التلات بنات بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

التلات بنات التوأم قربوا من راجل بيربي طفل لوحده وقالوله مامتنا عندها نفس الوشم اللي عندك... وساعتها عرف إن 8 سنين من الكدب خلاص هيتكشفوا.
أحمد الشناوي ماكانش بيدور على مشاكل عصر اليوم ده.
كل اللي كان عايزه يقعد عشر دقايق على دكة في حديقة الأزهر، يشرب القهوة اللي جابها من الكشك وكانت بردت، ويبص إذا كان مرتب آخر شغلانة ليه كميكانيكي نزل في حسابه ولا لأ.
من يوم ما أخته ماتت، وهو اللي بيربي ابن أخته آدم، اللي عنده ست سنين. في المدرسة كل الناس كانت فاكرة إنه أبوه، وهو بطل يصحح لهم.
لأنه في الحقيقة... كان أقرب حد للأب في حياة الولد.
عشان كده، لما شاف 3 بنات شبه بعض نسخة طبق الأصل واقفين قدامه، افتكر إنهم تايهين.
كانوا لابسين بالطوهات بيج، وربطات شعر بيضا، وجزم تلمع، وباصين للناس بنظرة اللي متعودين الكل يفسحلهم الطريق.
واحدة منهم أشارت على دراعه وقالت
يا عمو... مامتنا عندها نفس الوشم اللي عندك بالظبط.
أحمد بص على ساعده.
كان مرسوم عليه بوصلة مكسورة. الوشم ده ماكانش مجرد رسمة، كان ذكرى عمره ما عرف ينساها.
كوباية القهوة كادت تقع من إيده.
إنتوا قلتوا إيه؟
البنت اللي في النص قربت خطوة وقالت
ماما عندها نفس البوصلة... بس هي عندها على كتفها الشمال.
أحمد حس إن نفسه اتقطع.
الوشم ده مستحيل يكون صدفة.
من 8 سنين، وهو في الغردقة، اتعرف على بنت اسمها ياسمين.
كانت قاعدة لوحدها على البحر، وضحكت وهي بترسم على منديل شكل البوصلة المكسورة، وقالتله
إحنا الاتنين تايهين... لا عارفين جايين منين ولا رايحين فين.
وقبل الفجر، دخلوا محل وشم صغير، وعملوا نفس الوشم.
وقالتله وهي بتضحك
بوصلة مكسورة... لقلوب تايهة.
وبعدها...
ياسمين اختفت.
من غير رسالة.
من غير تفسير.
من غير حتى كلمة وداع.
فضل يدور عليها شهور، لكن رقمها اتقفل، والعنوان اللي قالتله عليه طلع غلط.
ومن يومها، الوشم بقى وجع مستخبي جواه.
اسم مامتكم إيه؟ سأل وهو بيحاول يبان هادي.
البنات بصوا لبعض.
أصغر واحدة كانت هترد...
لكن في اللحظة دي، وصلت ست لابسة يونيفورم رمادي، شكلها مربية، وكانت بتجري عليهم.
ريم! سارة! ملك! إنتوا بتعملوا إيه هنا؟
البنات اتخضوا.
واحدة منهم قالت
إحنا بس قولناله على الوشم يا نورا.
نورا بصت على دراع أحمد...
وفجأة وشها اتغير.
ماكانش استغراب...
كان خوف.
قالت بسرعة
معلش يا أستاذ... البنات ماكانش قصدهم يضايقوك.
رد أحمد وهو بيقف
هم ما ضايقونيش... أنا بس عايز أعرف مين والدتهم.
نورا بلعت ريقها وقالت
يلا يا بنات... حالًا.
اسم عيلتكم إيه؟ سأل بإصرار.
مسكت إيد البنات جامد وقالت
الأستاذة ياسمين المنياوي مش بتحب أي حد غريب يقرب من بناتها.
أحمد اتجمد مكانه.
المنياوي.
اسم معروف... بيتقال في الأخبار، وفي البرامج، وصاحبه واحدة من أكبر شركات الاستثمار في مصر.
يعني ياسمين ماكنتش بنت عادية...
دي كانت بنت واحدة من أغنى وأشهر العائلات.
في اللحظة دي، السواق فتح باب عربية سوداء فخمة كانت واقفة على الرصيف.
البنات ركبوا، لكن ريم بصت لأحمد، ورفعت كفها على إزاز العربية.
وقبل ما العربية تتحرك...
أحمد لمح حاجة خلت رجليه تضعف.
في إيد البنت كان فيه أسورة دهب صغيرة، منقوش عليها
ر. أ. ش. 7 سنينوووو
بقلم_زيزي_احمد
أحمد فضل واقف مكانه، وعينيه معلقة على العربية وهي بتتحرك ببطء.
الأسورة...
كان متأكد إنه شاف الحروف صح.
ر. أ. ش.
الحروف دي كانت محفورة على سلسلة فضة قديمة كانت تخص والده، وبعد وفاته احتفظ أحمد بيها سنين، ولما ابن أخته آدم تم سنة، فكها وعلّق منها تعليقة صغيرة هدية ليه.
لكن... إزاي نفس الحروف تبقى على أسورة البنت؟
رجع بيجري ناحية العربية، لكن السواق زوّد السرعة واختفت وسط الزحمة.
وقف يلهث وهو بيحاول يستوعب اللي حصل.
في اللحظة دي سمع صوت آدم من وراه.
خالو... إحنا هنروح؟
لف أحمد بسرعة، وحاول يخفي ارتباكه.
