جوزي كان متجوز عليا بقلم زهرة الربيع
اللي كنت دافنها عشانك.”
خطوة منه لقدّام:
“والأولاد؟”
نظرت للمهدات:
“دول أولادك… بس مش زي ما كنت فاكر إنك تقدر تمتلكهم.”
الجو اتجمد.
فجأة… شاشة على الحيطة اشتغلت.
تسجيل صوتي.
صوت شريف نفسه:
“سيبي شغلك يا فريدة… أنا هكفيكي.”
تسجيل تاني:
“مش عايز مراتي تشتغل في المحاكم.”
تسجيل ثالث… أخطر:
“أنا اتجوزت… بس ده مش هيأثر على حياتنا.”
وشريف واقف مش قادر يفتح بقه.
فريدة أخدت خطوة ناحيته:
“إنت ماخدتش بالِك إني كنت باختفي وإنت فاكرني قاعدة؟”
“كنت كل يوم ببني حياة تانية… في صمتك.”
سكتت ثانية، وبصت في عينه بحدة لأول مرة:
“بس اللي إنت لسه ماعرفتوش… إن القضية اللي أنا اشتغلت عليها بعد ما مشيت من عندك… كانت عنك.”
شريف حس ببرودة في جسمه:
“قضية إيه؟”
فريدة فتحت ملف، ورمته قدامه على الترابيزة.
“غسيل أموال… تهريب صفقات… وواجهات شركات مش نظيفة.”
عينه اتسعت:
“ده كذب!”
ابتسمت:
“أنا محامية يا شريف… ومش أي حد يقدر يكذب عليا مرتين.”
لحظة صمت طويلة.
وبعدين قالت الجملة اللي كسرت كل حاجة:
“النهارده… الجلسة الأخيرة اتحددت.”
اقتربت منه خطوة:
“والاختيار دلوقتي بقى عندك…”
“تواجه الحقيقة… ولا تختفي زي ما أنا اختفيت زمان.”شريف كان واقف في نص الغرفة، عينه ما بين الملفات وشاشة التسجيل اللي لسه شغالة، كأن كل حاجة حواليه بتتقفل عليه واحدة واحدة.
“إنتِ بتلعبي لعبة إيه يا فريدة؟” صوته خرج مكسور لأول مرة.
فريدة مرفعتش صوتها… بالعكس، هدوءها كان أقسى من أي صراخ:
“مش لعبة. ده الواقع اللي إنت بنيته وإنت فاكر إن مفيش حد شايف.”
خطت خطوة ناحية الملف، وفتحته قدامه بإيد ثابتة:
“ده تسجيل تحويلات باسم شركات وسيطة… وده تتبع حسابات… وده شهادة موظف سابق في شركتك.”
شريف هز راسه بعصبية:
“كل ده ملفق. إنتِ عايزة تدمريني؟”
نظرت له نظرة طويلة، وفيها حاجة شبه الشفقة:
“أنا كنت ممكن أعمل كده من سنين… بس ساعتها كنت لسه مراتك.”
سكتت ثانية.
“أنا دلوقتي بس بقيت نفسي.”
في اللحظة دي، باب الغرفة اتفتح فجأة.
رجال ببدل رسمية دخلوا بهدوء، من غير استعجال، واحد منهم قال:
“شريف السيوفي؟ مطلوب حضورك للتحقيق في ملف مالي مفتوح.”
شريف بص ناحيتها بسرعة:
“إنتِ عملتي كده؟”
فريدة ما ردتش فورًا… بس عينيها كانت هي الإجابة.
“أنا حاولت أنقذك؟” قالها بصوت عالي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة:
“لأ… إنت كنت محتاج حد يوقفك.”
الرجال قربوا منه، واحد فيهم قال:
“من فضلك تتفضل معانا.”
شريف رجع خطوة لورا، وبص ناحية المهدات:
“وأولادي؟”
فريدة قربت منه للمرة الأخيرة، وصوتها بقى أهدى من أي وقت:
“أولادك هيتربوا في بيت ما فيهوش كذب.”
سكتت لحظة، وبصت في عينه:
“وهما كمان مش هيشوفوا نفس النهاية اللي أنا شوفتها.”
