سبيلا 
أنا التي خدشت كرامتها بكلمات عابرة 
أنا التي انكمشت بين زوايا قلبها تخشى من ظلها 
تتحسس ملامحها كأنها باتت غريبة عنها 
وكم كان اللوم ثقيلا
لا عليه بل على قلبي الذي وثق 
على ضعفي حين التزمت الصمت 
وعلى خوفي الذي خنق صرختي 
لست قوية بما يكفي لأبدو بخير 
ولا هشة بما يكفي لأبكي أمامهم 
أنا فقط متعبة 
المراجعة والخاطرة القمر سنا الفردوس 
الفصل السابع والعشرون ج٢
3
في دار الضيافة التي أعدت لاستقبال الزوار من أبناء عمومته وبعض المعارف الأعزاء عليه لم يقصر هو ولا أشقاؤه في العمل على إكمال المأدبة على أكمل وجه من بداية الحفاوة في الاستقبال مرورا بالمأدبة الفاخرة حتى وصلوا الآن إلى الطواف على الحاضرين بكافة المشروبات الساخنة والباردة والحلوى التي أرسل في طلبها من أغلى محلات المحافظة 
كان يغمره ابتهاج غير عادي متأملا أن تكون المرة القادمة المأدبة الأهم في عمره مأدبة عرسه 
الله ينور عليك يا أبو ريان العزومة النهاردة حاجة فاخر من الآخر يعني كل دي تكاليف يا راجل على عزومة لعيال عمك أمال لو فرح كنت عملت إيه 
تمتم بتلك الكلمات شقيقه الأصغر بعد أن تمكن أخيرا من الجلوس بجواره ليعلق شقيقه الأوسط خليفة قائلا 
ما يعمل دلوك ويعمل بعدين يا سيدي مدام في كل الأحوال إحنا اللي بناكل وإحنا المستفيدين ولا هو أكل وبحلجة 
تبسم حمزة موافقا 
أيوه والله جوله يا خليفة عايز ياكل ويسأل كمان 
أذعن خليفة بمرح ينفذ الأمر قارصا بذراعه علي عنق معاذ أصغرهم 
لا طبعا مش من حقه احترم نفسك يا واض احترم نفسك يا جليل الرباية يا تاكل يا تسأل 
ضحك معاذ وهو يقاوم ذراع شقيقه ليتبادل الثلاثة المزاح حتى تذكر حمزة شيئا ما فنهض من جوارهم متوجها إلى مجموعة من الصغار جلس بينهم صغيره يلعب معهم دنا منه وأمسكه من يده 
واض يا ريان تعال عايزك 
استجاب ريان لسحبه حتى ابتعد به حمزة إلى ركن ما بمسافة آمنة تمكنه من الحديث معه بحرية 
نعم يا أبوي 
منحرمش يا عين أبوك أنا بس كنت عايز أسألك سؤال كده يعني راجل لراجل 
جول يا بوي أنا راجل وسيد الرجال 
حك حمزة بأنامله على ذقنه بتفكير وروية قبل أن يسأل وينتقده بحرص 
طبعا يا حبيبي بس أنا كنت عايز أسألك يا سيد الرجال مش برضك كان لازم تبلغ أبوك ولا تاخد رأيه قبل ما تعزم أمك من نفسك طب كنت جولي عشان تيجي مني أحسن 
شرد ريان قليلا حتى تذكر ثم أجابه 
بس أنا ما دعتهاش من نفسي ولا جولتلها تعالي غير لما هي سألتني 
سأله حمزة بعدم فهم 
إزاي يعني وضح أكتر 
شرح له ريان 
يا بوي هي اللي سألتني في التليفون وهي بتكلمني عن العزومة اللي انت عاملها عازم مين ومين ولما جولتلها فلان وفلان زعلت وجالتلي يعني كل الناس معزومة إلا أنا 
جولتلها تعالي في حمايتي مش أنا ولدك برضو 
تصنع حمزة ابتسامة باهتة ليصرفه فذهب وتوقف هو مغمغما لنفسه 
يعني عزمت نفسها وكانت عارفة بميعاد العزومة يا ترى إيه وراكي يا روان 
في الردهة الواسعة للمنزل الجديد حيث المأدبة الفاخرة التي ارتصت عليها أشهى الأطعمة بمختلف أنواعها 
كانت تضم عددا لا بأس به من النساء المدعوات من العائلة من أبناء عمومته وشقيقاته وبناتهم ترأسها الحجة حسنية التي تطوف على الجميع وتراعي بمساعدة بناتها أو حفيداتها اللاتي لا يقصرن معها 
تشاركهن مزيونة التي أذعنت لتلبية الدعوة تحت الإلحاح لتضطر إلى تناول الطعام معهن 
مع أن وضعها طبيعي جدا بصفتها والدة ليلى ونسيبتهم كما يقولون إلا أنها كانت تشعر بالغربة وسطهن 
رغم ترحيب حسنية المبالغ فيه وبناتها في معاملتهن الخاصة لها ولابنتها 
أو ربما هذا ما كان يزيد الأمر سوءا عليها أمام تلك المرأة زوجة حمزة السابقة 
فقد كانت تحدجها بنظرات غير مريحة لا ترفع بصرها عنها إلا قليلا حتى وهي تلوك الطعام الآن 
منذ بداية حضورها وهي تتفحصها من حجاب رأسها في الأعلى حتى خف قدميها 
ليست غبية عن نظرتها الدونية لها وكأنها تقصد أن تشعرها بالنقص 
