جوزي كان متجوز عليا بقلم زهرة الربيع
ضحكة قصيرة متوترة:
“لوحدي؟ أنا حامل في تلاتة… أخرج لوحدي أعمل إيه في مستشفى مهجورة؟!”
الدكتور قرب منها خطوة، وصوته بقى أهدى:
“عشان كنتِ بتعاني من ضغط نفسي شديد بعد اكتشاف خيانة زوجك… ومع الحمل المتعب… بدأت تظهر عليكِ أعراض فقدان إدراك مؤقت.”
فريدة بصّت له بحدة:
“إنتوا بتخترعوا قصة عشان تخرجوني مجنونة؟”
المحقق فتح شاشة تابلت وورّاها فيديو.
فريدة في الفيديو… داخل المستشفى بنفسها.
لكن اللي صدمها مش دخولها.
اللي صدمها إنها كانت بتكلم نفسها.
وبتقول جملة واضحة:
“أنا مش هخليه ياخد مني أي حاجة تاني… حتى لو اضطررت أغيّر كل اللي فاكراه.”
إيدها بدأت ترتجف.
“ده مونتاج…” همست.
الدكتور قال بهدوء:
“مش مونتاج. ده تسجيل أمني.”
سكت لحظة، وبعدين كمل:
“بعد الولادة، حالتك ساءت أكتر… وبدأتي تخلطي بين الواقع والخيال اللي صنعه عقلك عشان يتحمل الصدمة.”
فريدة بصّت حواليها… الممر رجع عادي، المهدات موجودة، الإضاءة ثابتة.
بس إحساسها بالواقع نفسه كان بيتفكك.
“وأولادي؟” صوتها خرج ضعيف لأول مرة. “التلاتة… ولا الأربعة… فين؟”
الدكتور ما تهرّبش:
“موجودين. لكن مش هنا.”
“يعني إيه مش هنا؟”
المحقق قال:
“بعد الولادة، تم نقلهم لحضانة أمنية لحمايتهم… لأن في تحقيق مفتوح حوالين والدهم.”
فريدة اتجمدت:
“يعني شريف… حقيقي؟”
الدكتور هز راسه:
“حقيقي جدًا. وخطر جدًا.”
سكت لحظة.
“بس اللي أخطر… هو حالتك إنتِ.”
فريدة بصّت لهم بصمت طويل.
وبعدين همست:
“يعني أنا كنت عايشة وهم؟”
الدكتور رد بهدوء:
“إنتِ كنتِ عايشة حقيقة… بس عقلك كان بيعيد ترتيبها بشكل مختلف عشان يقدر يكمل.”
وفجأة…
الممر اللي وراهم بدأ يضيق بصريًا، كأن الجدران بتقرب.
والمحقق قال بسرعة:
“لازم نخرجها من هنا حالًا… الحالة بدأت ترجع لها الهلاوس تاني.”
فريدة بصّت للباب.
وبصّت للممر.
وبصّت لإيدها اللي لسه بترتعش.
وسألت سؤال واحد أخير، بصوت منخفض جدًا:
“لو أنا مش مجنونة… ليه كل حاجة حقيقية حاسة إنها بتنهار؟”
والمشهد كله… دخل في صمت تام.فريدة رجعت لورا بخطوة غصب عنها، كأن الأرض تحتها بقت مش ثابتة.
“أربعة…” همست وهي بتبص للصورة تاني. “مستحيل… أنا كنت شايفة تلاتة… أنا متأكدة…”
بس صوتها نفسه كان بيتكسر.
المهدات قدامها كانوا ساكتين، لكن الفراغ اللي جواهم بقى مخيف أكتر من أي بكاء.
وفجأة…
نور الغرفة اشتغل كامل.
مرة واحدة.
من غير وميض.
ومن غير مقدمات.
والمشهد كله اتغير كأن الستارة اتشالت.
المستشفى القديمة اختفت للحظة… أو يمكن عقلها هو اللي شاف حاجة مختلفة.
الممرات بقت أطول.
والباب الخلفي اللي كان مقفول… بقى مفتوح على شارع مش معروف.
شارع فاضي تمامًا.
لا عربيات.
لا ناس.
بس في طفل صغير واقف في آخره.
لوحده.
فريدة شهقت:
“ابني…”
وخطت خطوة تلقائيًا ناحية الباب.
