اشتكت بنتي

لمحة نيوز

اشتكت بنتي من ألم في سنها، فأخذتها لطبيب الأسنان، لكن زوجي أصر أن يرافقنا وقبل أن نغادر دسّ الطبيب ورقة في جيبي جعلتني أركض إلى الشرطة.
في الكويت كان اسمي نادين، أم لطفلة اسمها ليان عمرها عشر سنوات، تزوجت فهد بعد رحيل والدها بسنوات، وكنت أظن أنني وجدت رجلًا يعوض بيتنا عن الخوف والوحدة.
فهد كان أمام الناس رجلًا محترمًا، يساعد الجيران، يتكلم بهدوء، يتذكر مواعيد المدرسة، ويصلح أعطال البيت قبل أن أطلب، حتى ظن الجميع أنني محظوظة به.
لكن ليان لم تكن تشعر بالراحة معه، كانت تتجمد عندما يدخل الغرفة فجأة، وتغلق باب غرفتها بسرعة، وتتوقف عن الكلام كلما سألها سؤالًا بسيطًا.
كنت أفسر ذلك بأنها ما زالت متعلقة بأبيها، وأن وجود رجل جديد في البيت يحتاج وقتًا، لأنني كنت أخاف من الحقيقة أكثر مما أخاف من التبريرات.
في أحد الأيام قالت ليان وهي تقف في المطبخ بزي المدرسة ماما، السن الخلفي يؤلمني لما آكل.
ظننت الأمر عاديًا، حجزت لها موعدًا عند طبيب الأسنان الذي يعرفها منذ كانت صغيرة، وقلت لنفسي إن الزيارة لن تستغرق أكثر من نصف ساعة.
لكن عندما أخبرت فهد بالموعد، رفع عينيه من هاتفه بسرعة غريبة وقال سأذهب معكما.
استغربت، فهو لم يهتم يومًا بطبيب أسنان ولا بمواعيد عادية، لكنه أصر بابتسامة لم تصل إلى عينيه وقال أنا فقط أريد أن أطمئن عليها.
في صباح السبت جلسنا في غرفة الانتظار، وكانت رائحة النعناع والمطهر تملأ المكان، وليان تمسك كتاب ألغاز بيدين صغيرتين ترتجفان قليلًا.
عندما نادت الممرضة اسمها، نظرت ليان إليّ ثم إلى فهد، وفي عينيها رجاء صامت جعل صدري ينقبض.
قلت سأدخل معها.
فقاطعني فهد فورًا سندخل جميعًا.
في غرفة الكشف، جلس فهد قريبًا من كرسي الطبيب أكثر مما ينبغي، يراقب كل سؤال، وكل إجابة، وكل حركة من ليان.
بدأ الطبيب، الدكتور حسام، يسألها بهدوء منذ متى الألم؟ هل يؤلمك مع البارد؟ هل يزيد عند المضغ؟
كانت ليان تجيب بصوت منخفض، ولا ترفع عينيها إلا لتتأكد أن فهد ما زال واقفًا هناك.
لاحظت أن الدكتور حسام صار ينظر إلى فهد بنظرات غريبة، كأنه يتذكر وجهًا رآه من قبل، أو يسمع شيئًا لا يقوله أحد بصوت عالٍ.
طلب الطبيب من فهد أن ينتظر خارج الغرفة بحجة أن التصوير يحتاج مساحة، لكن فهد رفض وقال بحدة خفيفة أنا ولي أمرها وسأبقى.
عندها رأيت يد ليان تنقبض على ذراع الكرسي، ورأيت عين الطبيب تلتقط الحركة فورًا.
أكمل الفحص، ثم توقف عند أثر صغير داخل خدها، لم يكن مجرد التهاب، ولم يكن تسوسًا عاديًا كما توقعت.
قال الطبيب بلطف ليان، هل حدث شيء جعلك تضغطين على أسنانك بقوة؟
لم ترد، فقط نظرت إلى فهد، فابتسم فهد وقال الأطفال يبالغون يا دكتور، هي حساسة شوية.
