التلات بنات بقلم زيزي احمد

لمحة نيوز

كانت آخر صورة اتصورت قبل ما الظروف تفرق العيلتين.
ابتسم أحمد وهو يتأملها.
شعر لأول مرة أن أجزاء كثيرة من حياته بدأت تكتمل.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف ياسمين.
نظرت إلى الشاشة، ثم ابتسمت.
البنات بيسألوا هنرجع إمتى... وآدم بيقول إنه مستني يكمل الماتش معاهم.
ضحك أحمد وقال
شكلهم بقوا أصحاب من أول يوم.
خرجوا من البيت، وأغلق عم حسن الباب للمرة الأخيرة.
لكن أحمد التفت إلى المنزل، وقال بهدوء
يمكن المكان ده قفل بابه... لكن فتح باب جديد لينا كلنا.
وركبوا السيارة في طريق العودة، بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، ومعها بدأ فصل جديد في حياتهم... فصل قائم على الصراحة، ولمّ الشمل، واحترام الوعد الذي قطعه الآباء للأبناء.
يتبع...مرت عدة أيام، وبدأت العلاقة بين أحمد وياسمين ترجع بالتدريج، لكن كل واحد فيهم كان حريص إن الأمور تمشي بهدوء، خصوصًا عشان الأطفال.
آدم بقى مستني كل جمعة عشان يشوف ريم وسارة وملك.
أما البنات، فبقوا يعتبروا أحمد عمو أحمد، وكانوا يفرحوا أول ما يشوفوه داخل من باب الفيلا.
في أحد الأيام، بينما كانوا جميعًا بيتغدوا، سألت ريم فجأة
ماما... هو إنتِ وعمو أحمد كنتوا أصحاب زمان؟
ابتسمت ياسمين وقالت
أيوه... كنا أصحاب من زمان جدًا.
ردت ملك ببراءة
عشان كده عندكم نفس الوشم؟
ضحك الجميع، بينما أحمد قال
أهو الوشم ده كان سبب إننا نتقابل تاني.
وفي المساء، جلس أحمد مع عم حسن في الحديقة.
قال أحمد
في حاجة لسه مش مفهومة.
إيه هي؟
الأسورة اللي كانت في إيد ريم... اللي عليها الحروف ر. أ. ش..
ابتسم عم حسن وقال
افتكرت إنك هتسأل عليها بدري.
دخل إلى الفيلا، ثم عاد بعلبة مخمل صغيرة.
فتحها أمام أحمد.
كانت بداخلها ثلاث أساور متشابهة.
وقال
دي اتعملت للبنات يوم عيد ميلادهم الأول. الحروف مش اختصار لاسم شخص، دي أول حروف من أسماء جدودهم رشدي، أنور، وشفيق... التلاتة كانوا أصحاب وشركاء من زمان.
تنفس أحمد الصعداء.
لغز جديد اتحل.
وفي نفس اللحظة، خرج آدم يجري وهو ماسك ظرفًا قديمًا.
خالو... لقيت ده جوه كتاب في البيت.
أخذه أحمد وفتحه.
كان عقدًا قديمًا مكتوبًا بخط اليد، يخص مشروعًا خيريًا كان والده ووالد ياسمين بيخططوا يعملوه، لكنه لم يكتمل.
قرأ أحمد آخر سطر بصوت مرتفع
إذا لم نستطع نحن أن نحقق هذا الحلم... فليحققه أبناؤنا.
نظر إلى ياسمين.
قالت بابتسامة
إيه رأيك؟ بدل ما نخلي الورق يفضل في الأدراج... ننفذ حلمهم؟
ابتسم أحمد لأول مرة دون أي تردد.
موافق... ودي هتبقى أحسن طريقة نكرم بيها ذكراهم.
بدأ الاثنان يخططان لتحويل البيت القديم إلى مركز لتعليم الأطفال الحرف اليدوية والدروس المجانية، حتى يظل المكان شاهدًا على الخير الذي جمع العائلتين.
لكن قبل أن يبدأ التنفيذ بأيام قليلة، وصل إلى أحمد خطاب رسمي من إحدى الجهات الحكومية.
فتح الخطاب بسرعة...
وما إن قرأ أول سطر، حتى تغيرت ملامحه تمامًا.
رفع رأسه نحو ياسمين وقال
واضح إن في حد عرف بقصة البيت القديم... وعايز يوقف المشروع قبل ما يبدأ.
يتبع...أخذت ياسمين الخطاب من يد أحمد وقرأته بهدوء.
كان الخطاب يفيد بأن هناك مراجعة قانونية تخص ملكية البيت القديم، وأنه لا يجوز البدء في أي أعمال حتى انتهاء الإجراءات.
قالت ياسمين مطمئنة
متقلقش... دي إجراءات طبيعية، خصوصًا إن البيت مقفول من سنين.
لكن أحمد كان قلقًا.
أخاف يضيع الوقت، ويضيع معاه حلمهم.
في اليوم التالي، ذهب أحمد وياسمين مع المحامي سامح إلى الجهة المختصة، حاملين كل المستندات التي وجدوها في الصندوق والخزنة.
استقبلهم الموظف المسؤول باحترام، وراجع الأوراق واحدة تلو الأخرى.
وبعد أكثر من ساعتين، ابتسم وقال
الحقيقة إن المستندات كاملة، لكن كان لازم نراجعها لأن البيت مسجل بأسماء الورثة القدامى. بعد استكمال التوقيعات، مفيش أي مانع قانوني.
تنفس الجميع الصعداء.
وأثناء خروجهم، لمح أحمد رجلًا مسنًا يقف أمام سور المبنى، يراقبهم بابتسامة.
اقترب منهم وقال
إنت أحمد الشناوي؟
أيوه.
أخرج الرجل من جيبه مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.
أنا كنت جار والدك زمان. قبل ما يتوفى بأيام، اداني المفتاح ده وقال لي لو ابني رجع يكمل اللي بدأناه، سلّمهوله.
أخذ أحمد المفتاح وهو في قمة الدهشة.
مفتاح إيه ده؟
ابتسم الرجل وقال
ورشة النجارة القديمة اللي كان والدك بيشتغل فيها مع أصحابه. محدش فتحها من أكتر من عشرين سنة.
نظر أحمد إلى ياسمين، وقال
يمكن دي تكون بداية المشروع.
وفي عصر اليوم نفسه، ذهبوا جميعًا إلى الورشة.
فتح أحمد الباب بالمفتاح، فأصدر صريرًا طويلًا.
كانت الأدوات ما زالت في أماكنها، وكأن أصحابها خرجوا بالأمس فقط.
وعلى الحائط، لافتة خشبية مغطاة بالتراب.
مسحها أحمد بيده، فظهرت الكلمات
العلم والحرفة... ميراث لا يضيع.
ابتسمت ياسمين وقالت
أهو ده الاسم.
رد أحمد وهو ينظر إلى الورشة
ومن هنا... هنبدأ نحول حلمهم لحقيقة.
وفي الخارج، كان آدم والبنات يقفون أمام الباب، ينظرون إلى المكان بفضول، دون أن يدركوا أن هذا المبنى الصغير سيصبح يومًا ما سببًا في تغيير حياة عشرات الأطفال... وأن الحكاية التي بدأت بوشم قديم، أصبحت الآن قصة عائلة اجتمع شملها، ووعدٍ قديم تحقق خطوة بعد خطوة.
تمت.

تم نسخ الرابط