لكن صوت شريف رجع في ودنها فجأة، قريب جدًا كأنه واقف وراها:
“لو خرجتي… مش هترجعي تاني.”
وقفت.
بصت حواليها بسرعة.
“إنت فين؟!” صرخت.
مفيش رد.
لكن الطفل في الشارع رفع إيده ليها.
وبكى بصوت أعلى.
“ماما…”
فريدة حطت إيدها على قلبها، دماغها بتنهار بين صورة وصوت وحقيقة مش متماسكة.
“ده ابني… أنا عارفة ده ابني…”
لكن صوت تاني، صوتها هي من جواها، قال بهدوء مخيف:
“وإنتِ متأكدة إنك فاكرة كل حاجة حصلت فعلًا؟”
سكتت.
وفجأة لقت نفسها بتفتكر مشهد مش واضح…
نور أبيض.
أجهزة.
أصوات دكاترة.
وجملة واحدة اتقالت قدامها من زمان…
“حالتها هتحتاج إعادة تقييم بعد الولادة… الذاكرة مش مستقرة.”
فريدة مسكت راسها:
“لأ… لأ ده كذب…”
لكن الطفل في الشارع بدأ يمشي ناحيتها.
خطوة… خطوة…
وكل خطوة كانت بتقربه منها، كانت بتبعد الحقيقة أكتر.
وفجأة…
إيد اتشدت من وراها بقوة وسحبتها بعيد عن الباب.
فريدة صرخت وهي بتلف:
“سيبوني!”
لكن اللي ماسكها كان مش شخص واحد…
كان المحقق… ومعاه دكتور لابس بالطو أبيض.
الدكتور قال بهدوء:
“كفاية يا فريدة… كفاية دماغك تكمل اللعبة دي لوحدها.”
فريدة بصت له بصدمة:
“إنتو مين؟!”
المحقق رد بهدوء:
“إحنا الفريق اللي بيحاول يفكك اللي حصل ليكي من يوم ما دخلتي هنا.”
سكت لحظة.
“مش من يوم ما اتجوزتي شريف.”
فريدة اتجمدت.
“يعني إيه؟”
الدكتور فتح ملف صغير.
“شريف السيوفي… مش القضية.”
قرب منها خطوة.
“إنتِ القضية.”
وفجأة…
الطفل في الشارع اختفى.
والباب الخلفي اتقفل تاني.
وفريدة بصت حواليها، ووشها بقى أبيض تمامًا.
“أنا… إيه اللي حصل لي؟”فريدة فتحت عينيها تاني بعد ساعات.
المرة دي مفيش أصوات أجهزة عالية… بس في ضوء شمس داخل من الشباك، أهدى بكتير.
العناية كانت أهدى، والدكتور واقف بعيد بيتكلم مع ممرضة بصوت منخفض.
حاولت تتحرك… المرة دي أسهل.
إيدها اتحركت.
صدرها ارتفع ونزل بهدوء.
لكن أول حاجة بصّت لها كانت مش السقف…
كانت إيدها.
مفيش آثار جروح نفس اللي كانت متخيلها في الهلاوس.
مفيش دم.
مفيش فوضى.
بس في إحساس غريب بالفراغ.
الدكتور لاحظ إنها فاقت، قرب فورًا:
“صباح الخير يا فريدة.”
بصت له بصمت.
“فاكرة حاجة؟” سأل بهدوء.
فريدة فكرت.
شريف…
المستشفى المهجورة…
الطفل الرابع…
لكن كل الصور كانت بتيجي كأنها ضباب.
ردت بصوت متردد:
“مش متأكدة… كله ملخبط.”
الدكتور هز راسه:
“ده طبيعي.”
المحقق دخل الغرفة وهو ماسك ملف صغير، وقف عند السرير:
“بس في حاجة لازم تعرفيها.”
فريدة بصّت له ببطء.
“إيه؟”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“شريف السيوفي فعلاً تحت التحقيق… لكن مش في القضايا اللي عقلك رسمها.”
فريدة عدّلت نفسها بصعوبة:
“يعني إيه؟”
المحقق فتح الملف.
“في تحقيق مالي كبير… واسمك موجود فيه كشهادة محتملة، لأنك كنتِ شريكة في بعض التوقيعات الإدارية في فترة سابقة قبل ما تسيبي الشغل.”