بذلك الفرق الشاسع بين واحدة ترتدي ملابس عادية جدا عبارة عن عباءة سوداء وحجاب سماوي ترتديه أحيانا حتى في المنزل 
وبين تلك التي تجلس بعظمة وهيئة ملوكية رغم بساطة الملابس الغالية أيضا 
امرأة راقية ومتعلمة وجميلة أيضا منطقيا لا توجد منافسة من الأساس 
إذن لماذا لا توفر جهدها ولا تزعجها أصلا 
فقد رحمها الله أن عرفت قدر نفسها من البداية حتى لا تعلقها بالأحلام 
كانت مكشوفة لدرجة لفتت انتباه ابنتها لتهمس لها بنزق 
هي مالها الست دي بتبصلك كده ليه طالعة معايا أحرجها جدام النسوان وأسألها 
شهقة أجفال كتمتها مزيونة داخلها لتوجه الأمر نحو ابنتها التي أصبحت تبادل روان النظر بعدائية 
اجفلي خشمك يا زفتة وشيلك عنها مش عايزين حد ياخد باله من الحريم ولا البنتة 
بتحد

أحمق عارضتها ليلى 
مش لما تشيل عينيها هي الأول وتحط همها في الطبق اللي جدامها 
هذا أكبر من تحملها ابنتها تدفعها عفويتها للتهور الذي قد تدفع ثمنه بفضائح هي في غنى عنها 
لم يسعفها سوى نظرة حازمة محذرة أخرست ليلى وجعلتها تصرف نفسها عن مواجهة تلك المرأة 
لتضع همها مجبرة في الطعام غافلتين عن مراقبة ثاقبة من إحداهن بأعين متوعدة مترقبة 
داخل غرفتها وكانت منكفئة على مجموعة من الكتب تعمل على تحضير جدول الغد من دروس المواد التي تدرسها لم تنتبه لدخول شقيقتها إلا عندما وضعت أمامها كوبا كبيرا من العصير الطازج فرفعت رأسها إليها بامتنان 
وه رغد هانم بحالها عاملة العصير وجايباهولي عندي دا إيه الهنا دا يا ولاد 
تبسمت لها المذكورة تعقب بطريقتها الصعبة في النطق بعض الشيء 
وو وهو يعني رغد عندها أأأغلى ممنك يعني يا ست اعتماد 
نفت الأخيرة بهز رأسها ونظرة حانية نحو شقيقتها الجميلة الرقيقة أصغرهم فقد أصيبت رغد بمرض ما وهي طفلة ولم تتمكن من العلاج منه لظروف الفقر الشديد حتى أثر على جهاز النطق لديها 
وظلت لفترة طويلة لا تتحدث إلا بالإشارة ولكن فور أن تمكنت اعتماد من الحصول على المال فعلت أقصى جهدها من أجل علاجها في رحلة طويلة انتهت إلى تلك النتيجة كانت تريد لها المزيد لكنها تحمد الله على ما تحقق 
ولا اعتماد عندها أغلى من رغد انتي عيني من جوا يا حبيبتي 
وو روووضة اننتي دايما ككنت بتجولي كده 
زفرت اعتماد بيأس تعلق على قولها 
أنا فعلا طول عمري بقول كده بس أختك تعبتني جوي وشكلي مش هتستريح غير لما تجيب أجلي 
بببعد الشر عليكي رووضة طيبة ببس مشكلتها جوزها عفش 
ردت اعتماد بابتسامة ساخرة 
عادي يا حبيبتي ما كل الرجالة عفشين الرك على الحرمة نفسها 
واختك بهبلها هي اللي بتعشم الصايع جوزها في استغلالها 
والله لو تملك نص عجلك بس لكانت ريحتني 
ضحكت رغد ليشرق وجهها الجميل بمرح تعشقه شقيقتها الكبرى بل وتعتبر ابتسامتها وضحكتها بمثابة جائزة لها في عز لحظاتها يأسا ببراءتها تشعر أن الدنيا ما زالت بخير 
صحيح تلييفووونك فييينه 
تنهدت تجيبها بغيظ 
باظ يا

حبيبتي خد نصيبه وراح 
صمتت تتذكر من تسبب في إعطاله لتضغط على شفتها بحنق شديد كلما أتى بعقلها عرضه عليها هاتفا جديدا من أحدث صيحة ثم ومن دون كلام رفعه عنها قبل أن يسمع الرد بصورة أقوى 
مغرور وجليل ذوق وشايف نفسه عشان ما هو حلو حبتين 
انتهى الغداء الكارثي لها في ظل أجواء من التوتر لم تشهدها من قبل 
كم ودت أن تترك كل شيء وتهرول على الفور إلى منزلها 
ولكن الحجة حسنية التي أصرت عليها للمجيء هي نفسها من أجبرتها بلطفها الشديد على أن تنتظر معهن وتشاهد جلسة المديح من شيخ البلدة 
بعد أن أنهى تلاوة القرآن لتحصين المنزل الجديد وزرع البركة به 
من خلف الباب الداخلي لساحة الضيافة التي أعدها حمزة جلست النساء 
ووقف بعضهن يتابعن الصوت العذب الذي يشدو بأجمل القصائد وخلفه يردد الحاضرون من رجال في الخارج ونساء في الداخل 
باندماج يثير الإعجاب ويريح النفوس الشاردة لأن تفصل عن واقعها هذه اللحظات حتى تمر دون شعور بالوقت 
