لاجلها بقلم آمل نصر
ساعتها يا خليفة
ظل صامتا يتركها تهذي بكل ما عندها حتى إذا توقفت أخيرا تحدث
خلصتي كلامك طب يا ستي أجيبلك أنا من الآخر كل العواطف والدراما اللي عملاها دي ما دخلتش في دماغي بنكلة يا هالة. روان اللي بجت شرشوحة النهاردة امبارح كانت صاحبتك وحبيبتك ولا هتنكري إنك إنتي اللي عزمتيها على فرح معاذ وبعدها خليتي رجلها تروح وتاجي على البيت! من إمتى كنتي بتحبيها يا هالة عشان تعزميها بنفسك على الفرح
ضاقت عيناه في كلماته الأخيرة يخترقها بنظرات ثاقبة تكشف أغوارها حتى أصابها الارتباك قائلة ببراءة تدعيها
وافرض يا سيدي حصل وعزمتها اعتبرها تقدير لعشرتنا مع بعض سنين. يبجى كده أنا اللي مسلطاها دي واحدة النار كلتها لما شافت عمايل أخوك مع المحروسة التانية اللي هتبجى جدة بعد كام شهر على رأي روان!
يعني هما الاتنين عوجين أنا إيه دخلي بقى!
تجادل باستماتة وكأنه لا يفهم ما برأسها تلك الصفة التي تغفل عنها دائما فيه يخدعها بصمته ولا تعلم بأنه يحلل كل فعل تفعله أو كلمة يتلفظ بها لسانها وما تحوي خلفها.
ولأنه الأعلم بغيرتها الواضحة من مزيونة قرر هذه المرة أن يوجعها كما فعلت هي دون أدنى ذرة رحمة بالأمس تساعد الأخرى بأسلوب غير مباشر لتزيد من بث الفتنة
مش ذنبها إنها اتجوزت صغيرة جوي وبنتها إتجوزت صغيرة زيها وأزيد بشوية بسيطة هتبجى جدة ومع ذلك برضو أصغر منك! ولا إنتي ناسية إنك كد مني يعني أكبر منها بسنة وزيادة
لأ مش ناسية.
هتفت بها بحدة حتى بدت كصيحة بوجهه مرددة
مكانش في أحن منك يا خليفة اتغيرت يا واض عمي وجلبت على أقرب واحدة ليك بت عمك أم عيالك! ده أنا لو بدبح يا شيخ من الواجب تعملي خاطر!
تجلت القسوة في ملامحه غير متأثر بتلك الخطبة التي أرادت بها استدراج عاطفته ليرد موجها الحديث نحوها بأمر
لولا إنك بنت عمي وإني محافظ على صلة القربة اللي بيني وبين عمي لكنت نهيت جوازنا من زمان حتى من جبل ما نخلف عيال لو تفتكري!
بس خدي بالك أنا صبري مش طويل جوي كده اللي ما بينا شعرة بإيدك إنتي بس اللي تجطعيها في أي وقت يا هالة.
ويلا بجى انزلي يا هالة بدل ما أنزل معاكي أنا وأبلغ أبوكي بكل اللي حصل وساعتها محدش يلومني في اللي هعمله. أخلصي!
.................................
استيقظت أخيرا من غفوتها الطويلة لتصطدم أبصارها بوجهه الذي يشرف عليها بمسافة قريبة جدا وكأنه على هذا الوضع لفترة طويلة من الوقت منتظرا إشراق الضوء بعسليتيها الساحرتين يتأملهما بانبهار واضح وحتى ينفي عن نفسه شعورا آخر بالاختناق يراوده منذ الأمس.
فتبسم يقبل جبهتها برقة ونعومة قائلا
صباحك الورد والفل على عيونك.
أهدته ابتسامة ما أروعها تبادله التحية
صباح الجمال على أحلى معاذ. شكلك صاحي من بدري ولا أنا اللي اتأخرت في النوم ولا إيه بس
اتجهت أبصارها نحو الشرفة لتعرف بتأخر الوقت من اختراق الشمس لأبعاد كبيرة من الغرفة فأردفت
يا وعدي ده أنا فعلا اتأخرت خالص كمان. أما أقوم...
استني عندك!
هتف يوقفها فورا حين همت برفع جذعها عن الفراش لينهيها بحزم لا يخلو من خوف
ده برضو الكلام اللي اتفقنا عليه امبارح يا ليلى مش قلنا مفيش حركة زي ما نبه الدكتور
تبسمت مستخفة في محاولة منها لطمأنته
يوووه يا معاذ يا حبيبي مش للدرجة دي يعني هو جال راحة مش الزق في السرير! لكن الحركة الخفيفة مسموح بيها...
صاح بها مترجيا هذه المرة
الله يرضى عنك حتى الخفيفة بلاها بلاها أي حاجة ممكن تكون سبب في... أحب على يدك يا شيخة أحب على يدك...
حتى غلبته مشاعره وسقطت دمعات منه تحرق بشرتها لتسارع بلف ذراعها حول عنقه تربت وتهون عليه
يا حبيبي أنا بخير جدامك مش مستاهلة الرعب ده كله.
رفع رأسه إليها والدموع عالقة ببشرته قائلا بطاقة مستنفذة
كل ده ومش مستاهلة! كيف يا ليلى! وإحنا كل حاجة بنخططلها ونعمل حسابها بتيجي معانا بالعكس!
الحمل جه غصب عننا رغم كل الاحتياطات وفي أهم وقت إحنا محتاجينه حتى ما نجحناش نأخره سنة ولا سنتين في الجامعة وتختم كمان بالخطورة عليكي وعلى الجنين!
لدرجادي أنا فاشل يا ليلى
جذبته إليها تهدهده بكفيها الناعمتين حتى إذا هدأ قليلا ليأتي دورها في الحديث
الانفجار ده كان واجب عليا أنا على فكرة مش إنت.
أنا اللي حاطة عهدي مع أمي سيف على رقبتي ومع ذلك أخفقت بدل المرة كذا مرة رغم حرصي زي ما بتقول...