ابتسم وقال أيوه يا حبيبي... يلا.
لكن طول الطريق كان ساكت.
أول ما رجع البيت، طلع علبة خشب قديمة من فوق الدولاب.
كانت فيها كل حاجة فاضلة من أيام شبابه.
صور...
تذاكر سفر...
ورقة عليها رسمة البوصلة...
وفي آخر العلبة، لقى ظرف أصفر نسي وجوده.
فتحه.
خرجت منه صورة قديمة ليه مع ياسمين على شاطئ الغردقة.
ولما قلب الصورة...
لقى بخط إيدها
لو الأيام فرقتنا... البوصلة هترجعنا لبعض مهما طال الوقت.
تحت الجملة كان فيه رقم.
مش رقم موبايل...
رقم خزنة في أحد البنوك.
أحمد استغرب.
طول السنين دي عمره ما لاحظ الرقم.
في اليوم التالي، وبعد ما وصل آدم المدرسة، راح للبنك.
الموظف بص للرقم وقال باستغراب
الخزنة دي لسه موجودة... لكنها مشتركة باسم شخصين.
مين؟
الموظف بص في الشاشة، وسكت ثواني.
حضرتك الأستاذ أحمد الشناوي؟
أيوه.
يبقى حضرتك صاحب النص التاني من الخزنة.
أحمد اتجمد.
مستحيل... أنا أول مرة أعرف بوجودها.
الموظف قال بهدوء
الخزنة ماينفعش تتفتح إلا بحضور الطرفين... أو لو معاك خطاب تفويض رسمي.
خرج أحمد وهو دماغه بتلف.
يعني ياسمين كانت مخططة تسيب له حاجة؟
طب ليه اختفت؟
وليه ما رجعتش؟
وقبل ما يركب عربيته، موبايله رن من رقم غريب.
رد بحذر.
جاله صوت ست كبيرة في السن.
أستاذ أحمد؟
أيوه.
معاك مدام فريدة... المديرة التنفيذية لمؤسسة المنياوي.
اتعدل في وقفته.
خير؟
قالت بنبرة هادئة لكنها حازمة
الأستاذة ياسمين عرفت إنك قابلت البنات امبارح.
قلبه دق بعنف.
هي... كويسة؟
سكتت ثواني، ثم قالت
الأستاذة ياسمين عايزة تقابلك... لكن قبل أي مقابلة، لازم تعرف الحقيقة كاملة.
أحمد أخد نفسًا عميقًا.
وأنا مستعد أسمع أي حاجة.
ردت فريدة
الحقيقة مش هتتقال في التليفون... لأنها تخصك، وتخص البنات، وكمان تخص الطفل اللي بيربيه من ست سنين.
اتسعت عينا أحمد.
آدم؟!
أغلقت فريدة المكالمة بعد أن قالت جملة واحدة فقط
بكرة الساعة خمسة... وهتعرف ليه كل السنين دي كانت مليانة أسرار في اليوم التالي، أحمد وصل قبل الموعد بنصف ساعة.
كان المكان عبارة عن فيلا قديمة هادئة على أطراف القاهرة، محاطة بأشجار عالية وأسوار كبيرة، لكن مفيهاش أي مظاهر مبالغة.
كل دقيقة كانت بتمر عليه كأنها ساعة.
وفي تمام الخامسة، فتحت البوابة.
استقبله رجل كبير في السن، وقال باحترام
اتفضل يا أستاذ أحمد... الأستاذة مستنياك.
دخل وهو حاسس إن قلبه بيدق بعنف.
ولما وصل إلى غرفة واسعة تطل على الجنينة، وقف مكانه.
ياسمين كانت واقفة قدام الشباك.
لما لفت وشها ناحيته، سكتوا الاتنين.
ثماني سنين كاملة اختفت في لحظة.
قال أحمد بصوت مبحوح
إنتِ عايشة...
ردت بابتسامة حزينة
أيوه... وعارفة إن ليك حق تسأل عن كل حاجة.
وقبل ما يتكلم، دخلت البنات التلاتة يجروا عليها.
ماما...
حضنتهم واحدة واحدة، ثم بصت لأحمد وقالت
دول ريم، وسارة، وملك.
البنات سلموا عليه في هدوء، وكأنهم فاكرينه من امبارح.
بعدها خرجوا مع المربية نورا، وساد الصمت.
أحمد قال مباشرة
ليه اختفيتي؟
تنهدت ياسمين وقالت
لأن والدي كان رافض تمامًا أي ارتباط خارج العيلة، ولما عرف إني بحبك، نقلني برة مصر فترة طويلة، وسحب مني التليفون، وغير كل وسيلة أقدر أوصلك بيها.
سكتت لحظة ثم أكملت
حاولت أرجع وأدور عليك بعد وفاة والدي، لكن عرفت إنك بقيت مسؤول عن طفل صغير بعد وفاة أختك، فقلت يمكن حياتك اتغيرت، وماحبيتش أدخلها من جديد وأقلبها.
أحمد هز رأسه بحزن.
لو كنتِ بعتي رسالة واحدة... كنت فهمت.
قالت وهي تخفض عينيها
حاولت... لكن الرسائل عمرها ما وصلت.
وقبل أن يكمل الحديث، دخلت مدام فريدة وهي تحمل ملفًا أزرق.
وضعته على الطاولة وقالت
ده الملف اللي لازم تشوفه.
فتح

تم نسخ الرابط