من يوم ما جوزي اتجوز عليا بقلم زهرة الربيع
المحتويات
بيبدأ.
طلبت أدخل مكتبه.
السكرتيرة بصتلي باستغراب وقالت
المكتب مقفول من يوم ما الأستاذ أحمد تعب... والمفتاح مع المدير المالي.
بعد دقائق، جابوا المفتاح، وفتحت المكتب.
ريحة المكان رجعتلي ذكريات عمر كامل.
لفيت بعيني لحد ما وصلت للمكتب الخشب الكبير.
فتحت الدرج اليمين...
وفعلًا...
كان فيه ظرف بني كبير، مكتوب عليه بخط إيد أحمد
لا يفتح إلا بمعرفة نادية.
إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها ناحية الظرف...
لكن قبل ما ألمسه بثانية واحدة...
سمعت صوت باب المكتب بيتفتح بعنف، وصوت حد بيقول بحدة
استني... متفتحيهوش!التفت بسرعة، ولقيت المدير المالي واقف على الباب، وأنفاسه متلاحقة كأنه جري عشان يلحقني.
قال وهو بيحاول يهدي صوته
أنا آسف يا مدام نادية... بس الأستاذ أحمد قبل ما يدخل المستشفى بأيام وصاني وصية غريبة. قال لي لو مراتي الأولى جت تفتح الظرف، اتأكد إنها تفتحه وهي لوحدها، ومحدش يكون موجود معاها.
بصيتله باستغراب وقلت يعني إيه؟
رد وهو بيرجع خطوتين لورا ده كل اللي قاله... وأنا مقدرش أخالف وصيته.
خرج وقفل الباب بهدوء، وسابني لوحدي.
رجعت بصيت للظرف، وفتحت اللاصق بإيد مرتعشة.
أول حاجة وقعت في إيدي كانت رسالة بخط أحمد.
فتحتها، وبدأت أقرا
نادية... لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى يا إما أنا تعبان جدًا، يا إما خلاص مبقتش قادر أشرحلك بنفسي. عارف إن مفيش كلام هيصلح اللي كسرته، ولا فيه اعتذار يرجعلك سنين عمرك اللي وقفتيها جنبي. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها، لأن حقك لازم يرجعلك.
حسيت دموعي بتنزل من غير ما أحس.
كملت القراءة.
فاكرة أول مشروع فتحناه؟ المشروع ده مكنش قام بتعبي لوحدي... ده قام بتعبك، ودهبك، وصبرك. وكل مرة كنت أكتب حاجة باسمي، كنت حاسس إني ظلمتك. عشان كده، من سنة تقريبًا، روحت للمحاسب والمحامي، وبدأت أرتب كل حاجة من غير ما أقول لحد.
كان مع الرسالة ملف صغير.
فتحته...
لقيت صور عقود، وإيصالات، ومستندات رسمية.
وفي آخر الملف ورقة مكتوب فيها بخط كبير
إقرار مني أنا أحمد... بأن زوجتي نادية شريكة في رأس مال المشروع منذ تأسيسه، وأن لها حقوقًا مالية مثبتة بالمستندات المرفقة.
شهقت من المفاجأة.
ماكنتش متوقعة ده أبدًا.
وأنا بقلب باقي الأوراق، لقيت ظرفًا أصغر، مكتوب عليه
لا تفتحيه إلا بعد ما أتكلم معاكي بنفسي... ولو ملحقتش، يبقى افتحيه بعد ما ترجعي المستشفى.
فضلت أبص للظرف الصغير دقيقة كاملة...
وقلبي بيقولي إن اللي جواه أخطر بكتير من كل اللي قريته فضلت ماسكة الظرف الصغير، وكل مرة أمد إيدي أفتحه، أفتكر وصيته بعد ما ترجعي المستشفى.
قلت لنفسي طالما طلب كده، يبقى أكيد كان عايز يقول حاجة الأول.
قفلت الظرف وحطيته في شنطتي، وجمعت كل الأوراق بعناية، وسلمت على الموظفين ورجعت المستشفى.
أول ما دخلت أوضته، لقيته صاحي، لكن باين عليه الإرهاق الشديد.
لما شافني، ابتسم ابتسامة باهتة وقال رحتي؟
هزيت راسي بالإيجاب.
قال بصوت ضعيف ولقيتي الظرف؟
قلت آه... ولقيت الرسالة والمستندات. ليه عملت كل ده من غير ما تقولي؟
غمض عينيه لحظة، ثم قال لأني كنت جبان... كل يوم كنت أقول بكرة هقولها، وبكرة عمره ما جه.
سكت شوية، ثم أكمل
عارفة أكتر حاجة كانت بتوجعني؟ إنك رغم كل اللي عملته فيكي، عمرك ما منعتي الأولاد عني، ولا ربيتيهم يكرهوني. كل مرة كانوا يدخلوا عليا ويحضنوني، كنت بحس إني صغير قدامكم.
