كنت بغسل قمصان جوزي

لمحة نيوز

كنت بغسل قمصان جوزي لما صوابعي لمست حاجة جوه جيب الصدر.
حلق دهب.
وقفت مكاني وبصيت له باستغراب. الحلق كان على شكل فراشة صغيرة، وفي نصها فص أزرق بيلمع بطريقة غريبة. الغريب إنه مش بتاعي، ومش بتاع أي حد أعرفه.
قلبت القميص كله يمكن ألاقي تفسير، لكن مفيش أي حاجة تانية.
طلعت فوق وأنا ماسكة الحلق في إيدي.
سامح كان قاعد في المكتب بيشتغل على اللابتوب. أول ما شاف الحلق، وشه اتغير للحظة... لحظة صغيرة جدًا، لكنها كانت كفاية إني ألاحظها.
سألته
الحلق ده بتاع مين؟
بصلي ثانيتين، وبعدها قال
فين لقيتيه؟
كان في جيب قميصك.
مد إيده بسرعة وأخده مني، وبعدين قال بهدوء غريب
لو سمحتي يا كلارا، لو لقيتي أي حاجة شبه دي تاني متسأليش عنها دلوقتي.
الكلمات نزلت عليا زي التلج.
يعني إيه متسألش عنها؟
لكنه قفل اللابتوب فجأة وقال
أوعديني بس.
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن جوزي مخبي حاجة كبيرة جدًا... لكن مش بالضرورة حاجة وحشة.
في الليلة دي صحيت على صوت باب الشقة بيتقفل بهدوء.
بصيت في الساعة.
كانت 317 الفجر.
سامح كان اختفى.
لبست بسرعة وبصيت من البلكونة.
شوفته واقف تحت العمارة.
كان مستني عربية سوداء.
ركب فيها واختفى.
تاني يوم الصبح سألته راح فين.
ابتسم وقال
شغل.
لكن عينيه قالت حاجة تانية خالص.
من اللحظة دي بدأت أراقب التفاصيل.
مكالمات قصيرة بتنتهي أول ما أدخل الأوضة.
أوراق بيخبيها أول ما أقرب منه.
وأغرب حاجة...
خريطة قديمة جدًا لقيتها مطوية جوه درج مكتبه.
وفي طرفها مرسوم نفس شكل الفراشة الموجودة على الحلق.
ساعتها بس عرفت إن الموضوع أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
لكن الصدمة الحقيقية جات لما فتحت ظهر الخريطة...
ولقيت صورة قديمة بالأبيض والأسود لرجل يشبه سامح بشكل مخيف.
وتحت الصورة مكتوب بخط يد مرتعش
لا تبحثوا عن الصندوق الرابع... لأنه لم يُفتح منذ عام 1962.
يتبع...فضلت أبص للصورة أكتر من دقيقة كاملة.
الرجل اللي فيها كان شبه سامح لدرجة تخض.
نفس العينين.
نفس شكل الفك.
حتى الشامة الصغيرة اللي جنب الأذن كانت موجودة.
لكن الصورة قديمة جدًا، والورقة نفسها مصفرة من الزمن.
قلبت الصورة من ورا.
كان فيه تاريخ
12 أكتوبر 1962.
وتحته كلمة واحدة
الحارس.
حسيت بقشعريرة سرت في ضهري.
سامح عمره ما كلمني عن أي حاجة تخص العيلة بالشكل ده.
ولما فتحت الخريطة تاني، لقيت عليها أربع علامات حمرا متوزعين على أماكن مختلفة.
ثلاث علامات متشطب عليهم بقلم أسود.
أما العلامة الرابعة فكانت متحاطة بدائرة كبيرة.
وفوقها مكتوب
الأخير.
في اللحظة دي سمعت صوت مفتاح الباب.
قفلت الدرج بسرعة ورجعت أوضة النوم كأني كنت نايمة.
دخل سامح.
كان مرهق بشكل غريب.
ولأول مرة من سنين شوفته ماسك إيده الشمال وكأنه متصاب.
تاني يوم نزلت من غير ما يعرف.
روحت العنوان المكتوب جنب الدائرة الرابعة على الخريطة.