شريف وقف مكانه، كأنه لأول مرة بيفهم إنه مش خسر بس مراته…
هو خسر الصورة اللي كان متخيلها عن نفسه.
وإيده اتسحبت وهو بيتاخد ناحية الباب… من غير مقاومة.
في آخر لحظة، لفّ ناحيتها:
“فريدة… إنتِ كرهتيني؟”
سكتت.
وبعدين قالت بهدوء شديد:
“أنا بس… بطلت أصدقك.”
والباب اتقفل.
وفريدة فضلت واقفة في نفس المكان…
قدام تلات مهدات…
وبداية حياة ماحدش يقدر يمليها عنها تاني.فريدة ما اتحركتش.
العتمة كانت كاملة لدرجة إن حتى أنفاسها بقت مسموعة.
الخطوة اللي اتسمعت جوّه الغرفة ما تكررتش… كأن اللي دخل وقف وبيستنى رد فعلها.
بصوت هادي جدًا قالت:
“مين هنا؟”
مفيش رد.
بس فجأة… نور صغير من موبايلها اشتغل تلقائي، كأنه اتفتح من غير ما تلمسه.
والضوء وقع على أول مهد.
فاضي.
بصت بسرعة على التاني… فاضي.
التالت…
فاضي.
الهواء اتسحب من صدرها.
“ده مش حقيقي…” همست.
لفّت بسرعة، إيديها بتدور على أي حاجة تمسكها، أي باب، أي مفتاح نور… لكن الباب نفسه كان مقفول من بره.
وفي اللحظة دي… سمعت صوت بكاء طفل.
قريب جدًا.
مش من المهدات.
من ناحية الشباك.
خطت بخطوات بطيئة، وكل خطوة كانت تقيلة كأن الأرض بتهرب منها.
بصت من الشباك.
مفيش عربية.
مفيش شريف.
الشارع كان فاضي تمامًا.
لكن صوت البكاء كان أعلى.
جاي من وراها.
التفتت بسرعة.
والمشهد اللي شافته جمّد الدم في عروقها:
باب الغرفة مفتوح نص فتحة…
وضوء خافت داخل منه…
وظل شخص واقف ماسك حاجة صغيرة بين إيده.
صوت رجالي هادي قال:
“كنتي فاكرة إنك إنتِ اللي بتحركي اللعبة؟”
فريدة رجعت خطوة لورا:
“إنت مين؟”
الظل دخل خطوة للضوء…
وكان…
مش شريف.
لكن واحد من المحققين اللي خرجوا بيه.
بس وشه كان مختلف… هادي زيادة عن الطبيعي، كأنه شايف حاجة هي مش شايفاها.
قال:
“شريف ماكنش اللاعب الوحيد يا فريدة.”
سكت لحظة.
“في حد فوقه… وده اللي إنتِ دخلتي قصته من غير ما تاخدي بالك.”
فريدة حست لأول مرة إن القضية مش انتهت…
هي بدأت شكل جديد منها.
وفجأة…
الموبايل رن تالت مرة.
رسالة واحدة بس:
“لو عايزة أولادك… اخرجي من المستشفى دلوقتي من الباب الخلفي…
وما تبصي وراكيش.”
وفريدة وقفت مكانها.
وبصت للباب…
وبصت للظل…
وبصت للعتمة اللي وراها…
والمرة دي السؤال ماكنش: “أعمل إيه؟”
السؤال كان:
“أصدق مين الأول؟”بعد ما صوت خطواتهم اختفى في الممر، ساد صمت تقيل في الغرفة، كأنه بيحاول يمسح أثر اللي حصل من شوية.
فريدة وقفت مكانها دقيقة كاملة من غير ما تتحرك.
مش فرحة… ومش منتصرة.
بس هادية بشكل غريب.
بصت لتلات المهدات، ومدّت إيدها تلمس غطا صغير في واحد منهم، كأنها بتتأكد إنهم حقيقيين، وإن كل اللي جرى لحد اللحظة دي مش حلم تقيل.
في نفس اللحظة، موبايلها رن.
اسم “المحامي ياسين” ظهر على الشاشة.