قمر سيدنا النبي قمر 
حين توقف الرجل عن الإنشاد برهة انتبهت تكتفي من الجلسة والمشاركة وقد فعلت ما عليها 
تخاطب ابنتها هامسة 
بت يا ليلى أنا رايحة بيتي هتاجي معاي على ما الليلة تخلص وجوزك ياجي ياخدك 
ردت ليلى بلهفة 
لا أنا عايزة أدخل الحمام الأول بجالي مدة طويلة عايزة أجوم ومكسوفة أستأذن البيت ما شاء الله كبير وأنا مش عارفة فيه حاجة 
وساكتة ومجولتيش آخدك أنا على بيتي يا موكوسة 
تمتمت بها توبخ ابنتها وهي تهم بالنهوض مما جعلها تلفت انتباه منى الجالسة بجوارها 
فعلقت بطرافتها كالعادة 
ما تثبتي يا ولية وبطلي فرك على ما نخلص الليلة مع بعض هو إحنا كل شوية هنقولك اجعدي 
ضحكت مزيونة وردت بحرج 
يا ستي انتي بلاش ظلمك ده بنيتي عايزة تدخل الحمام هاخدها على بيتي ورجعالكم تاني 
تسحبيها على بيتك عشان تدخل الحمام يا مجنونة وهنا إيه مفيش جومي يا بت تعالي 
قالتها منى لتنهض تجذب ليلى من يدها ذاهبة بها وتبعتهما مزيونة حتى توقفت في منتصف الطريق تنبههما 
أنا هستناكم هنا طيب 
وافقتها منى بحماس 
تمام استنينا عشان نرجع وناخد جعدتنا مع بعض بعيد عن الحريم الفقر 
تبسمت مزيونة لمقترحها لتتوقف متحولة بنظرة خاطفة داخل أرجاء المنزل الفخم 
بعد أن خلى تقريبا من الأفراد لاجتماعهم عند دار الضيافة والاستمتاع بالمديح 
انتبهت إلى قنينة المياه الموضوعة على الطاولة التي تتوسط المساحة الشاسعة 
لتشعر برغبتها في الارتشاف منها فاقتربت لتضع منها في كوب وتشرب 
في نفس الوقت كان شخص آخر قد دلف إلى المنزل فوقعت أبصاره عليها 
ليتجمد في مكانه وقد ارتجف قلبه داخل صدره برؤيتها وحدها تحتل المساحة الشاسعة دون مشاركة من أحد 
نعم فهو منزلها وهي سيدة الدار حتى وإن كانت تجهل هذه الصفة حتى الآن 
وكأنه عاد إلى أيام الصبا واندفاع المراهقة 
تحركت أقدامه دون تفكير نحوها يلتقط فرصته في الحديث معها 
مجولتيش رأيك إيه في البيت 
شهقة أجفال صدرت منها بصوت عال حتى سقط منها كوب الماء بما يحتويه على الأرض 
بعد أن فاجأها بحضوره وقوله لتستدرك سريعا متوجهة إليه بنظرة نارية 
ويدها لوحت إليه باستفهام لاهث فالتقطها بفطنته يعلق بمرح 
سلامتك من الخضة أنا كان جصدي أسألك بس مش أخلعك 
ألقت نظرة سريعة إلى الخارج بتوتر ثم عادت إليه موبخة 
وفرجت إيه انت أصلا إيه اللي جايبك هنا سايب كل اللمة اللي برا وجاي لي أنا 
رد يتحفها بابتسامة عابثة غير مكترث 
وأسيب العالم كله كمان وأجيلك يهمني أعرف رأيك رأيك أهم عندي من الكل 
يخرب مطنك 
تمتمت بها تغمض عينيها بتعب ثم أردفت 
يا سيدي هو انت طلعتلي منين مالي أنا ولا انت مالك بيا عشان يهمك رأيي دا بيتك وانت حر فيه عملته قصر ولا عشة أنا إيه دخلي 
التمعت عينيه ببريق خاطف تتجلى فيهما الإجابة بكل وضوح حتى دون أن ينطقها يراوغها بمكر 
وه ولما انتي إيه دخلك أمال مين اللي له دخل هو البيت اتبنى هنا ليه أصلا 
تلك السهولة التي تحدث بها وعيناه تنطقان بما لا يدع مجالا للشك في صدقه 
لتتجمد في مكانها كالتمثال تعاد الكلمات بذهنها مرارا وتكرارا والمعنى يتجلى أمامها بوضوح الشمس 
حتى تمكنت من الرد أخيرا بتلعثم وهروب 
كنك شارب وجاي تستظرف سيبهولك خالص البيت اللي انت فرحان بيه ده 
كادت أن تلتف وتذهب ولكنها وجدته يتصدر أمامها بابتهاج يغمر قلبه 
هروبها المتعمد وارتباكها الملحوظ أمامه الآن كل تلك المظاهر تؤكد تأثيره الطاغي عليها حتى وإن أنكرت 
انت بتتصدر جدامي زي العيال الصغيرين زودتها جوي قسما بالله لو ما اتزحزحت من جدامي لأفضحك وأجلبها ليلة طين 
ضحك بعدم اكتراث بكل ما أردفت به مرددا 
بعد الشر ما تبجى طين ولا زفت إن شاء الله هتبجى فل وآخر تمام البيت كمل واتبنى ومعدتش فاضل كتير 
ختم بتنهيدة ساخنة قبل أن يتحرك ويتركها 
هااانت هاااانت 
توقفت في أثره تتبع خروجه واختفاءه من أمامها 