العنوان كان لمبنى قديم مهجور على أطراف المدينة.
شبابيكه مكسورة.
وبابه الحديد متآكل من الصدأ.
وقفت قدامه وأنا مترددة.
لكن الفضول كان أقوى.
دفعت الباب ودخلت.
الغبار كان مالي المكان.
والهدوء مخيف.
مشيت شوية لحد ما لمحت حاجة مرسومة على الحائط.
فراشة.
نفس الفراشة اللي على الحلق.
وتحتها سهم متجه للسرداب.
نزلت السلم بحذر.
درجة...
ورا درجة...
لحد ما وصلت لباب خشبي ضخم.
كان عليه أربع أقفال.
ثلاثة منهم مفتوحين.
والقفل الرابع فقط هو المقفول.
اتجمدت مكاني.
لأن القفل الرابع كان محفور عليه نفس الرقم المكتوب خلف الصورة
1962
وقبل ما ألمسه...
سمعت صوت خطوات جاية من الضلمة.
خطوات بطيئة.
منتظمة.
وكأن صاحبها عارف إني هنا.
ثم خرج الصوت من آخر الممر
كنت عارف إنك هتوصلي للمكان ده يا كلارا...
الصوت كان صوت سامح.
لكن اللي ظهر من الظلام بعدها... ماكنش سامح اللي أعرفه.
يتبع...وقفت مكاني وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
الصوت كان صوت سامح مفيش أي شك فيه.
لكن اللي كان قدامي في آخر الممر كان ظل واقف بشكل مختلف.
أطول.
أهدى.
وكأن فيه طبقة تانية فوق ملامحه.
إنتِ جيتي بدري قالها وهو بيقرب خطوة.
رجعت لورا بسرعة وقلبي بيدق بعنف
إنت مين؟!
ضحك ضحكة خفيفة نفس ضحكته بالظبط، لكن فيها برودة غريبة.
السؤال الصح أنا كنت مين قبل ما تنسي كل حاجة؟
الكلمة دي وقفت في دماغي.
تنسي؟
أنا عمري ما نسيتك! قلتها بانفعال.
سكت لحظة، وبعدين مد إيده ناحية الحائط.
الفراشة اللي مرسومة بدأت تبان وكأنها بتتحرك مع لمسة إيده.
وفجأة الأرض تحت رجلي اتحركت.
باب السرداب نفسه بدأ يفتح ببطء الباب الرابع.
الصوت المعدني كان بيصرخ كأنه بيتفتح لأول مرة من سنين طويلة.
ومن جوه طلع نور أبيض قوي.
سألت بصوت مهزوز
إيه المكان ده؟
رد بصوت منخفض
ده المكان اللي بدأتي تنسي فيه الحقيقة.
خطوة واحدة جواه كانت كفاية عشان العالم كله حواليّا يختلف.
الحيطان بقت مليانة صور ليّا أنا لكن في أماكن ما عمري ما شفتها.
وأسماء مكتوبة بخط إيدي وأنا متأكدة إني عمري ما كتبتها.
وفوق كل ده
كان فيه صورة كبيرة لسامح لكن مش سامح اللي أعرفه.
كان لابس نفس اللبس بس واقف قدام مجموعة أشخاص، وتحتها مكتوب
المشروع 4 إعادة بناء الذاكرة
رجلي اتجمدت.
وهو واقف عند باب النور قال بهدوء
دلوقتي هتفتكري كل حاجة حتى اللي حاولنا نخبيها عنك علشان تعيشي.
وفي اللحظة اللي النور غمرني فيها
افتكرت صرخة كنت نسيتها من سنين.
ووشوش ناس بتنادي اسمي في مكان أبيض تمامًا
وقبل ما الصورة تكمل
الصوت ورايا قال
مرحبًا بعودتك يا دكتورة كلارا إلى التجربة اللي ما انتهتش.
يتبع...الصوت اللي نطق اسمي كان كفيل يطفّي أي إحساس بالأرض تحت رجلي.
دكتورة كلارا إلى التجربة اللي ما انتهتش.
لفّيت بسرعة.
سامح كان واقف ورايا لكن المرة دي ملامحه كانت مختلفة تمامًا.
مش نفس الراجل اللي بيفطر معايا الصبح ولا اللي بيقول تسلمي يا حجة.
كان في عينيه هدوء

تم نسخ الرابط