ردّت بهدوء:
“اتقبض عليه؟”
صوت الراجل كان جاي من الطرف التاني بسرعة:
“أيوه. بس في حاجة لازم تعرفيها… هو بدأ يتكلم.”
فريدة عينيها ما اتحركتش:
“عن إيه؟”
“بيحاول يثبت إنك كنتِ شريكة في جزء من الإدارة المالية… وإنك كنتِ على علم بكل حاجة.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت بهدوء مخيف:
“طبعًا هيقول كده.”
قفلت المكالمة.
مشيت ناحية الشباك القديم في الغرفة، وفتحته.
هواء بارد دخل، كأنه بيغسل المكان من روايح السنين اللي فاتت.
لكن أول ما بصت لتحت من الشباك… اتجمدت.
عربية سودا واقفة قدام المستشفى.
وحد واقف جنبها.
مش شرط تشوف ملامحه عشان تعرفه.
ده كان شريف.
مفروض إنه اتاخد للتحقيق.
لكن اللي واقف تحت كان بيرفع عينه ليها بالظبط… كأنه عارف إنها هتبص.
ورفع إيده.
مش تهديد.
ولا استنجاد.
إشارة واحدة بس.
“لسه اللعبة ما خلصتش.”
فريدة رجعت خطوة لورا.
في اللحظة دي، الموبايل رن تاني.
نفس الرقم المجهول.
بس المرة دي الرسالة كانت مكتوبة:
“لو افتكرتي إنك خرجتي من دايرة شريف… إنتِ لسه جوّاها.
والأولاد… مش زي ما إنتِ فاكرة.”
إيدها اتجمدت على الموبايل.
وبصت لتلات المهدات بسرعة.
لكن قبل ما تتحرك… نور الغرفة فصل فجأة.
والمستشفى كلها دخلت في عتمة كاملة.
وفي العتمة… سُمعت خطوة واحدة بس جوّا الغرفة.
مش من برّه.
من الداخل.فريدة بصّت وراها.
الغرفة كانت هادية بشكل مرعب… المهدات في أماكنها، الإضاءة ضعيفة لكن ثابتة، مفيش أي حركة.
بس إحساسها كان بيقول حاجة تانية تمامًا.
كأن في حد واقف معاها، حتى لو مفيش حد ظاهر.
صوت النفس اللي سمعته من شوية… رجع تاني، خفيف جدًا، قريب من ودنها.
“فريدة…”
اتجمدت.
الصوت ده… كانت عارفةه.
مش من المحقق.
مش من الرسائل.
ده صوت شريف.
لفّت بسرعة.
مفيش حد.
لكن على الأرض، قدام المهد الأول، كان في حاجة جديدة.
موبايل صغير مش بتاعها.
شاشته منورة.
وعليه تسجيل صوتي شغال.
ضغطت زر التشغيل من غير ما تفكر.
وصوت شريف بدأ يطلع:
“لو إنتِ سامعاني دلوقتي… يبقى إنتِ دخلتي في اللعبة اللي مش هتعرفي تخرجي منها بسهولة.”
فريدة همست:
“إنت فين؟”
الصوت كمل:
“أنا مش مهم دلوقتي… المهم إنك تعرفي إن اللي حصل من يوم ولادتك… مش صدفة.”
سكت لحظة.
“المستشفى دي… مش مكان علاج. دي مكان اختبار.”
فريدة رجعت خطوة لورا:
“اختبار إيه؟!”
لكن التسجيل كمل كأن مفيش سؤال:
“أولادك التلاتة… مش بس أولادك. دول السبب إنك لسه عايشة لحد دلوقتي.”
الدم في عروقها تجمد.
بصت للمهدات تاني… المرة دي مش بعدم تصديق، لكن بخوف حقيقي.
وفجأة… نور الغرفة بدأ يومض.
والباب الخلفي اللي كان مفتوح…
اتقفل لوحده بقوة.
“تتك…”
الصوت ده كان واضح.
قفل حديد بيتقفل من بره.
فريدة جريت ناحيته، خبطت عليه:
“افتحوا! افتحوا الباب!”
لكن مفيش رد.