بدوار بات يطيح برأسها وأقدام لا تقوى على حملها وكأن الأرض ذاتها تهتز من تحتها 
وما عادت ثابتة كما عهدتها دائما 
ماذا تبقى ليطلبها صريحة وإن فعل ماذا سيكون ردها 
ما شاء الله دا الحلوة عايشة في الدور على آخره كمان 
ذلك الصوت الأنثوي الذي أتى من البعيد أعادها إلى عالمها الحقيقي 
فتحت عينيها جيدا نحو تلك المرأة التي تتربص بها منذ حضورها 
تقف مقابلها تماما تطلق شررا من ناريتها قادرا على حرق من يقف أمامها 
تحدثت مزيونة بتشتت بالكاد تستوعب ما يحدث 
فيه إيه انتي بتكلميني أنا 
أمال يعني بكلم خيالك ياختي 
صدرت منها كرد يصعق مزيونة بجرأتها وقد تحولت إلى امرأة أخرى 
تنزع عنها ثوب الرقي الذي تتحلى به أمام الجميع 
مستغلة غياب المدعوين يساعدها الصوت العالي للمديح الذي أصبح يصدح بقوة 
مع مشاركة الرجال لتفرغ بحرية شحنة الغضب المكبوتة في صدرها 
فكراني عامية ولا مغفلة على عمايلك المكشوفة مع أبو ابني 
بتلفي وتدوري حواليه زي الحية 
وكأنها في كابوس حقيقي تكذب أذنيها وعينيها ما تسمعه أو تراه 
وعقلها يأمرها بالشجاعة والثبات أمام تلك المخلوقة 
انتي مرة جليلة أدب ومش محترمة وأنا لولا عاملة احترام للبيت اللي واقفة فيه وناسه كنت عرفتك مجامك 
تعرفي مين مقام مين يا حيوانة 
تطاولت هذه المرة لتمعن في إهانة مزيونة تمسكها من طرف جلبابها بازدراء 
تواصل تحقيرها أمام نفسها 
بزمتك انتي مش دريانة بنفسك بترسمي على حمزة خريج الجامعة وابن
العيلة المأصلة 
ده أنا مشغلكيش خدامة عندي بمنظرك ده أقل واحدة عندي معاها كلية أو معهد على الأقل 
ما تصحي لنفسك يا حلوة ده انتي شهادة الإعدادية ما خدتهاش 
الصدمة التي تباغت الإدراك وسط سطوة الإهانة على عزة النفس 
فتعقد اللسان وتحدث في الجسد جمودا يماثل الشلل 
حتى يستوعب الشخص ما يحدث ثم يأتي رد فعله 
كانت هذه حال مزيونة حتى أتت يد تعرفها جيدا تبعد تلك المرأة عنها 
وتتصدر هي لها صائحة بها 
بتعملي إيه يا مرة يا مخبولة شيلي يدك عن أمي بدل ما أجطعهالك 
كانت تلك ليلى التي هالها مشهد والدتها وإهانتها من تلك المرأة 
فأتت راكضة للزود عنها تدفع روان بقوة حتى كادت أن توقعها 
وكأنها تحولت إلى وحش للدفاع عنها فتدخلت منى هي الأخرى بعد أن

وصلت خلفها تحدجها المذكورة بنظرة نارية 
لتضطر الأخرى إلى التبرير لها 
أنا آسفة يا منى بس والله غصب عني 
شهقة قوية كانت هي الرد الذي جاء متأخرا من مزيونة في تناقض واضح مع ابنتها التي كانت واعية تماما لأخذ حق والدتها فارتفعت يدها لتحط على خد الأخرى ب لطمة قوية صرخت على إثرها روان بألم يتبعها قول ليلى 
جطع لسان اللي يجيب سيرة مزيونة الحرة بكلمة واحدة 
وعلى الرغم من مباركة منى لفعل ليلى إلا أن ما حدث بعد ذلك جعلها تعيد التفكير فقد علا صوت روان قاصدة أن يصل للنساء المتابعات للمديح بالقرب منهن 
قبل ما تمدي إيدك على أسيادك لمي والدتك اللي هتبقى جدة بعد كام شهر عن أبو ابني اللي عايزة تكوش عليه وتحرمه من لم شملنا من تاني 
تاني هتجلي أدبك النهاردة والله لأربيكي يا مهزجة عشان تعرفي مين سيد مين 
هتفت بها ليلى وهمت بالهجوم عليها بالفعل ولكن مزيونة كانت الأسرع فتشبثت بابنتها ومنعتها أما منى التي ارتجفت من تطور الموقف فقد بدأت تدفع روان لإخراجها 
امشي يا روان امشي يا روان إنتي مش كد غضب حمزة لو عرف 
كادت أن تنجح في صرفها لولا صيحة أتت من الخلف 
إيه اللي حصل مالها ليلى شابطة ليه في روان وبتتعارك معاها 
كان من البديهي تمييز هواية صاحبة الصوت هالة لتشرع في إسكاتها لكن ما لم تحسب حسابه هو عدد السيدات اللاتي قدمن خلفها يتساءلن 
فيه إيه حصل إيه يا جماعة 
الحقيني يا هالة منى عايزة تطردني عشان ب 
قطعت مجبرة حين وضعت منى كفها على فمها تصمتها طالبة من النساء التراجع 
لو سمحتوا ارجعوا مكانكم دا شأن عائلي 
تدخلت حسنية وقد أتت بحالة من الفزع لتوجه سؤالها إلى ابنتها ببساطتها 