توقفت تخرج تنهيدة من عمق ما يموج بصدرها تردف بغصة اختنقت في حلقها
اللي حصل مع أمي امبارح مكانش ينفع أسكت عليه.
يمكن زودتها وضريت نفسي وزودت الطين بلة لكن والله يا معاذ لا كل كلام الدكتور ولا كل اللي حصل بعد كده كنت حاسة بيه ولا فارق معايا.
مكنتش شايفة غير مزيونة مزيونة اللي مستعدة أعمل عشانها أضعاف كرامتها أهم عندي من نفسي.
وحلمها فيا هحججه ولو على سريري اللي نايمة عليه.
أنا أمي شافت كتير وجت على نفسها وجبلت تسعدني على حساب نفسها.
يبقى أقل ما فيها إني أرفع راسي حتى لو اتهزمت وأكمل المشوار لحد ما أوصل.
لم يعقب على ما تفوهت به وظل يتأملها بإعجاب وانبهار.
لقد اتضح له أن صغيرته الشرسة تحمل قوة أكثر منه.
لقد ورثت الصبر والجلد من مزيونة كما أن ما مرت به قد ساهم في نضجها سريعا وقبل الأوان.
إذن هل يصح له الضعف الآن مع واحدة تملك إرادة مثلها
مالك بتبصلي وساكت ليه
تبسم بمكر ردا لها ليرد على التي أهدته إياها من لحظات بالعديد والعديد يطوف على كامل بشرتها وعنقها حتى دوى صوت
هاتفها يقطع لحظته فخرج صوته بضيق
ده مين ده اللي بيرن عليكي دلوك
تناولت الهاتف من فوق الكمود بجوارها تجيبه بشر دي أبله إعتماد بتتصل على ميعاد الدرس
فابتعد عنها على الفور يردد بتوجس
يا ساتر يا رب... ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها!
وكان الرد ضحكة عالية منها تعود بها إلى شقاوتها وطبيعتها المشاكسة.
...............................
ارتجفت تبتلع ريقها الذي جف سريعا عقب سماع ما تفوهت به خادمتها عن وجود الضيف الذي حضر ويريد مقابلتها الآن. تحاول أن تملك بأسها وتسيطر على خفقان قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها خوفا.
ليه مبلغتنيش الأول تديني فكرة قبل ما تقوليله الهانم موجودة! هو أي حد يطلب يقابلني تدخليه كده بالساهل!
ردت العاملة باحترافية رغم غيظها من تلك الحمقاء
حضرتك أنا مش بدخل أي حد. أنا عارفة إن حمزة بيه والد ريان يعني لأنه كذا مرة يوصله أو يوقف بعربيته يستناه وهو خارج من هنا. على العموم لو مالكيش رغبة أنا مستعدة أخرج وأقول له الهانم مش فاضية.
صاحت بها توقفها محذرة
استني عندك! وإياك تعمليها.
ابتعلت تهدئ قليلا من توترها قبل أن تأمرها
روحي حضريله حاجة يشربها أنا هخرج حالا أقابله دلوقتي.
أمرك يا هانم.
خرجت العاملة تتركها تتخبط فزعا من القادم لتغمض عينيها قليلا تستدعي شجاعتها وتلتف نحو المرآة خلفها فيغمرها شيء من الثقة بهيئتها المتأنقة دون تعب أو جهد فقد كانت على وشك الخروج إلى شركة أبيها التي تعمل بها كمسؤولة هناك.
حسمت أمرها للمواجهة واضعة في رأسها أنه لن يؤذيها وهي داخل منزلها فكم كان كريما معها منذ الانفصال. قد يكون غاضبا مما حدث لكنها والدة ابنه في النهاية.
زفرت تستعد لمقابلته مغمغمة بغيظ ممن كانت السبب في إشعال النار
منك لله يا هالة...
............................
وجدته في انتظارها واقفا لم يكلف نفسه حتى بالجلوس. لم يأت بالجلباب هذه المرة بل أتى بالهيئة التي تعشقها يرتدي قميصا رماديا من تلك الماركة العالمية التي يفضلها وبنطالا أسود يليق ببشرته البرونزية. وسامة رجولية خشنة لطالما حسدتها عليه النساء.
مطرقا رأسه بسكون تام حتى وهي تقترب ويصله صوت حذائها يطرق على الأرض الرخامية. لم يرفع بصره إليها إلا حينما بادرت بالترحيب
ده إيه المفاجأة الجميلة دي نورت بيتي يا حمزة.
التقت عيناه بعينيها دون أن يرد بكلمة ينظر إليها فقط بغموض زاد من توجسها. فمدت كفها نحوه تصطنع الابتسام من أجل مصافحته فنظر إليها بازدراء دون رد حتى أصابها الحرج لترد بلوم
مرسي أوي لذوقك. على العموم أنا برضو مش هزعل منك. هتقعد كمان ولا هتفضل واقف
ظل على جموده ولم يرحمها سوى بعد لحظات ليخرج صوته أخيرا
يوم ما انفصلنا أنا وإنت وحلينا كل المشاكل اللي ما بينا بالتفاهم أو بالتساهل مني بمعنى أصح عشان حضرتك تكرمتي ووافقتي إن ابني يفضل معايا فاكرة أنا اتفقت معاكي على إيه يوميها
تمتمت بتشتت وريبة تكتنفها فالمقدمة لا تريحها على الإطلاق
مش فاكرة صراحة.
رد بابتسامة لم تصل إلى عينيه ملتزم الهدوء
أفكرك أنا. يوميها قولتلك بالحرف الواحد جوازنا صفحة وانجفلت واللي باجي ما بينا كل ود واحترام. وريان ابننا يعيش في بيئة سوية سواء إنتي اتجوزتي أو أنا اتجوزت مفيش تشويه لصورة التاني ولا نزرع الكره في
قال الأخيرة بحدة جعلتها تردد دون تفكير
حصل.