سكت.
“مش متهمة… لكن شاهدة أساسية.”
فريدة بصّت لنقطة في الحيطة.
“يعني حياتي… لسه فيها مشاكل حقيقية؟”
الدكتور ابتسم ابتسامة بسيطة:
“أيوه… بس المرة دي إحنا بنفصل الحقيقة عن اللي العقل كان بيخلطه وقت الضغط.”
فريدة أخذت نفس عميق.
“وأولادي؟”
المحقق رد فورًا:
“في الحضانة، وهيبدأوا زيارة ليكي قريب جدًا.”
الصمت رجع للحظة.
لكن المرة دي مش مخيف.
مريح.
فريدة بصّت للضوء اللي داخل من الشباك.
ولأول مرة قالت بصوت واضح:
“أنا كنت فاكرة إني خسرت نفسي.”
الدكتور هز راسه:
“إنتِ بس كنتي تايهة… وبدأتي ترجعي.”
فريدة سكتت لحظة طويلة.
وبعدين همست:
“وشريف؟”
المحقق رد بهدوء:
“هيتحاسب على اللي يثبت ضده في التحقيق… والباقي هيبان في الوقت.”
فريدة أغمضت عينيها.
مش عشان هروب…
لكن كأنها أخيرًا بتسمح لدماغها تهدى.
وفي اللحظة دي، أول مرة من زمن طويل، ماكانش في أصوات غامضة.
ولا رسائل.
ولا باب بيتفتح لوحده.
بس في نفس واحد حقيقي… بيرجع لها ببطء.
وكأنها بتبدأ حياة جديدة من الصفر… من غير ما تمسح اللي فات، لكن من غير ما تعيش جوّاه تاني.الصمت ما استمرّش.
كان في صوت خافت جدًا… زي جهاز قلب بيشتغل.
“تييييت… تييييت…”
فريدة رفعت عينيها بسرعة.
الممر اتغير تاني.
المرة دي كانت نايمة.
فعليًا نايمة على سرير أبيض، وإيدها متوصلة بمحاليل، وجهاز مراقبة جنبها.
الدكتور اللي كان واقف من شوية… بقى واقف قدامها فعلاً، مش في خيال.
والمحقق… واقف في زاوية الغرفة، ماسك ملف تقيل.
فريدة همست وهي بتفتح عينيها نص فتحة:
“أنا… فين؟”
الدكتور رد بهدوء:
“في العناية بعد الولادة يا فريدة. بقالك 48 ساعة في غيبوبة خفيفة.”
حاولت تتحرك، لكن جسمها كان تقيل جدًا.
“الأولاد…” قالت بصوت مكسور. “فين أولادي؟”
المحقق قرب خطوة وقال:
“التلاتة في الحضانة… وكلهم بخير.”
سكت لحظة، وبعدين أضاف:
“مفيش طفل رابع.”
فريدة اتجمدت.
بصت له بعينين مرهقتين:
“كنتوا بتكدبوا عليا؟”
الدكتور هز راسه:
“مش كذب… كان جزء من حالة اضطراب إدراكي حصلت بعد الولادة مباشرة.”
قرب منها أكتر، وصوته بقى أهدى:
“إنتِ شفتي أشياء… وسمعتي أصوات… وركّبتي واقع كامل فوق واقع تاني… ده بيحصل أحيانًا بعد ضغط شديد جدًا مع ولادة متعددة.”
دموعها نزلت من غير ما تحس.
“وشريف؟” سألت بصوت ضعيف.
المحقق بص للدكتور لحظة، وبعدين رد:
“شريف السيوفي… قيد التحقيق. بس مفيش أي دليل على الجزء اللي عقلك صاغه عنك.”
سكت.
“هو كان زوجك… بس مش بالشكل اللي اتعرض ليكي في الهلاوس.”
فريدة بصّت للسقف.
كأن كل حاجة كانت بتتفك.
القصور… الجلسات… الرسائل… الطفل الرابع… المستشفى المهجورة…
كلها بدأت تبهت زي حلم بيتسحب من الذاكرة.
بس فجأة… همست بصوت خافت جدًا:
“بس أنا حسّيت بكل ده…”
الدكتور قال بهدوء:
“الإحساس كان حقيقي… حتى لو الحدث نفسه كان مش حقيقي.”