هو إيه شأن عائلي إيه اللي حصل يا بتي 
ظلت منى بكفها فوق فم الأخرى تفكر سريعا في حل تنقل نظرة خاطفة نحو مزيونة التي تتمسك بها ابنتها خشية سقوطها فقد كانت في حالة يرثى لها ولكن قبل أن تجيب سبقتها هالة 
شكلها عركة كبيرة بين ليلى وروان عشان حد من العيال دخل عليا وبلغني وأنا بتفرج معاكم على المديح إن ليلى ضربت روان بالقلم على وشها 
شهقات وهمهمات صدرت فجأة من النساء وقد توجهت أبصارهن نحو ليلى التي لم تستطع ترك والدتها وقد بدت أمامها كالغريق الباحث عن طوق نجاة فتحدثت مقلدة نبرة منى في الحكمة 
زي ما جالتلكم عمتي منى موضوع شخصي 
موضوع شخصي وهي بتلعب معاكي يا بنيتي دي روان بت أصول ومافيش في أدبها 
صاحت بها إحدى السيدات مع تناثر بعض التعليقات حتي عادت هالة للتدخل مع تراخي الأخرى بدأت تخشى نتائج تهورها 
ولما هو موضوع شخصي بينك وما بينها دخله إيه عمك حمزة مع سيرة مزيونة اللي اتنتورت كمان واحنا داخلين عليكم وسمعناكم 
ارتخت ذراعا منى عن إسكات روان بيأس وقد دب الحماس بالأخيرة لتخرج نفسها عنوة مدفوعة بكلمات هالة التي شجعتها على المواصلة فتردف بمظلومية 
أيوه هو سبب المشكلة يبقى حمزة أبو ابني اللي بيحلم باليوم اللي نرجع فيه ونعيش سوا الست دي هي اللي عايزة تضيع الأمل بينا بألاعيبها 
جطع لسانك إنتي تاني هتجلي أدبك 
صرخت بها ليلى تحاول الفتك بها ولكن هذه المرة منعتها امرأة كانت بالقرب منها ووالدتها التي تماسكت لتتشبث بها هاتفة 
سيبك منها وروحي على بيتك أنا كمان ماشية خالص وسايبة البيت ده 
عم الهرج مع تدخل بعض النساء لفض الاشتباك بين الفريقين روان التي تبكي بمظلومية ومزيونة التي تحاول الخروج والنساء يمنعنها ويحاولن السيطرة على ليلى التي كانت مصرة على ضرب روان مرة أخرى حتى صدح الصوت الجهوري بخشونة أوقفت الجميع 
إيه اللي جرى صوتكم واصل للجسر اللي ورا البيت حتى الشيخ في المندرة بطل مديح من كتر صراخكم اللي غطى عليه مالكم اتجنيتوا 
خرست الأصوات جميعها وخيم الصمت على الرؤوس روان صارت ترتجف لرؤيته وذلك الوجه الصارم بحدة الذي تعرفه جيدا من عشرتها معه هيبته التي أرعبت حتى النساء اللاتي لا شأن لهن بالأمر من الأساس وقد بدا كالحائط بوجهه المشتد بتجهم يقف بجوار شقيقيه اللذان لا يقلان عنه حزما 
فتحدث خليفة هو الآخر 
خرستوا دلوك بعد ما جيبتولنا الفضيحة جدام الناس الغريبة 
أضاف عليه معاذ 
أيوه والله دلوك لبدتوا في بعض زي البسس بعد ما خدنا الكسفة ووشنا بجى في الأرض مش عارفين نلمها إزاي دلوك عايزين نعرف مين منكم كانت بتتعارك 
مرتك 
صدحت قوية من إحدى السيدات وأكملت عليها 
كانت بتتعارك مع طليجة أخوك روان وضربتها بالقلم على وشها 
اتجهت أبصار الرجال الثلاثة نحو الاثنتين ليلى التي انتصب ظهرها تعترف دون تردد 
أيوه ضربتها ومستعدة أضربها مية مرة تاني اللي يغلط في أمي أحطه تحت جزمتي 
استمعوا إليها لتتجه الأنظار نحو الطرف الآخر بإستفسار وتحفز حتي ارتعدت مفاصلها لا تشعر بدقات قلبها يكاد أن يتوقف رعبا من نظرة حمزة الذي احمرت عيناه فجأة ينقل بصره من مزيونة إليها يتساءل بخطر 
الكلام دا حجيجي وانتي فعلا غلطتي فيها 
خرج صوتها على الفور تبرر بكذب وتلجلج 
لا لا أنا مغلطتش فيها بنتها هي اللي فهمت غلط أنا أنا 
تركها على مضض موجها أنظاره نحو مزيونة 
أنا اللي غلطانة مش هي خلوني أعدي وسبوني أمشي الله يرضى عنكم من طلع من داره اتجل مجداره وأنا عرفت مجداري زين خلوني أعدي 
لا طبعا محدش هيطلع من هنا غير لما أعرف كل اللي حصل 
هدر بها حمزة قاطعا والجنون يتراقص في عينيه يردف موجها نظره نحو الجميع 
واحدة فيكم ترد بدالهم يا أولع فيكم كلكم 
ردت منى وقد تعبت من الجذب بينهن 
فضها يا حمزة وخلينا كلنا نروح علي بيوتنا وبعدين يبجى لينا كلام تاني 