ولما حصل خنتي العهد وجليتي بقيمتك ليه
اجفلت برده المباغت لكن سرعان ما استعادت توازنها تحاول امتصاص غضبه
أنا برضو قليت بقيمتي يا حمزة الله يسامحك. عارفة إنك غضبان وليك حق بس أنا والله ما كنت أقصد الأمر يكبر كده. هي الست دي وبنتها اللي قصدوا يورطوني الله يسامحهم.
عض على نواجذه بغضب شديد يحاول كبح رغبته في الانتقام لكنها للأسف امرأة وأم ابنه الوحيد.
الست اللي بتتكلمي عنيها دي واللي عايرتيها بنقص تعليمها عنك تفكري ألف مرة قبل ما تجيبي سيرتها جدامي أو في أي مكان حتي. لسانك الزفر لو هلفط بكلمة واحدة عنها تاني هتنالي العقاب اللي تستحقيه. حمزة القناوي جايلك النهاردة يعاملك بتربيته إنما تكرريها تاني هعاملك بتربيتك!
ردت بعدم فهم لمغزي كلماته الاخيرة
بتربيتي! ومالها تربيتي إن شاء الله والله إنت عارف كويس إني متربية على الأصول زيك بالظبط! إنت ابن ناس مأصلين وأنا ما أقلش عنك.
نفى برأسه موضحا دون مواربة
لا إنت شكلك مفهمتيش كويس بس أنا هفهمك لو هعاملك بتربيتك يبجى هعمل زي ما عملتي بالظبط أطلع كل الدفاتر اللي ماسكها عليكي وعلى السيد الوالد وأعملكم فضيحة تشهد عليها الجمهورية كلها وأدخلكم أنتوا الأتنين السجن!
تساءلت بذهول ورعب
إيه اللي بتقوله ده يا حمزة تدخلني أنا السجن
أجاب بابتسامة ساخرة
ما أنا بحذرك اها عشان ما تضطرنيش أعملها. نيجي بقى للي هيتنفذ دلوك المعاملة بتربيتي واخدة بالك
توقف لحظة ثم أضاف بأوامره
بيتي ولا بيت أهلي ولا أي حد من عيلتي... ممنوع تعتبي عتبة منهم تاني. وإن كان على ابنك ليكي رؤية مرة واحدة في الشهر هيوصلك لحد عندك وهيرجع في نفس اليوم. مش هيبات. وده اعتبريه كرم مني!
صرخت بجزع
يا نهار أبيض! إنت سامع نفسك! عايز تحرمني من ابني علشان غلطة بسيطة دي مجرد خناقة مابين ستات! بتحصل في كل الدنيا! ثم تعالى هنا... كرم إيه ده اللي بتتكلم عنه! إن جينا الحق الولد مفروض في حضانتي أنا يعني أقل محامي يخلصها في جلسة واحدة.
توحشت ملامحه بخطر ينبأها بطريق اللاعودة معه قائلا
جربي بس يا روان. أنا بتمنى بس إنك تجربي وشوفي ساعتها إن كانت عيلتك كلها ولا اسم أبوكي اللي فرحانة بيه ولا فلوسه حد فيهم هينفعك ولايسد جدامي!
بصق كلماته وشرع في الذهاب غير آبه بانهيارها المذري وقبل أن يصل إلى باب الخروج صرخت به
كل ده علشانها علشان الست الجاهلة بتاعتك!
التفت برأسه نحوها يجيب بتحذيره الأخير
وأعمل أكتر من كده كمان... حظك بجي إنك حرمة إنما لو راجل كنت عرفت أجيب حقها صح منك! مش بقولك إني كريم!
....................................
استغرقتا الاثنتان في الشرح والمراجعة حتى شعرت اعتماد نحوها بالإشفاق حين رأت الإجهاد الذي خيم على ملامحها الجميلة رغم صمتها وعدم الاعتراض أو الشكوى. فتناولت هاتفها لترى الوقت وهي تحدثها
كنت ناوية أقرص عليكي النهارده بس شكلي هأجل وأخليها المرة الجاية أنا برضو عندي جلب وشوية إحساس.
تبسمت ليلى ترد على مزحتها
متجوليش كده يا أبلة اعتماد ده انتي أم الإحساس والذوق.
لم تعلق اعتماد وقد تغيرت ملامحها وتعقدت بانشغالها في قراءة إحدى الرسائل التي لم تكتشفها إلا الآن وكانت قد وردت أثناء انغماسها في الحصة. تمتمت شفتيها بسبة قبل أن تضغط على الأزرار الثقيلة للهاتف القديم الوحيد الذي تملكه الآن طالبة رقم صاحبة الرسالة بقلق الأمر الذي دفع ليلى للتساؤل
خير يا أبلة اعتماد في حاجة
اهتز رأسها بتوتر نافية وهي في انتظار الإجابة من الطرف الآخر
خير خير... إن شاء الله خير.
وانتفضت تنهض من جوارها تحاول السيطرة بصعوبة على اهتزاز جسدها الذي
اندفعت به سخونة الانفعال والترقب. وما إن جاءها رد من الجهة الأخرى حتى هتفت بعصبية
أيوه يا زفتة توك ما رديتي............... كنت مشغولة في الحصة وكاتمة التليفون الزفت... معاناتها إيه الرسالة اللي بعتاها دي............
وما إن وصلها رد الطرف الآخر حتى ضربت بكفها على جانب فمها من فرط غضبها تصيح بها
يا نهارك اسود ومهبب بستين نيلة يا روضة! واخدك على الجمعية عشان تعملي الإجراءات وليكي عين تكليميني كمان..........
غصب عنككيف يعني مشربك حاجة صفرا ولا مفكيش لسان تجولي لأ
ضاغط عليكي وإنتي مش جادرة عليه.........طب عطلي نفسك على كد ما تجدري أنا جيالك دلوك على الجمعية الزفت... اجفلي يا بت ولا أجولك خليكي معايا على التليفون لحد ما أوصلك إياك تجفلي!....
