التلات بنات بقلم زيزي احمد
المحتويات
أحمد الملف.
وجد صورًا قديمة، ومستندات، وخطابات لم تُرسل، كلها تحمل اسمه.
وفي آخر الملف، وجد إيصالًا من محل الوشم في الغردقة.
كان مرفقًا معه ظرف صغير مغلق.
قالت ياسمين
افتحه.
فتح الظرف ببطء.
خرجت منه ورقة مطوية.
كانت بخط ياسمين.
لكن تاريخها كان منذ ثماني سنوات.
قرأ أول سطر، فتغيرت ملامحه تمامًا
لو وصلت لك الرسالة دي، اعرف إن في أمانة كبيرة لازم تعرف حقيقتها... والأمانة دي مرتبطة بعيلتك قبل ما تكون مرتبطة بيا.
رفع أحمد رأسه بسرعة وقال
أمانة إيه؟
ياسمين نظرت إليه وقالت بهدوء
قبل ما أجاوبك... لازم حد تاني يدخل يسمع الكلام ده معانا.
ثم التفتت نحو الباب وقالت بصوت واضح
اتفضل يا عم حسن... جه الوقت تقول الحقيقة اللي احتفظت بيها كل السنين دي.
وفُتح الباب ببطء، ودخل رجل مسن يحمل في يده صندوقًا خشبيًا قديمًا، وما إن وقع نظر أحمد على الصندوق حتى شعر أنه رآه من قبل... لكنه لم يتذكر أين ولا متى دخل عم حسن بخطوات بطيئة، ووضع الصندوق الخشبي على الطاولة بحرص شديد.
أحمد فضل يبص له باستغراب.
وفجأة قال
الصندوق ده... كان عند جدي.
ابتسم عم حسن وقال
أيوه... لأن جدك هو اللي سلّمه لوالد الآنسة ياسمين من أكتر من تلاتين سنة، وقال له احتفظ بيه لحد ما ييجي صاحبه الحقيقي.
اتسعت عينا أحمد.
صاحبه الحقيقي؟
فتح عم حسن الصندوق، فظهر بداخله عدد من الأوراق القديمة، وساعة جيب فضية، وميدالية صغيرة على شكل بوصلة.
كانت نفس البوصلة المكسورة المرسومة في الوشم.
قال عم حسن
زمان، والدك ووالد ياسمين كانوا أصحاب عمر. دخلوا مشروع مع بعض، لكن المشروع خسر، وكل واحد راح في طريقه. قبل وفاة والدك بأيام، سلّم الصندوق ده لصاحبه، وقال له لما ابني يكبر، اديله الأمانة بنفسك.
سأل أحمد بدهشة
وليه ما أخدتوش؟
تنهدت ياسمين وقالت
لأن بابا توفى فجأة، وبعدها اكتشفت الورقة اللي كاتب فيها وصيته لعم حسن. لكنه كان طالب إن الصندوق مايتفتحش إلا لما تكون مستعد تعرف الحقيقة.
أخرج عم حسن ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
دي رسالة من والدك.
فتحها أحمد وبدأ يقرأ، وكانت الكلمات بخط والده
يا أحمد... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى ربنا كتب لك تعرف الحقيقة. أنا مدين لوالد ياسمين بجميل كبير، وهو عمره ما طلب المقابل. كل اللي طلبه إن المحبة تفضل بين العيلتين، وماحدش يورث خصومة ولا كراهية.
أحمد أكمل القراءة وعيناه امتلأتا بالدموع.
ولو قابلت ياسمين في يوم، اعرف إنها إنسانة طيبة، وأيًا كانت الظروف، اسمع منها قبل ما تحكم.
أغلق الرسالة وهو يحاول يسيطر على مشاعره.
قال لياسمين بصوت هادئ
يبقى كل اللي حصل... كان بسبب سوء تفاهم وسكوت ناس كتير.
هزت رأسها بأسى.
للأسف... أيوه.
وفي هذه اللحظة، دوّى صوت ضحكات الأطفال من الحديقة.
نظر أحمد من الشباك، فرأى آدم يلعب الكرة مع ريم وسارة وملك، وكأنهم يعرفون بعضهم من زمان.
ابتسم لأول مرة منذ أيام.
لكن ابتسامته اختفت سريعًا عندما لمح سيارة بيضاء تقف خارج الفيلا.
نزل منها رجل في منتصف الخمسينات، وبمجرد أن رآه عم حسن، تغير لون وجهه وقال بقلق
لا... هو عرف يوصل للمكان.
سأل أحمد بسرعة
مين ده؟
رد عم حسن بصوت منخفض
الشخص الوحيد اللي كان بيحاول يمنع الحقيقة دي تظهر للنور... ولسه معاه ورقة ناقصة من الملف، من غيرها محدش هيقدر يثبت كل اللي اتقال.
وفي اللحظة نفسها، دق جرس الباب بقوة، ونظرت ياسمين إلى أحمد وقالت
واضح إن الوقت خلص... والاختبار الحقيقي لسه هيبدأ ساد صمت ثقيل في الفيلا.
رن الجرس مرة تانية، لكن المرة دي كان أطول وأقوى.
اتجه عم حسن ناحية الباب، إلا أن ياسمين أوقفته.
استنى... أنا هفتح.