وراءها… التسجيل كمل بصوت شريف:
“آخر فرصة ليكي… تختاري الحقيقة ولا تعيشي في النسخة اللي هما رسموها ليكي.”
وفجأة… الموبايل اللي على الأرض عرض صورة جديدة.
مش أوراق.
مش ملفات.
دي كانت صورة لها وهي بتولد.
لكن في الصورة…
مكانش في تلات أطفال.
كان في أربعة.
فريدة اتجمدت.
وبصت للمهدات بسرعة مرعوبة…
المرة دي السؤال ما بقاش “فين أولادي؟”
السؤال كان أخطر:
“أنا كنت فاكرة كام طفل بالظبط؟”فريدة وقفت مكانها ثواني، كأنها بتحاول تفصل الصوت الحقيقي من الضوضاء اللي في دماغها.
البكاء رجع يعلو… مرة من ناحية الشباك، ومرة كأنه جوّه صدرها هي.
الظل عند الباب ما اتحركش، بس قال بصوت أهدى:
“مافيش وقت تفكري كتير… لو فضلتي هنا، مش هتشوفي أولادك تاني.”
فريدة رفعت إيدها ببطء ناحية الطاولة، لقت ملف صغير كانت حاطاه قبل ما تخرج.
فتحتُه بسرعة.
صور.
مش صور أوراق.
صور كاميرات.
هي… وهي خارجة من المستشفى من أسبوع.
هي… وهي بتركب عربية إسعاف خاصة.
وهي… وهي ماشية في ممرات مش ممرات المستشفى القديم.
عينيها اتسعت.
“ده مونتاج…” همست.
لكن عقلها بدأ يهتز.
الصوت اللي من وراها قال بهدوء:
“إنتِ بقالك أسبوعين مش فاكرة كل حاجة حصلت.”
سكت لحظة.
“واللي إنتِ فاكرة إنه شريف… ممكن يكون مجرد جزء من اللي بيحصل.”
فريدة مسكت راسها بإيدها:
“إنتوا بتلعبوا في دماغي…”
وفجأة… نور طفيف رجع في الغرفة.
المشهد اتغير.
المهدات رجعت مكانها.
الباب مقفول.
مفيش حد واقف.
الصوت اختفى.
الصمت بقى تقيل أكتر من الأول.
فريدة بصت حواليها بسرعة.
“أنا كنت لوحدي…”
لكن موبايلها رن تاني.
نفس الرسالة:
“اخرجي من الباب الخلفي.”
بصت ناحية الباب اللي في آخر الممر اللي ماكانتش واخدة بالها منه قبل كده.
كان موجود.
فعلاً موجود.
باب حديد صغير، شبه أبواب الطوارئ القديمة.
خطت خطوة ناحيته.
ببطء.
خطوة تانية.
وفجأة… سمعت صوت واضح جدًا خلفها:
صوت طفل بيقول “ماما…”
تجمدت.
رجعت بصت للمهدات بسرعة.
واحد منهم كان فيه بطانية متحركة… كأن حد لسه اتحرك جواه.
قلبها دق بعنف.
“مين فيكم بيلعب بعقلي؟” قالت بصوت عالي.
مفيش رد.
لكن الباب الخلفي بدأ يتفتح لوحده… ببطء شديد.
والهواء اللي دخل منه كان بارد بشكل غريب، كأنه جاي من مكان أبعد من المستشفى نفسها.
وفريدة…
خطت خطوة ناحية الباب.
لكن قبل ما تعدي العتبة…
وقفت فجأة.
وبصت وراها للمرة الأخيرة.الدكتور ما ردّش فورًا.
فتح الملف بهدوء، كأنه بيختار كلماته بعناية، وبعدين قال:
“إنتِ دخلتي المستشفى دي بإرادتك قبل الولادة بشهرين.”
فريدة هزّت راسها بعصبية:
“ده كذب… أنا كنت في بيتي… مع جوزي… في الفيلا…”
المحقق قاطعها بهدوء:
“الفيلا اللي بتتكلمي عنها مفيهاش أي تسجيلات وجود ليكي آخر ستة أسابيع قبل الولادة.”
سكت لحظة.
“بس في تسجيلات إنك كنتِ بتيجي هنا لوحدك.”
فريدة ضحكت