تحركت تلملم أشياءها على عجل وتوجهت بالخطاب إلى ليلى
أنا همشي دلوك وابجى أتصل عليكي بعدين وأبلغك بميعاد الدرس التاني... بس إنتي اهتمي باللي خدناه النهاردة.
أومأت لها ليلى تهز رأسها بطاعة قائلة بقلق انتقل إليها
ماشي حاضر... بس إنتي جولي لو محتاجة مساعدة أبلغ معاذ ياجي معاكي
ردت اعتماد بصوت يتخلله الأسى وهي تغلق حقيبتها لتهم بالذهاب
المساعد ربنا... متشغليش نفسك إنتي ولا تبلغي حد إن شاء الله محلولة. عن إذنك.
تبعتها أبصار ليلى بحزن لا تدري لم شعرت بتشابه بين تلك المرأة ووالدتها رغم الفروق الشاسعة بين الشخصيتين. ربما وجه التشابه كان في الكفاح وربما في الحظ السيئ الذي يتبعهما كظل لا يرحم.
...
بخطوات تقارب الركض كانت تهرول هابطة الدرج تحاول اللحاق ومنع الكارثة قبل حدوثها واضعة الهاتف على أذنها لتصلها كل همسة من الجهة الأخرى. قدرها السيئ الذي تمثل في شقيقة كانت وستظل نقطة ضعفها الوحيدة رغم تحليها بالقوة واستغنائها عن الجميع شقيقتها ضعيفة الشخصية لا تجد لها حلا أبدا.
وفي غمرة انشغالها وركضها لم تنتبه لذلك الذي كان يصعد الدرج عكس اتجاهها حتى إذا وصلا إلى نقطة التقاطع بين الطابقين وقع الاصطدام المتوقع وكانت الضحية هاتفها القديم. حينها سقط من يدها على درجتي السلم القاسيتين متحطما تماما متناثرة أجزاؤه إلى قطع مجهولة الهوية.
نظر إليها خليفة بذهول تام قبل أن يرفع بصره إليها فتلتقي عيناه بكتلة من النار التي يتكرر معها نفس الموقف. نظرت بحسرة إلى هاتفها الذي أنقذها رغم قدمه بعد خسارة الآخر وقد تهشم بصورة لا تنبئ بإمكانية إصلاحه ثم نظرت إليه بصدمة امتزجت بمشاعر هوجاء مقدمة طبيعية للعواصف والأعاصير القادمة فهو المتسبب في خراب الاثنين لها الآن ليخرج صوتها أخيرا بتقطع بداية لما هو آت
إنت... إنت...
أنا إيه يا بنت الناس أنا إيه دخلي بس
تمتم مقاطعا لها ليضرب كفا بالأخرى مرددا
لا حول ولا قوة إلا بالله... طب أعمل إيه معاكي دلوك جوليلي... المرة اللي فاتت رفضتي العوض بدل اللي راح منك المرة دي بجى اعتذار في الجريدة الرسمية يمكن تعفي عني
لم تكن تملك رفاهية الرد بطبيعتها فما ينتظرها غير قابل للتهاون أو المغامرة بالصعود إلى ليلى وإضاعة المزيد من الوقت أو حتى عنجهيتها الزائفة في رفض المساعدة من أحد. فباغتته بقولها
إديني تليفونك.
ارتد برأسه إلى الخلف يعقب بدهشة
تليفوني! كده على طول
أمال يعني بعد ساعة بسرعة هاتو يلا.
أخرج خليفة على الفور هاتفه يعطيها إياه بتوجس. فاختطفته بسرعة تتصل على أحد الأرقام ذاهبة بسرعة مما اضطره لاتباعها
استني! يا اسمك إيه إنت يا آنسة كانك ولا مدام يا أخت!
كانت قد وصلت إلى خارج المنزل عيناها تبحث يمينا ويسارا بعدم تركيز فأجابته
أنا عايزة حد يجيلي تاكسي بسرعة... متعرفش حد يجيبلي تاكسي عاوزاه مشوار بأقصى سرعة.
رد عليها بسخرية
وهتاخدي التليفون معاكي
ياسيدي هديهولك بس أوصل مشواري.
رغم فزعه من صرختها إلا أنه تفهم فقد استوعب أن خلف ثورتها أمر جلل فتحرك نحو سيارته يشعلها بالمفتاح
تعالي معايا وأنا أوصلك في عربيتي.
طالعته بنظرة حادة فهم ليسارع بالتوضيح
اطمني... هوصلك بس عشان آخد تليفوني. تمام كده
....................
كان يجب أن تكون بجوار صغيرتها اليوم تلقي بكلام البشر خلف ظهرها وإن لم تملك الجرأة لتذهب برفقة شقيقها كما قال لها. لكنها لم تستطع فعندما تجد القدرة على الوقوف في وجه الشائعات والمؤامرات يمكن أن تفعل. ولأنها الآن لا تقوى على شيء يكفيها أن تراها عبر شاشة الهاتف وتحدثها باستفاضة.
قضت مع ابنتها ليلى قرابة الساعة ولم يقطع وصلهما سوى دخول مدرستها إعتماد لتنهي معها المكالمة أخيرا وتعود إلى وحدتها رغم وجود شقيقها وزوجة شقيقها التي لم تتركها حتى الآن.
لكن الوحشة تسكن قلبها حتى في وجود البشر.
غلبها التعب الجسدي والنفسي فقررت الهروب منه بالنوم وكادت أن تنجح لولا ذلك الطرق القوي على باب منزلها بصورة أزعجتها حتى نهضت عن فراشها لرؤية هذا الطارق المزعج.
كانت قد سبقتها محروسة زوجة شقيقها ليصل إليها الجدال فتعرف هوية من يقف خارج المنزل
مفيش حد موجود يا أبو ناصر يعني
وأنا مش عايز أدخل أنا عايز بس أشوفها... خليها تطلعلي.
تطلعلك فين يا أبو ناصر بجولك الولية تعبانة.