أنهى الطبيب الكشف بسرعة وكتب علاجًا بسيطًا، ثم قال إننا نحتاج متابعة بعد أسبوع، لكن صوته كان مختلفًا، وعينيه كانت تطلب مني أن أفهم شيئًا.
عندما كنا نغادر، اصطدم الطبيب بي عند الباب وكأنه تعثر، واعتذر بصوت عادي، لكنني شعرت بورقة صغيرة تنزلق داخل جيب معطفي.
في السيارة كان فهد صامتًا، ثم سأل ليان فجأة قلتِ للدكتور كل حاجة؟
هزت رأسها بسرعة دون أن تنظر إليه، وأنا شعرت أن السؤال وحده كان تهديدًا مغلفًا بابتسامة.
عندما وصلنا البيت دخل فهد الحمام، فأخرجت الورقة من جيبي بيد مرتجفة.
كان مكتوبًا فيها لا تتركي ابنتك وحدها معه، ما رأيته ليس ألم سن عاديًا، وتعالي إلى العيادة وحدك أو إلى أقرب مركز شرطة.
قرأت السطر الأخير وكأن قلبي توقف زوجك ليس غريبًا عليّ، رأيته منذ سنوات باسم آخر في ملف طفلة كانت تخاف بالطريقة نفسها.
لم أصرخ، ولم أواجهه، فقط دخلت غرفة ليان وجلست أمامها وقلت حبيبتي، هل هناك شيء تخافين أن تخبريني به؟
انفجرت بالبكاء، وقالت بصوت متقطع هو قال لي لو تكلمتِ، ماما لن تصدقك، وسيأخذ أوراق بابا القديمة.
في تلك اللحظة سقطت كل التبريرات التي كنت أحتمي بها، وفهمت أنني كنت أعيش بجوار خطر وأنا أسميه صبرًا.
أخذت ليان بحجة شراء الدواء، وذهبت مباشرة إلى الشرطة، وهناك اتصلوا بالدكتور حسام، فجاء ومعه تقرير وصورة من ملف قديم.
قال الطبيب للضابط إن فهد كان يستخدم اسمًا آخر قبل سنوات، وإن هناك بلاغًا قديمًا لم يكتمل لأن العائلة اختفت فجأة.
ثم فتح الطبيب الملف، وكانت الصدمة أن صورة الرجل الموجود فيه ليست لفهد وحده، بل معه امرأة تقف خلفه امرأة تشبه المربية التي كانت فهد يصر أن تبقى مع ليان عندما أذهب للعمل.
وقبل أن يطلب الضابط تحريك دورية إلى البيت، وصلني تسجيل صوتي من رقم فهد يقول فيه لا تعودي، الأوراق التي تركها زوجك الأول ليست عندك فقط وابنتك تعرف أين خبأها.
في اللحظة اللي وصل فيها التسجيل، كل شيء في قسم الشرطة اتجمد.
الضابط رفع عينه من الهاتف وبص ليّ وقال بهدوء حذر
إنتِ متأكدة إن الصوت ده له؟
هزيت راسي وأنا مش قادرة أتنفس
ده صوت فهد مفيش شك.
الدكتور حسام كان واقف جنب الباب، وجهه متغير لأول مرة، وقال بسرعة
مفيش وقت. لازم نتحرك فورًا قبل ما يوصل لها.
الضابط قام فورًا، وبدأ يدي أوامر عبر اللاسلكي، وأنا واقفة مش عارفة أركز كل اللي في دماغي جملة ليان
هيأخذ أوراق بابا القديمة.
أي أوراق؟ وليه فجأة بقت مهمة لدرجة إنه يهدد طفل؟
فجأة رن تليفوني تاني.
رقم مجهول.
بص الضابط وقال ما ترديش.
لكن إيدي سبقتني.
ضغطت على الرد.
وصوت فهد جالي هادي جدًا أخطر من أي صراخ
رجعتي الشرطة؟ كنت متوقع.
بلعت ريقي، ومقدرتش أتكلم.
كمل
إنتِ فاكرة إن الدكتور حسام قالك الحقيقة كلها؟
بصيت للدكتور حسام بسرعة لقيته شد قبضته.