فتحت الباب بهدوء، فدخل رجل وقور في منتصف الخمسينات، يرتدي بدلة بسيطة، وفي يده حقيبة جلد سوداء.
بمجرد ما شاف أحمد، قال
الحمد لله... أخيرًا بقيت هنا.
استغرب أحمد.
كان متوقع يشوف شخص عدائي، لكن ملامح الرجل كانت هادئة.
قالت ياسمين
أستاذ سامح... اتفضل.
جلس الرجل ووضع الحقيبة على الطاولة.
ثم قال
أنا المحامي اللي كان بيتولى تنفيذ وصية والد ياسمين ووصية والدك.
نظر إليه أحمد بدهشة.
يعني حضرتك مش جاي تعمل مشكلة؟
ابتسم سامح وقال
بالعكس... أنا جاي أنهي مشكلة استمرت سنين.
فتح الحقيبة، وأخرج ملفًا سميكًا.
قال وهو يقلب صفحاته
بعد وفاة والد ياسمين، حصل خطأ إداري كبير. جزء من الوصية اتحفظ في مكتب، والجزء التاني اتحفظ في خزنة البنك. ولأن المستندات كانت ناقصة، محدش قدر ينفذ رغبة الرجلين.
أخرج ورقة مختومة بختم رسمي، ودفعها ناحية أحمد.
قرأ أحمد أول سطر، وشعر أن الحمل الذي كان فوق صدره بدأ يخف.
كانت الورقة تؤكد أن الصندوق والخزنة والرسائل كلها أمانة مشتركة، وأن الغرض منها جمع العائلتين إذا التقيا يومًا، وليس التفريق بينهما.
قال سامح
والدك ووالد ياسمين كانوا مؤمنين إن الصداقة الحقيقية بتفضل حتى بعد الرحيل. عشان كده كتبوا الوصايا دي.
تنهد أحمد وقال
يعني كل السنين دي ضاعت بسبب ورق اتفرق؟
أومأ سامح برأسه.
للأسف... أيوه.
في هذه اللحظة دخل الأطفال من الجنينة، يضحكون بصوت عالٍ.
آدم كان ماسك الكرة، وريم قالت بابتسامة
يا ماما... آدم كسبنا.
ضحك أحمد لأول مرة من قلبه.
نظر إلى الأطفال، ثم إلى ياسمين.
قال بهدوء
أهم حاجة إن اللي فات ما يضيعش اللي جاي.
ابتسمت ياسمين دون أن ترد.
لكن قبل أن ينتهي الحديث، اقتربت ملك الصغيرة من أحمد، وأخرجت من جيبها ورقة مطوية.
دي كانت مع ماما، وقالت أديها لك لما نبقى كلنا قاعدين مع بعض.
فتح أحمد الورقة ببطء.
كانت رسالة قصيرة بخط والده، لكنها مختلفة عن الرسالة الأولى.
وفي نهايتها جملة واحدة جعلته يرفع رأسه في صدمة
في بيت العيلة القديم، خلف المكتبة الخشبية، ستجد آخر أمانة... وهي التي ستكشف السر الذي لم يعرفه أحد حتى الآن.
نظر أحمد إلى ياسمين، فقالت بهدوء
أنا عمري ما روحت بيت العيلة... واضح إن رحلتنا لسه ما خلصتش في صباح اليوم التالي، انطلق أحمد وياسمين ومعهما عم حسن إلى بيت العائلة القديم.
كان المنزل مغلقًا منذ سنوات، لكن عم حسن ما زال يحتفظ بالمفتاح.
بمجرد أن فتح الباب، انتشرت رائحة الخشب القديم والغبار، وكأن الزمن توقف داخل المكان.
أخذ أحمد ينظر في أركان البيت، وكل زاوية كانت تعيد إليه ذكرى من طفولته.
توقف أمام المكتبة الخشبية الكبيرة.
قال بهدوء
دي هي.
اقترب الثلاثة منها، ودفعها أحمد بكل قوته.
تحركت المكتبة ببطء، وظهر خلفها تجويف صغير في الحائط.
داخله صندوق حديدي قديم.
أخرج عم حسن مفتاحًا صغيرًا كان معلقًا في سلسلة قديمة، وفتح الصندوق.
لم يكن بداخله ذهب ولا أموال.
بل مجموعة دفاتر، وألبوم صور، ومظروف مختوم.
فتح أحمد المظروف أولًا.
كانت رسالة أخيرة من والده.
يا أحمد... لو وصلت لهنا، يبقى عرفت إن الحقيقة عمرها ما كانت في المال، لكن في الثقة. الصندوق ده فيه تاريخ العيلتين، وصور تثبت إن والد ياسمين وقف جنبنا في أصعب أيامنا، وإننا كنا أهل قبل ما نكون أصحاب. حافظوا على العلاقة دي، لأنها أغلى من أي ميراث.
أغلقت ياسمين عينيها وهي تسمع الرسالة.
أما عم حسن، فكانت الدموع تملأ عينيه.
ثم فتح أحمد ألبوم الصور.
كانت صورًا قديمة لرحلات عائلية، وأعياد، وأطفال يلعبون معًا.
وأشار عم حسن إلى صورة بالأبيض والأسود.
دي
متابعة القراءة