ليه وأنا هاخدها مشوار دا هما خطوتين لحد العتبة ما هتجدرش تعتبهم ليه اتشلت
بعد الشر عليها الفال سعد.
أوقفتها مزيونة تسحبها للداخل وتحل هي محلها قبل أن يزيد عليها بفظاظته التي تعرفها جيدا
نعم يا عرفان أديني بطولي واقفة جدامك عايز إيه
تأملها برهة يجفلها بإجابته وقد بدا من هيئته أنه ليس على طبيعته
عايزك.
نعم
رد على استفسارها بتهكم
بجولك عايزك لازم أشرحها بالتفصيل عشان تفهمي
إلى هنا وقد فاض بها من وقاحته لتقرر بحسم إنهاء المقابلة
تصدق إني غلطانة إني عبرتك أصلا ارجع مطرح ما كنت... بلا جلة حياء!
كادت أن تغلق الباب في وجهه لكنه منعه بكفه الضخمة يردد بفحيح
جلة حياء تبجى لمين للراجل اللي عايز يلم لحمه ويرجعك لزمته ست بيتك ولا للنطع اللي داير يلف حواليكي وآخر المتمة خلى سيرتك على كل لسان
صاحت به بعدم إحتمال وهي تجاهد لإغلاق الباب في وجهه
معاش ولا كان اللي يستجرأ يجيب سيرتي! بعد من بيتي لا أصرخ وأقول بووو! ألم عليك الناس.
تبسم يثير اشمئزازها
وتجيبي فضايح على فضايحك
على العموم أنا برضو أشرفلك من النطع دوكها على الأقل أنا أبو بتك.
جطع لسانك يا عرفان!
صرخت به بقهر غلبها حتى تفاجأت به يسحب أو يختطف بمعني أصح من أمامها وصوت تعرفه جيدا يهدر
هو البعيد ما عندوش كرامة للمرة التانية برضو جاي تتهجم على اتنين نسوان!
وفي أقل من ثوان تفاجأت بالجسد الضخم يسقط كالجثة أمامها بعد تلقيه عدة ضربات نافذة.
نظرت مزيونة إلى ذلك الجسد الذي تكوم أمامها كالخرقة البالية تردد بعد استيعاب
عملتها إزاي كيف قدرت عليه بالسهولة دي
تبسم يجيبها بمرح يكتنفه امتنان غير عادي نحو عرفان الذي أعطاه الفرصة لرؤية وجه القمر... وجهها
ما خدش في إيدي غلوة... دا شارب أصلا غير إني عملتها جبل كده وكان فايق... لو تفتكري يعني
أومأت بحرج وقدماها تعودان إلى الداخل.
أردف يسألها قبل أن تختفي من أمامه
وعيناه تتشرب تفاصيلها
وانتي... عاملة إيه النهاردة
أومأت بصوت بالكاد يخرج
زينة والحمد لله. عن إذنك.
دلفت تغلق الباب عليها لكنه لم يتحرك فصدح صوته من الخارج يجبرها على الابتسام من خلف الباب
طب أتصل بمين ياجي يشيل الجثة
... يتبع
هلاقي تقدير للتعب والسهر مش عايزين نقل على الفصل اللي فات
الفصل التاسع والعشرون
منذ أن قررت أن أحبك وأن تكوني لي أقسمت أن أكون الدرع لا السهم
أن أكون لك السند لا الحمل
أن أكون الرجل الذي إن اختل بك العالم ظل ثابتا لا يميل.
أقسمت أن تكوني أنت وحدك البداية والنهاية.
لن تمسك يد سواي ولن يطال حزن طرف ثوبك ما حييت.
سأكون لك درعا إن اشتد الزمان وسندا إن خذلتك الحياة
وسقفا فوق قلبك إذا ما اهتزت الأرض تحتك.
سامحيني إن جرحتك الآن
لكني أقسو اليوم كي لا يقسو عليك الدهر غدا.
أجرحك الآن حتى يكون الغد خاليا من كل وجع
أوقظك بالألم لأحميك من جرح لا شفاء له إن تأخرت.
لن أتركك لنفسك
ولن أتركك لغيري.
أنا من سيحمل عنك أعباءك ويقتسم معك مخاوفك
أنا من سيقف بينك وبين كل ما يؤلمك.
ستكونين لي كما لم يكن لي أحد قط
وسأكون لك كما لا يليق بك سواي.
من الآن لن تواجهي شيئا بمفردك.
أنا هنا وسأبقى دائما
الخاطرة الروعة والمراجعة من الرائعةسنا الفردوس
.........................
الفصل التاسع والعشرون
توقف بالسيارة أمام مقر الجمعية التي اشتهرت في البلدة بوظيفتها المعروفة إقراض الناس مقابل فوائد مضاعفة تسدد أقساطا على مدار شهور. يلجأ إليها المضطر أو المديون فهي في ظاهرها جمعية لستر الناس وفي باطنها خراب بيوت تمتص دماء الفقراء بمصيدة تسمى قروض التيسير وهي في حقيقتها باب من أبواب الربا.
والربا محرم شرعا ومن يقدم عليه فلينتظر حربا من الله ورسوله كما جاء في قوله تعالى
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين 278 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ۖ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ۖ لا تظلمون ولا تظلمون
البقرة 278279
فما الذي يدفع زوج شقيتها إلي طرق هذا الباب.
تساءل داخله وهو يراها تترجل من أمامه مهرولة إلى مدخل الجمعية دون سلام أو استئذان وهاتفه على أذنها تتابع الحديث مع شقيقتها.
اللهم طولك يا روح
تمتم بسخط وهو يترجل خلفها يغلق سيارته ثم يتبعها إلى داخل ذلك المقر.
أما هي وحين ولجت إلى الداخل كانت عيناها تدور باحثة في الأجواء حولها أثناء الحديث عبر الهاتف حتى اصطدمت أبصارها بصاحب الجسد النحيف زوج شقيقتها بهيئته المنزعجة يتجول بعصبية في الطرقة الفاصلة بين الغرف وفمه لا يكف عن التدخين بشراهة تجعل السحب الدخانية تلازمه كظله.