سكت لحظة.
“المخ ساعات بيحمي نفسه بالطريقة دي.”
فريدة فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
“أنا عايزة أشوف أولادي.”
المحقق ابتسم ابتسامة صغيرة:
“هتشوفيهم قريب… بس الأول لازم ترتاحي.”
الدكتور عدّل المحاليل وقال بهدوء:
“ومش هترجعي لنفس الضغط اللي وصلك هنا تاني.”
فريدة بصّت له.
وبصوت أهدى من أي مرة قالت:
“يعني أنا خلاص… فقت؟”
الدكتور ما استعجلش الرد.
وبعدين قال:
“إنتِ بدأتِ تفوقي… بس لسه الطريق طويل عشان ترجعي لنفسك بالكامل.”
فريدة غمضت عينيها.
وأول مرة من بداية القصة… مفيش باب بيقفل.
ولا صوت بيهمس.
ولا لعبة بتتحرك.
بس في سؤال واحد فضل معلق في عقلها وهي بتغيب في نوم هادي لأول مرة:
“أنا هكون مين… لما أصحى تاني؟”الأيام اللي بعد كده كانت مختلفة.
مش مثالية… لكن واضحة.
فريدة خرجت من المستشفى، ورجعت البيت لأول مرة وهي حاسة إن المكان مش “قفص” زي الأول، لكن مساحة ممكن تتنفس فيها.
الفيلا في التجمع كانت زي ما هي، نفس الهدوء، نفس الفخامة… لكن هي كانت مختلفة.
أول ما دخلت، وقفت عند الباب ثواني.
كأنها بتقيس المسافة بين “اللي كانت عليه” و“اللي رجعتله”.
الخادمة قربت منها بحذر:
“حمد الله على السلامة يا مدام.”
فريدة هزّت راسها بابتسامة خفيفة.
“الأولاد فين؟”
“في جناحهم… المربية معاهم.”
مشت ناحية السلم.
كل خطوة كانت تقيلة، بس مش من التعب… من التفكير.
لما دخلت الجناح، لقتهم نايمين.
التلاتة.
نفس المشهد اللي شافته في المستشفى، بس المرة دي حقيقي ومش قابل للتشكيك.
قعدت على طرف السرير، وفضلت تبص لهم.
ومرة واحدة، دموعها نزلت.
بس مش دموع انهيار.
دموع إدراك.
“أنا كنت هخسرهم جوا دماغي قبل ما أخسرهم في الحقيقة…”
مسحت دموعها بسرعة، كأنها بتمنع نفسها ترجع لنقطة الضعف.
في اللحظة دي، الموبايل رن.
رقم مش معروف.
اترددت ثانية… وبعدين ردّت.
صوت هادي من الطرف التاني:
“رجعتي البيت أخيرًا.”
فريدة اتجمدت.
“مين؟”
الصوت كمل:
“مش مهم دلوقتي أنا مين… المهم إنك بدأتِ تفوقي.”
قفلت الباب بهدوء، وابتعدت عن أوضة الأطفال وهي بتهمس:
“إنتوا عايزين مني إيه بالظبط؟”
صمت لحظة.
وبعدين الرد جه:
“إحنا مش ضدك… إحنا بنحاول نكمل اللي بدأتيه بنفسك قبل ما تقعي.”
فريدة ضحكت ضحكة قصيرة:
“وقعت؟ ولا اتدمرت؟”
الصوت قال بهدوء:
“ولا ده ولا ده… إنتِ اتكشفتي لنفسك.”
سكت.
“شريف لسه في الصورة… والملف لسه مفتوح.”
فريدة شدت نفسها:
“أنا مش راجعة لنفس الدوامة.”
الرد كان أخطر من أي تهديد:
“ومين قالك إن الدوامة سابتك أصلًا؟”
الخط قفل.
فريدة فضلت ماسكة الموبايل.
وبعدين بصّت ناحية أولادها تاني.
لكن المرة دي… السؤال ماكانش عن شريف.
السؤال كان عن الصوت ده.
مين اللي لسه بيحاول يفتح باب القصة من جديد… بعد ما هي بدأت تقفله؟مرّت أيام قليلة، وفريدة بدأت تستعيد إيقاعها الحقيقي تدريجيًا.
الأول كان في الصبح: تقعد دقيقة ساكتة تبص في