فهد ضحك ضحكة قصيرة وقال
اسأليه عن الاسم اللي كان مكتوب في ملف الطفلة اللي اختفت قبل ما يقرر يبقى دكتور شريف.
الخط قطع.
والصمت اللي بعده كان تقيل بشكل مرعب.
الضابط بص للدكتور حسام بحدة
اتكلم.
الدكتور حسام أخد نفس طويل، وقال بصوت منخفض
فهد مش أول مرة يغيّر اسمه لكن المرة دي مش زي قبل.
قبل ما يكمل الباب اتفتح فجأة.
شرطي دخل وهو لاهث
يا فندم العربية اللي اتبعتت على بيت المبلغة لقت البيت فاضي.
قلبي وقع.
يعني إيه فاضي؟ فين ليان؟!
الشرطي رد
في رسالة مكتوبة على باب الغرفة باسمك.
الضابط بصلي
إنتي لازم تيجي دلوقتي.
ركضنا كلنا، وأنا جسمي كله بيترعش.
وصلنا البيت في أقل من عشر دقايق.
البيت هادي بشكل مخيف باب مفتوح وكأن حد خرج مستعجل.
دخلنا غرفة ليان.
كانت اللعبة بتاعتها على الأرض والكرسي مقلوب.
وفوق السرير ورقة صغيرة مكتوبة بخط طفولي.
فتحتها بإيدي المرتعشة.
كانت الجملة واحدة فقط
ماما أنا روحت عشان أرجع حاجة بابا الحقيقي قال عليها.
وفجأة
الضابط قال بصوت منخفض جدًا
في كاميرات مراقبة لسه شغالة في الشارع الخلفي
بصينا كلنا للشاشة.
والصورة اللي ظهرت خلت الدم يتجمد في عروقي
ليان ماشية جنب فهد بإرادتها.
لكن اللي صدمنا أكثر
إن في رجل تالت ماشي وراهم من بعيد.
راجل لابس نفس معطف الدكتور حسام.
لكن الدكتور حسام كان واقف جنبنا دلوقتي
يبص للشاشة وهو بيهمس
ده مش أنا
وفجأة الشاشة سودت.
وصوت جهاز الشرطة قال
تم فقد الإشارة من الكاميرا الأخيرة في المنطقة.
وفي نفس اللحظة
وصلت رسالة جديدة على تليفوني.
من رقم ليان.
لكن المحتوى كان سطر واحد فقط
ماما ما تثقيش في حد فيهم وقفت الرسالة على الشاشة وكأنها بتتحداني أصدقها أو أكذبها.
ما تثقيش في حد فيهم.
رفعت عيني ببطء، لقيت الضابط بيبصلي وبعدين بص للدكتور حسام وبعدين ليا تاني.
كأن الشك بدأ يتسرب للجميع.
الدكتور حسام اتكلم بسرعة
الرسالة دي ممكن تكون اتبعتت من أي جهاز حتى من رقمها نفسه.
لكن صوته كان فيه توتر واضح لأول مرة.
الضابط قال بحسم
نقسم الفريق. الدكتور ييجي معايا للمستشفى نراجع الملف القديم. وإنتِ تيجي معانا غرفة التحليل نشوف مصدر الرسالة.
لكن قبل ما نتحرك
الموبايل رن تاني.
نفس الرقم المجهول.
المرة دي الضابط أخد مني التليفون، وفعّل مكبر الصوت.
وصوت فهد رجع لكن كان مختلف. أهدى. أبطأ. كأنه قريب جدًا
إنتوا وصلتوا متأخر.
الضابط رد بحدة
إنت فين؟
ضحكة خفيفة
أنا في المكان اللي بدأت منه الحكاية.
سكت لحظة، وبعدين قال جملة خلت قلبي يقف
اسألوا الدكتور حسام عن الحريق اللي حصل قبل 6 سنين واسألوه مين اللي خرج منه حي ومين اللي اتسجل ميت.
الدكتور حسام فجأة رجله اتهزت.
الضابط لاحظ
إيه الكلام ده؟
حسّيت إن كل العيون عليه دلوقتي.