وبثقة في حكمة شقيقته كاد أن يقتنع ويؤجل التحقيق رغم الحيرة التي تأكل رأسه ونيران الحماية تدفعه لحرق الأخضر واليابس دفاعا عنها حتى كاد يلين رضوخا لنظرة استجداء ترمقه بها ولكن هالة التي قرأت ما ينويه أبت أن ينتهي الأمر بذلك الهدوء لتلفت الأنظار نحوها قائلة 
وحتى لو أجلتوا الكلام لبعدين احنا يا بوي منعرفش حاجة الأمر كله في يد التلاتة روان ومزيونة بيتعاركوا على حمزة وليلى طبعا في صف أمها 
إلى هنا وقد فاض الكيل وطفح صرخت بها مزيونة 
بتقولي إيه انتي كمان الله يخرب بيت أبوكي خلوني أمشي خلوني أمشي 
دافعت هالة تدعي الفهم 
يا بوي وأنا مالي أنا بقول اللي بعرفه وبس 
صاح خليفة مقاطعا لها بحزم وعنف 
اخرسي يا هالة ما أسمعش نفسك خالص 
حدجتها منى بنظرة قاتلة وقد فقدت الأمل في تهدئة الأمر مع انتباهها لملامح شقيقها التي تبدلت إلى شر مطلق نحو روان التي اجفلت من فعل هالة فباتت تتخبط في حديثها 
هي مكانتش خناقة أنا بس كنت بنبه عليها دا غير إني شفتكم بعيني من شوية وانت بتحاول قصدي 
جفلي 
صاح بها بقوة ليوقف هذيانها في الحديث وقبل أن يرمش بعيناه نحو تلك التي طالتها هذه الكلمات سمع صوت ارتطام قوي يتبعه صرخات ليلى التي سقطت معها على الأرض وهي تحاول نجدتها تتخبط بجزع أنساها وضعها كامرأة تحمل طفلا في بداية شهوره 
أمي أمي أمي هتروح مني 
التف
الجميع حولهما من أجل تهدئتها وإفاقة والدتها أمام أبصار من كاد أن يلمس السماء عجزا عن الاقتراب منها حتى نسي تلك المدعوة روان وثأره معها وقد هربت المذكورة راكضة نحو الخارج بعد تفاقم الموقف 
معاذ الذي لف ذراعيه حول زوجته ليرفعها عن الأرض يحاول تهدئتها كي لا تؤذي نفسها بتلك الأفعال لكن حالتها لم تكن طبيعية على الإطلاق ذلك الضغط الجديد جعلها تقاوم بانهيار وصراخ ورفض حتى لسماع الآخرين 
بعد عني سيبوني أنا عايزة أمي عايزة أمي يا معاذ 
اهدي بجولك يا بت أمك هتفوق دلوك إنتي اللي هتضيعي نفسك 
تدخلت حسنية التي يكتنفها الرعب عليها الوجه النصائح لها وابنها 
يا بتي أمك هتفوق دلوك وتبجى زي الفل وانت يا معاذ براحة عليها يا ولدي يمكن تهدى 
براحة فين يا أمه هو أنا جادر عليها هتأذي نفسها والعيل الله يخرب مطنها 
حتى صراخه وقوته التي فرضها للسيطرة علي تشنجها وتهدئتها كل هذا لم يأت
بنتيجة 
وفجأة ارتخت بين يديه أغمضت عينيها وتمتمت ببعض الكلمات غير المفهومة ثم غابت عن الوعي هي الأخرى
داخل المشفى الذي نقلت إليه الاثنتان وللمرة الثانية تحتل كل واحدة منهما غرفة منفصلة كأن بين الأم وابنتها ارتباطا روحيا عجيبا وكأنما خلقتا توأمين متطابقين يمرض أحدهما فيتأثر الآخر بمرضه فيمرض مثله 
جلست حسنية على أحد مقاعد الانتظار تتمتم بحزن مرددة 
عين وصابتهم عين ورشجت تعكنن علينا كلنا منه لله اللي عملها وجلب فرحتنا منه لله 
تدخلت هالة متعاطفة 
فعلا يا مرة عمي منها لله ربنا يجازيها بعملها 
فهمت المرأة إلى ما ترنو إليه تقصد زوجة حمزة السابقة فحدجتها بنظرة غاضبة أخرستها وقد كانت في هذه اللحظة لا تطيق النظر إليها فاكتفت بالصمت مجبرة لتصطدم عيناها بعيني زوجها الذي هم بالتوعد قائلا 
حاولي تنجطينا بسكاتك أحسن وراعي الظرف ولينا بيت نتحاسب فيه إن شاء الله 
أما في داخل غرفتها فقد استفاقت لتعود إلى وعيها وكان وجهه أول ما وقعت عليه عيناها فتذكرت على الفور وصرخت به كأنما رأت عفريتا أمامها 
أنا إيه اللي جابني هنا بتي فين عايزة أشوف بتي ودوني عند بتي 
حاول حمزة بيأس أن يهدئها أو يجعلها تسمع منه لكنها كانت كالمجنونة لرؤيته ومع كل محاولات شقيقاته لم يفلح أحد في تهدئتها لتصر على الذهاب إلى ابنتها وتخرج برفقتهن تاركة له الغرفة يغمغم متوعدا في إثرها 
والله لأجيبلك حقك ولو في خشم السبع مبقاش حمزة القناوي إن ما كنت أجيبه 
يتبع
الفصل الثامن والعشرون
لم أولد من رحم الراحة بل من أنين امرأة أجهدها الزمان كانت تنهض كل صباح وقد تقوست أحلامها لكنها ما انحنت يوما إلا لتحميني.