تراجعت خطوتين قبل أن ينتبه لها لتصدر أمرها نحو الطرف الآخر معها في الحديث
أنا وصلت أهو ودخلت اطلعي يلا من الحمام اللي متخبية فيه... اطلعي يا بت وسيبي الباجي عليا أخلصي.
كادت أن تنهي المكالمة حتى انتبهت إلى المذكور يقف أمامها متحفزا
مين هي اللي تطلعلك يا غالية وانتي جاية هنا أصلا ليه
تصنعت الدهشة وبحركة روتينية اعتادت عليها وضعت الهاتف في الحقيبة لتعطي انتباهها إليه كاملا وهي تستقبله
وه محمود جوز أختي إزيك يا راجل مش تسلم الأول
تطلع إليها بملامح كارهة وقد استنتج سريعا سبب الاختفاء المريب لزوجته داخل مرحاض الجمعية منذ أكثر من نصف ساعة.
اعتماد تماثله في العمر تماما واحد وثلاثون عاما لكنها تملك شخصية قوية تناطح من أمامها بندية بل ولا تخشى حتى غرز أظافرها في وجه من يتجرأ عليها بالكلمة على عكسه هو الذي يخاف حتى من أخيه الصغير ووالدته وقد وجد ضالته في امرأة ضعيفة الشخصية يوجهها كيفما يريد ويحصل منها على قدر ما يستطيع ولكن أحيانا لايقدر بسبب تلك اللعينة التي تقف له دائما بالمرصاد.
هي اللي اتصلت بيكي ولا إنتي اللي اتصلتي بيها وعرفتي منها
سخرت بابتسامة صغيرة بزغت بطرف ثغرها
في الحالتين إيه الفرق
إيه الفرق!
ردد بها من خلفها بنبرة غامضة تبدلت فجأة حين أتت زوجته بعد خروجها من المرحاض ليباغتها بالقبض على ساعدها بشراسة لا يعرفها إلا معها
بقالك ساعة مدسية في الحمام بحجة إن بطنك وجعاكي واتاريكي عاملاها حيلة عشان تستني المحروسة. طب حركي رجلك يلا البت الموظفة بقالها ساعة مستنية على إمضتك!
إمضة مين
تمضي على إيه بالظبط أختي مش هتمضي على ضمانات ولا كلام فاضي. عايز تسحب قرض ربا شوفلك حد غيرها يكون ضامن. دا لو محتاجه فعلا
وإنتي إيه اللي يخصك واحد ومرته إيه دخلك بعدي من وشي الله يرضى عنك مش ناجصة هي وقف حال.
تعالي يا بت إنتي هنا بالذوق أحسنلك.
لم يصدر من روضة أي رد فعل سوى أنها ازدادت التصاقا بشقيقتها باعتراض لا تقوى على التعبير عنه إلا في وجودها.
اهتاج غضبا أمام صلف الأولى واحتماء الأخرى بها ونظرات الخلق التي توقفت تتابعهم ليزيد على اهتزاز شخصيته الضعيفة من الأساس فارتفعت كفه بصورة توحي بنيته على ضربها
طب والله لو ما بعدتي عنها لأكون ضاربها هنا جدام الناس وخلي حد يقدر يحوش عنها.
تحفزت اعتماد في استعداد للدفاع عنها حتى لو اضطرت لفتح رأسه أو الدخول معه في عركة مباشرة ولكن يدا من المجهول قبضت على رسغه بقوة وصاحبها الذي تذكرت أخيرا قدومه لتوصيلها ضغط بجسده على محمود ليبعده عن النساء ثم خرج صوته تهديدا ووعيدا
جرب تنزل بيدك على واحدة منهم يا عديم النخوة وأنا أفرجك زين جزاة عملك.
كان حادا بصورة أدخلت الرعب في قلب ذلك الذي بوغت بحضوره فابتلع يقاوم مبررا
ابعد يا جدع إنت دا أمر عائلي ملكش دعوة بيه إنت مين أصلا
أنا خليفة ولد حماد القناوي سمعت عن الاسم ولا أعرفك أنا
يبدو أن الاسم كان له وقع السحر شحب وجه محمود حد الاصفرار لترتخي يداه باستسلام مرددا بشكوى
وأنا مالي بيك يعني البت دي هي السبب. واحد ومرته هي إيه دخلها
برز صوتها من بين الجمع الذي التف حولهم
دخلها إني أخت اللي عايز تستغلها وتورطها ضامن ليك! عيلتك مليانة رجالة وحريم خد أي واحد فيهم لكن إنت مصر على أختي ليه مش لاقي حد يوثق فيك ولا عشان عارف إن موضوعك تافه وميجيبش تمنه ولا هو مشروع ولا كلام فاضي.
كاد محمود أن يعود للشجار معها ولكن منعه صوت إحدى عاملات الجمعية من النساء تصرخ
إيه اللمة دي لو سمحتوا هنا مش محل خناق ولا مشاكل. أرجوكم اخرجوا برا.
ها هو للمرة الثانية يتعرض لنفس الإهانة وأمامها من ذلك المتعجرف الذي التقط فرصة غياب عقله بفضل الكأسين اللذين شربهما قبل أن يذهب إليها. الملعون يجيد استغلال الأوقات التي يضرب فيها ليرفع من أسهمه أمامها على حسابه فينال هو الخزي أمامها وأمام عائلته والجميع ثم ينتهي به الأمر أن يصبح ضحية التقريع من مصيبة حياته
يا خيبتك القوية يا صفا يا سواد وشك جدام ناسك والجيران والعيلة أوريهم وشي إزاي دلوك بس بعد ما شافوك للمرة التانية داخل مسنود على الدراعات ومضروب من نفس الراجل على عتبتها يا مرك
يا مرك.