حسّام بلع ريقه وقال بصوت مكسور
دي حادثة قديمة في مركز طبي خاص كان فيه بلاغ عن طفل واتقفل الملف.
سكت.
وبعدين قال
أنا ماكنتش المسؤول المباشر بس كنت شاهد.
فجأة، صوت جاي من اللاسلكي
يا فندم لقينا عربية مهجورة على الطريق الساحلي وفيها شنطة أطفال.
قلبي وقع تاني.
ركضنا كلنا من غير ما نتكلم.
لما وصلنا، كانت العربية مفتوحة مفتاحها لسه فيها والشنطة الصغيرة على الكرسي الخلفي.
فتحتها بإيدي المرتعشة.
كانت شنطة ليان.
وفيها كتاب الألغاز بتاعها.
لكن الغريب إن جواه ورقة جديدة متحطوطة بعناية.
فتحتها.
كانت خريطة.
مرسومة بإيد طفلة.
وبخط واضح مكتوب في آخرها
لو وصلتِ هنا يبقى بابا الحقيقي كان عنده حق.
الضابط بصلي
بابا الحقيقي؟
قبل ما أرد
سمعنا صوت بعيد جدًا جاي من الجهة التانية للطريق.
صوت بنت بتعيط.
ليان.
بس كانت جاية من مكان مش منطقي من ناحية المخزن المهجور اللي قدامنا.
ركضنا كلنا.
الباب الحديدي كان موارب.
والصوت جوه أعلى
فتحناه فجأة.
والصدمة
ليان كانت قاعدة على الأرض بس مش لوحدها.
جنبها ست.
نفس الست اللي كانت في صورة ملف الحادث القديم.
بصتلي وابتسمت
اتأخرتي يا نادين بنتك قررت تعرف الحقيقة لوحدها.
ليان رفعت عينيها وقالت بصوت صغير لكنه ثابت
ماما أنا فاكرة كل حاجة.
وساعتها
سمعنا صوت خطوات ورا ضهرنا.
هادية ثابتة
ولما لفّينا
لقينا فهد واقف عند الباب.
لكن المرة دي مكنش بيبتسم.
وكان في إيده ظرف قديم.
وقال بصوت منخفض جدًا
دلوقتي نبدأ من الأول بقى من الورق اللي مخبيتيه عن نفسك سنين الهواء في المخزن اتجمد في ثانية.
فهد ما اتحركش خطوة، بس وجوده لوحده كان كفاية يخلي المكان أضيق كأن الجدران نفسها قربت علينا.
ليان بصّتله، وبعدين بصّتلي وقالت بصوت مكسور
هو مش وحش هو قال لي الحقيقة.
الضابط رفع سلاحه بحذر
اقف مكانك!
لكن فهد رفع إيده بهدوء، كأنه مستني اللحظة دي من زمان
أنا مش جاي أهرب أنا جاي أكمل اللي بدأته.
وببطء رمى الظرف على الأرض.
الظرف اتفتح لوحده تقريبًا من شدّة السكون.
ورق أصفر قديم عليه ختم رسمي من جهة أمنية في الكويت.
الدكتور حسام اتقدم خطوة وهو بيبص للورق
ده مستحيل
الضابط بصله
إيه ده؟
حسام بلع ريقه وقال
ده ملف قضية طفل اتسجلت ميت بس الحقيقة إنه اتنقل باسم جديد.
سكت لحظة، وبص لفهد
إنت مش فهد الحقيقي صح؟
الصمت كان ردّه.
لكن فجأة
ليان وقفت، وصرخت
كفاية! أنا عارفة كل حاجة!
الجميع بص لها.
هي مسكت الخريطة بإيدها وقالت وهي بتعيط
هو قال لي إن بابا الحقيقي ما ماتش وإنه اتبدل وإن في حد سرق اسمه.
قلبي وقع.
فهد أخد نفس طويل وقال لأول مرة بصوت مهزوز
أنا ما سرقتش حاجة أنا كنت بحاول أرجعها.
قبل ما نفهم الجملة
صوت انفجار بعيد هزّ المكان.
الضوء في المخزن وِطّى فجأة.
والباب الحديدي

تم نسخ الرابط