رأيتها تخفي دموعها في حنايا المطبخ تخبئ أوجاعها خلف ابتسامة متعبة وتلقي بحزنها في قدر الطعام كي لا يصل إلي.
كنت أفهمها دون أن تبوح وكأن بيننا عهدا غير مكتوب أن لا أكرر خيبتها وأن أكون ما تمنت أن تكونه ولم تمهلها الحياة.
لذا أمضي لا طمعا في مجد ولا حبا في صدارة بل لأرد شيئا من دين ثقيل في قلبي.
كل إنجاز لي هو قبلة على يد لم تعرف الراحة
وكل خطوة للأمام هي خطوة نحو صدر طالما ضمني حين كانت تتداعى من التعب.
لن أخذلك
لن أكون نسختك بل امتدادك المشرق.
الخاطرة والمراجعة من الغالي اللي تعبان معايا وسهران سنا الفردوس
..........................
الفصل الثامن والعشرون
فعلت كل شيء من أجلها ضحيت وفعلت المستحيل حتى لا تتكرر مأساتي معها وبرغم كل حرصي وتضحياتي ها أنا أتجرع المرارة مرة أخرى ولكن هذه المرة أقسى وأبشع. هذه المرة الضحية صغيرتي... ليتني مت قبل هذا اليوم! لماذا يا ربي لماذا لا يكتمل مشواري لماذا بعد تلك المسافة الطويلة التي قطعتها لماذا والخسائر المضاعفة الآن تتعدى حتى كرامتي
حديث النفس ذلك الذي يدور داخلها في وحدتها داخل منزلها بعد أن انتهت الليلة الكارثية. انكسار الروح الذي ألم بها والتجني عليها لتختم بما حدث لصغيرتها حين أفاقت من غيبوبتها لتجري إليها وترى ما بها فيصدمها الطبيب بما أدلى به بعد ذلك عن خطورة وضعها في تلك الشهور الأولى والتعليمات التي أصدرها بضرورة عدم الحركة حتى يثبت الحمل.
في أقصى توقعاتها المأساوية لم تتخيل أن تصل إلى تلك النقطة. هي لا تطلب الكثير ولا تريد سوى عدم تكرار ما حدث معها لصغيرتها ولكن القدر دائما له رأي آخر معها.
ضغطت على عينيها تمسح الدمعات الكثيفة بنشيج مكتوم وصل إلى تلك النائمة بجوارها زوجة أخيها الذي لم يتركها وأسرته منذ الأمس. لم يكتف بابنه حازم هذه المرة بل فضل أن يبيت هو وزوجته معها لرعايتها في تلك اللحظات القاسية.
وكما كانت تؤازرها بالأمس نهضت المرأة تهدهدها الآن
لساكي ما بطلتيش بكا يا جزينة هتموتي نفسك عالفاضي ليلى وبكرة تبجى عال العال وهتنجح وتبجى زينة. انتي بس اللي هتخسري صحتك.
ردت مزيونة ودموعها تغرق ملابس محروسة
ببكي عشان أنا خسرت فعلا مش لسه هخسر. كرامتي اللي اتدهست بتي اللي كنت معشمة نفسي بيها تتعلم وتبجى حاجة كبيرة لف الزمن وهتاخد نفس نصيبي...
عارضتها محروسة بغضب
بلاش كلامك ده يا مزيونة عشان بتك عمرها ما هتبجى زيك... أستغفر الله العظيم يا رب.
توقفت المرأة تهدئ من وتيرة انفعالها حتى لا تزيد على هذه المسكينة ثم تابعت ملطفة
هتخليني أخربط دلوك ليه بس يا بت الناس كل واحد بياخد نصيبه أصلا واللي بيحصل مع ليلى مجرد حظ إنما لو على النصيب بسم الله ما شاء الله هي مش محتاجة كلام. يكفي عمايل جوزها امبارح اللي كان هيمسك السما بيده عشانها ولا ناسه اللي شايلينها جوا عيونهم ولا حمزة...
ما تجيبيش سيرته.
هتفت بها بحدة حتى جعلت محروسة ترد بلوم
طب وهو إيه ذنبه يا حبيبتي الراجل في حاله وحال نفسه لا شاف المرة العفشة وكلامها السم ليكي ولا كان السبب في اللي حصل لليلى.
بس هو السبب دلوك في حرماني منها.
قالتها لتعود للبكاء مرة أخرى تنتحب
إيه اللي كان جابه هنا أصلا عشان يبني بيت جاري ويسكن فيه جاب لي الكلام والحديت ودلوك عجدها معايا في زيارة بتي أدخل بيتهم إزاي بعد اللي اتقال امبارح أحط عيني في عين نسايبي كيف وأنا مخي بيدور في الشك إنهم يصدجوا منها لله اللي اتبلت عليا كسرت نفسي وهزت كرامتي.
معاش ولا كان اللي يكسر نفسك ويهز كرامتك يا بت.
صدحت قوية من صاحبها الذي توقف على مدخل الباب وقد سمع معظم الحديث في متابعته لهما منذ لحظات ليردف بتحفيز
النهاردة هاخدك في يدي وهنروحلها الكل يعرف زين مين هي مزيونة الحرة وانتي مش محتاجة إثبات.