صاح ينهرها من مكانه على الأريكة المستلقي عليها داخل شقة مزيونة
اتلمي يا بت بدل ما أجوملك أنا على آخري أصلا.
صدر من فمها صوت ساخر غير آبهة
طبعا يا حبيبي لازم تبجى على آخرك للمرة التانية بتلبس الخازوق والكسفة من غير مجهود من حد! إنت اللي بتروح برجليك وإنت اللي بتضرب وتاجي مسنود وواخد الشتيمة من أقل عيل فيكي يا عيلة.
يا بت ال
تمتم بها معتدلا عن رقاده حتى تألم رأسه فتأوه بتوجع يضع كفه عليها مردفا بتعب
الله يلعنك يا ملعونة لا عندك إحساس ولا عندك نظر. مش قادرة تستني علي ما أقوم وساعتها اشمتي براحتك.
تخصرت صفا تردف بغليل يحرقها
لا ماعنديش يا عرفان والبركة فيك! إنت اللي موت قلبي وشلت الإحساس عني بعمايلك. يا أخي دا أنا لو جبل برضو هتأثر وهضر وممكن أقع من طولي بسببك! ماسك في اللي رمياك ومدياك بالجزمة وأنا اللي متحملة قرفك وبلاويك الزرقا مش عجباك طب تصدق بالله أنا نفسي ما بجيتش طايقاك!
اهه فايتهالك وماشية.
في ستين داهية يلا غوري!
هتف بها من خلفها بغيظ يحرقه. هذه الإهانة لا بد لها من رد موجع. لا بد من إنهاء هذا العبث على الفور ودون انتظار.
تحامل على ألمه لينهض عن أريكته متخذا طريقه نحو الجهة المقصودة وقد حسم أمره.
أنا جيت يا خالة مزيونة ممكن أدخل
دلف إليها هذا الصغير بعد أن طرق على الباب طرقتين على الخشب المثقل يطل عليها بوجهه الوسيم الذي يشبه أباه في مكره ينتشلها من الشرود الذي يلف عقلها دون هوادة حتى إنه أذهب عنها التركيز في الكتاب الذي تمسك به منذ ساعة ولا تفهم منه شيئا.
ادخل يا خالة مزيونة
للمرة الثانية يستأذنها بابتسامته المتلاعبة التي تدخل البهجة في قلبها دون استئذان فكيف لها أن ترفض
ادخل يا بطل بالذمة يعني إنت محتاج تستأذن
دلف يلقي التحية على زوجة شقيقها التي تطوي كومة الملابس التي جفت بعد غسلها متصنعا الخجل أمام المرأة حتى أدخل التسلية بقلبها هي الأخرى
العوافي عليكم.
ألقت بنظرة ذات مغزى نحو مزيونة وهي ترد على تحيته ضاحكة
الله يعافيك يا حلو إنت. ادخل يا جميل هو إنت غريب
لوح بكفه فوق صدره يزيد من إبهارها قبل أن يتخذ جلسته جوار مزيونة على الأريكة الخشبية التي تجلس عليها
تشكري يا خالتي ربنا يخليكي.
للمرة الثانية تطلعت محروسة نحو مزيونة ضاحكة تردد خلف هذا الصغير بمرح يكتنفها
يا حبيبي دا إنت اللي ربنا يخليك ويبارك فيك لأبوك يا عسل! صحيح التعليم الغالي يا ولاد بيعمل فرق.
حدجتها مزيونة بنظرة محذرة حتى تنتبه ولا تتمادى معه فهي الأعلم بحجم الذكاء الذي ورثه عن والده... اللعنة لماذا لا يترك رأسها ولو قليلا
جولي يا ريان باشا عامل إيه بجى في مدرستك
وجهت السؤال إليه حتى تندمج معه هو لا أحد آخر ولكن الطفل الداهية أبى أن يعطيها غرضها
شاطر جوي واسألي المدرسين كمان! أبويا وصلني النهاردة واتطمن بنفسه حضر جلسة الآباء وميس تولين فضلت تحكيله عن شطارتي ودرجاتي العالية في المادة بتاعتها وهو فرح وقالي جدامها أنا فخور بيك يا ريان.
تركت كل الحديث وعلقت على ملحوظة واحدة عبرت عنها
ميس إيه تولين! ودي شكلها حلو زي اسمها كده ولا إيه ظروفها
بحماس أثار انزعاجها هتف ريان يخبرها
باه ميس تولين دي أحلى واحدة في المدرسة كلها وأنا أكتر واحد بتحبني من المدرسة كلها.
بتحبك ولا بتحب أبوك
تمتمت بها لتستدرك سريعا تنفض رأسها من تلك الأفكار الحمقاء لتردف بنزق
ريان يا حبيبي إنت بتحب الحلو اللي بنعلمه صح محروسة هاتي طبق بلح الشام اللي في التلاجة للباشا.
سمع منها ليهلل فرحا بعفويته التي تعشقها حتى أتت له محروسة بالطبق يتناول منه القطع فيتذوق باستمتاع حتى فتح شهيتها لمشاركته بتناول الحلو معه ورغم ذلك رأسها لا يهدأ عن التساؤل
يا ترى شكلها إيه تولين دي
...............................
مرتفعات وحجارة تحك في إطار السيارة فتصدر أصواتا مزعجة وهي تخترق تلك الطرق التي يسير فيها لأول مرة رغم أنهم في نفس البلدة.
وذلك كي يوصل تلك المدعوة اعتماد وشقيقتها بعد شجار حاد بينهما وبين زوج الثانية انتهى بطردهم جميعا من الجمعية حتى كاد الآخر أن يتسبب لهم في فضيحة ثانية على قارعة الطريق لولا وقوفه هو بوجهه وصرفه ثم في الأخير اضطر أن يقلهم معه بعد أن تركهم وذهب كالجبان.