رفعت رأسها إليه بانكسار
يا ريتها سهلة كده يا واض أبوي يا ريتها. لو هما ما شربوهاش ولا خالت عليهم غيرهم بلعها وصدقها. الحريم اللي حضروا العركة امبارح ولا حتى العيال الصغيرة اللي هينجلوا لأمهاتهم وأهاليهم هتجفل خشم مين ولا مين
عنهم ما جفلوا إحنا مين هيهمنا مدام واثقين من نفسنا
صاح بها وصفي لتجادله مرة أخرى بيأس
بتقول كده عشان راجل لا عمر الكلمة هتأثر فيك ولا النظرة تجرحك زيي. المرة في بلادنا هي الحيطة الواطية عشان تشيل كل النصايب. المرة في بلادنا حتى لو انجبرت على الغلط برضو بتدفع التمن واللي جبرها محدش بيقربله. قانون الظلم اللي ماشي على الكل هينصف مزيونة!
تكلفت محروسة بالرد عليها هذه المرة
بس قانون ربنا فوق كل قانون. ربنا منتقم جبار وعدل ومنصف كمان. وانتي يا حبيبتي اتظلمتي كتير واتحملتي تفتكري يعني بعد ده كله مش هينصرك لو ظنيتي غير كده يبجى انتي مش واثقة في عدل ربنا.
ونعم بالله مين قال اللي كده بس
قالتها تمسح دمعاتها متمالكة لبأسها بعض الشيء.
أضاف وصفي يضع شيئا من الأمل داخلها
خلاص يبجى ما تقطعيش أملك بربنا واللي حلها الأول يحلها في التانية والتالتة. ربك كريم يا خيتي وانتي متعرفيش بكرة مخبيلنا إيه
...............................
أما عنه فكان الألم مضاعفا خنجر الغدر الذي طاله بالتجني على من امتلكت قلبه. كيف تهاون حتى سمح لهم بجرحها أمام الملأ كان يعلم من البداية أن قوتها الزائفة ما هي إلا ستار تحتمي به من أذى ألسنة البشر وأفعالهم. في داخلها امرأة هشة تجاهد الثبات ولكنها لم تشف من جروحها بعد تحتاجه ليرمم المكسور بها كي يعيد إليها ذاتها التي غابت عنها. يحتاجها كي يكتمل بها فهو ناقص بدونها وكأنها ضلع من جسده غائب عنه. لن يهدأ حتى يأتي بها فيشفى بها وتشفى به.
ولكن كيف له أن يفعل هذا بعد ما حدث
نار تحرق أحشاءه كلما أتى بذهنه نظرتها الكارهة له بالأمس. هو لم يفعل ما يستحق عليه ذلك لكنه قصر وهذا ما لن يسامح عليه نفسه أبدا.
لابد أن تعرف مقدارها عنده لابد أن يأخذ حقها ممن تسببوا في جرحها أضعافا مضاعفة وأن يتحقق هذا عاجلا لا آجلا.
انتفض معتدلا بوقفته خلف ستائر نافذة غرفته التي ينظر منها اليوم نحو باب منزلها حتى لا يزعجها بحضوره كما يفعل يوميا فتأخذ حريتها دون قيد كما يحدث الآن وهي تودع شقيقها خارج باب منزلها. ليرتشف رؤيتها بعطش السنوات بعد ليلة كاملة قضاها سهرا يموت من القلق عليها. بشرتها شاحبة وعيناها منتفخة من أثر البكاء. تضم شالها حول جسدها وكأنها تحتمي به تتقبل التهوين من شقيقها الحنون كما يبدو ثم يودعها ويذهب إلى عمله.
فتوقفت هي تنظر في الأجواء حولها

حتى استقر بصرها نحو الجهة المجاورة و... تبحث عنه. حتى وإن أظهرت الكره إليه بالأمس فعيناها لا إراديا ذهبت نحو الأريكة التي يجلس عليها المقابلة لمنزلها. انتفض قلبه داخل صدره ود أن يصرخ ويخبرها أنه هنا ولن يتخلى عنها أبدا. أن يقفز من النافذة ليركض إليها و...
توقف فجأة سيل الأماني ليحل محله الإحباط واليأس حين عادت إلى منزلها تدخله وتتخفى داخله بعيدا عن عينيه. ليعود إلى رشده يسحب شهيقا كبيرا من الأكسجين ليهدأ من وتيرة الحماس الذي اشتعل الآن استعدادا للذهاب وفعل الشيء الذي كان يؤجله منذ الأمس.
.................................
توقف بسيارته أمام منزل والديها وانتظر لفترة من الوقت كي تترجل وحين لم يحدث التف يقابل عينيها ليجدها تنظر إليه باستجداء الأمر الذي استفزه.
ليتكلم أخيرا بعد فترة طويلة من الصمت...
انزلي يا هالة مستنية إيه
تحدثت بعصبية تلقي
عليه باللوم
مستنية أشوف آخرتها! ما هو أنا مش جادرة بصراحة أعديها طليجة أخوك الشرشوحة هي اللي خربت الدنيا واتسببت في الفضايح امبارح. أنا بجي إيه ذنبي! بتمسكلي في الكلام وتحط عليا إني قولت وعدت ذنبي إني بتكلم بنيتي طب افرض إني كنت بخربط عشان مش فاهمة اللي بيحصل بدل ما تفهمني عايزة تخرب ما بينا يا خليفة! طب لو كبرت وأبويا عملها ومرضيش يرجعني تاني خواتك هينفعوك
 

تم نسخ الرابط