بس خلاص وجف هنا. هتفت بها اعتماد فالتفت إليها متسائلا بيتكم هنا كادت أن تجيبه بنعم كاذبة ولكن شقيقتها روضة سبقتها لا مش هنا بيتنا تحت شوية في الروض مصلح يطلق على الأرض المنخفضة في البلدة. وه. صدرت منه بعفوية لا يقصدها ندم بعدها حين شعر بحرجهما فتابع موضحا أنا قصدي يعني.... قاطعته اعتماد لتقصر عليه وترفع عنه الحرج مش محتاج تبرر عشان كده أنا بقولك وجف النزلة بالعربية صعبة. رمقها بنظرة خاطفة عبر المرآة ورد برفض بسيطة إن شاء الله بلدنا فيها طرق أوعر من كده والسواق الصح ما يهمهوش.
قالها متخذا قراره في القيادة بحرص أثناء النزول في ذلك المنخفض حتى يوصلهما إلى منزلهما الأمر الذي دفعها ولأول مرة أن تعبر عن امتنانها إلى رجل وذلك لصنيعه الكريم معهما أنا كنت عايزة أشكرك اللي عملته معانا النهاردة بصراحة الكل يشهد له.
تطلع إليها عبر المرآة بعدم تصديق حتى أخجلها فسارعت بالتوضيح أنا مش جلفة لدرجة إني أهدر حق اللي يتجمل معايا أنا برضو واعية وأعرف أميز. تبسم يزيد من خجلها الذي غطت عليه بجمودها المصطنع ليرد بتسلية تخللت نبرته مفيش منها شك دي يا أبلة اعتماد مربية أجيال زيك هي أم الذوق والاحترام.
اكتفت بالغيظ من طريقته شاعرة بشيء من السخرية لا تقبله ولكنه لم يخطئ حتى ترد. زفرت داخليا بارتياح نسبي مع انتهاء الطريق الصعب بالسيارة ليظهر أمامها المنزل
خلاااص حلوة جوي كده إحنا وصلنا. أشار بذقنه إلى الأمام نحو أحد البيوت المبنية حديثا بالطوب الأحمر دون دهان موجها السؤال هو ده البيت ردت تلملم أشياءها أيوة هو ده البيت تشكر جوي.
سمع منها فتوقف بالسيارة ينتظر ترجلهم ليفاجأ بدعوتها اتفضل حضرتك تنزل معانا البيت إحنا صحيح تلت ولايا بس ده ما يأثرش طبعا مع ناس زينا إحنا ولاد ناس وبنعرف الواجب.
للمرة الثانية يستفزها بابتسامته التي تظهر وبكل وضوح لدهشته بالوجه الثاني لها في المعاملة الطبيعية مع الأفراد دون مشاكل حتى ودت الرجوع عن طلبها والشجار معه كي تستريح لولا قوله أكيد طبعا ولاد أصول واجبكم وصل يا أبلة اعتماد اعتبريني دخلت وشربت الشاي كمان عن إذنكم بجى.
وتحرك بالسيارة ليصعد المنخفض حتى يصل إلى الأرض المستوية كي يعود إلى منزله ولكن فور أن انتهى من الصعود واطمأن بخروج السيارة بخير دون إصابات تلحق بها كاد أن يفرح بالإنجاز حتى تذكر هاتفه فضرب بكفه على عجلة القيادة مرددا
بوو يا شجاوتك يا خليفة هرجع تاني كيف في المرار
الطافح ده
....................
في منزل والديها وداخل تلك الغرفة التي تحبس نفسها بها هربا من والدها وتحقيقاته المستمرة بعدد من الأسئلة التي لا يمل من توجيهها إليها كانت متربعة الآن على سريرها تلتزم الصمت المطبق وصوته في خارج الغرفة يصدح حتى يصل إليها ووالدتها ترواغه وتماطله كي تمتص غضبه
البت دي ساكتة ما بتتكلمش ليه جاعدة من امبارح وجوزها ما سألش ولا حتى عتب وراها يمسي علينا أجطع دراعي إن ما كانت عاملة نصيبة دي لا حسنية ولا أي واحدة من بنتتها سألت البت دي مهببة إيه بالضبط
يعني هتكون عاملة إيه بس يا أبو العيال هي هالة صغيرة ولا لسه متجوزة امبارح ده تلاجيهم بس شوية زعل صغيرين بينها وبين جوزها وفي الآخر برضو هيتصالحوا ده خليفة مفيش أعقل منه.
أيوة يا أختي مفيش أعقل منه بس بتك مفيش أجن منها أنا أبوها وعارفها زين شوفيها مهببة إيه يا يامنة يمكن نعرف نلم ولا نصلح يا إما أسحبها من يدها وأروحها على بيت جوزها تعتذر من غير ما أعرف إيه اللي حصل. ما عنديش بنتة يزمقوا ولا يبيتوا بعيد بيوتهم فاهمة
بقبضتيها الاثنتين صارت تضرب على ركبتيها بحنق شديد وقهر تشعر به بسبب هذا الرجل والدها. تعرفه جيدا لا يرمي كلاما في الهواء سوف ينفذ ولن يوقفه أحد. لن يراعي كرامتها أو يستمع إليها ويتفهم إن حدث وتكلمت. ولكن إن تحدثت بالفعل ماذا ستقول
لعنت داخلها خليفة وغدره بها ذلك البحر الساكن دائما يغري الفرد بصمته فلا أحد يعلم متى تفور أمواجه لتقلب كل ما بداخله رأسا على عقب.
انتفضت تنتبه فجأة على دوي صوت الهاتف بمكالمة واردة. تطلعت في الشاشة فازداد سخطها لتغلق على صاحبة الاتصال دون انتظار متمتمة
قبر ياخدك
زفرت تمسح على شعرها ووجهها لتعود لصمتها والترقب مرة أخرى حتى يغادر والدها إلى عمله أو الحقل أو حتى النوم حتي تتنفس بعدها جيدا ثم تفكر في حل يساعدها...
......................
لا تغادر سريرها إلا بحرص شديد تلتزم بتنفيذ التوصيات وتعليمات الطبيب والخوف مع كل حركة يعصف بها