أنا ما رديتش.
كان كلامه بيوجع، لكنه ما كانش يمحي اللي فات.
مد إيده ناحية الكومودينو، وأشار على مفتاح صغير مربوط بسلسلة.
قال خديه... ده مفتاح الخزنة اللي في المكتب. فيها كل الأوراق الأصلية، ووصيتي... وكل حاجة تخص مستقبل الأولاد.
قلت بهدوء اطمن... أهم حاجة دلوقتي إنك تركز في علاجك.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال أنا بقيت عارف إن الأعمار بيد الله... وعارف كمان إن في حقوق لازم تترد.
في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل المحامي اللي كان بيتابع شغل الشركة.
وقف عند السرير وقال باحترام أستاذ أحمد... حضرتك طلبتني.
أحمد أشار له يقرب، وقال بصعوبة أنا جاهز... نفذ اللي اتفقنا عليه.
المحامي فتح حقيبته، وأخرج ملفًا أزرق سميك، ثم وضعه على الطاولة أمام السرير.
بصيت للملف باستغراب.
وقبل ما أسأل، قال المحامي
مدام نادية... الأستاذ أحمد أصر إن حضرتك تكوني شاهدة على توقيع آخر مجموعة أوراق... لأنها تخص مستقبل الأسرة كلها.
ونظرت إلى الملف، ولاحظت أن أول صفحة كانت مغطاة بورقة بيضاء، تخفي كل ما كُتب تحتها، وكأن أحمد أراد ألا يُعرف محتواها إلا في اللحظة المناسبة.
يتبع...وقفت مكاني وأنا مش فاهمة حاجة.
المحامي جهز الأوراق، وأحمد كان بيحاول يرفع إيده بالعافية عشان يمسك القلم.
بصلي وقال بهدوء
اقعدي يا نادية... لازم تكوني موجودة.
قعدت قدامه، وقلبي بيدق بسرعة.
المحامي شال الورقة البيضاء عن أول صفحة، وبدأ يشرح لأحمد بندًا بندًا بصوت هادئ، من غير ما يذكر أي تفاصيل قدامي احترامًا لرغبته.
أحمد كان كل شوية يهز راسه ويقول تمام... ده اللي اتفقنا عليه.
بعدها وقع على أول ورقة، ثم الثانية، ثم الثالثة، وكل توقيع كان بياخد منه مجهود كبير.
ولما خلص، سلم القلم للمحامي وقال
خلي كل حاجة تتنفذ في وقتها... من غير تأخير.
المحامي قفل الملف، وبصلي باحترام وقال
الأستاذ أحمد كان حريص جدًا إنه يرتب كل أموره بنفسه، ومفيش حاجة هتتعمل إلا وفق القانون.
بعد ما خرج المحامي، فضل أحمد ساكت شوية، وبعدين قال
الظرف الصغير... فتحتيه؟
هزيت راسي بالنفي.
ابتسم لأول مرة من أيام، وقال
كويس... افتحيه لما ترجعي البيت.
استغربت، لكن وافقت.
فضلت معاه لحد ما نام، وبعدها رجعت البيت.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وطلعت الظرف الصغير من الشنطة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه.
جواه ورقة واحدة... وصورة قديمة.
الصورة كانت لينا إحنا الاتنين بعد جوازنا بكام شهر، واقفين قدام الشقة الصغيرة اللي بدأنا فيها حياتنا، وإحنا بنضحك من قلبنا.
أما الورقة، فكان مكتوب فيها بخط أحمد
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى عرفتِ إني ندمت على كل لحظة كسرت فيها قلبك. الصورة دي كنت محتفظ بيها في مكتبي طول السنين، وكل ما أبص لها أفتكر البدايات، وأفتكر الست اللي وقفت جنبي وأنا ماكنتش أملك غير الحلم.
توقفت لحظة ومسحت دموعي.
وكملت القراءة...
في الدولاب الحديد اللي في المخزن القديم، فيه صندوق خشب صغير. جواه حاجة احتفظت بيها من أول يوم فتحنا المشروع... ويمكن هي أكتر حاجة هتفهمك ليه كنت مصر ترجعي المكتب.
بصيت للصورة مرة تانية، وبعدين للرسالة.
وسألت نفسي
يا ترى إيه اللي موجود في الصندوق الخشبي؟ ولماذا ظل محتفظًا به كل هذه السنوات؟
يتبع...تاني يوم، بعد ما اطمنت إن أحمد حالته مستقرة، أخدت المفتاح اللي إداهولي، وروحت للمخزن القديم اللي كان جنب أول ورشة بدأ منها شغله.
المكان كان مليان تراب، وكأنه متفتحش من سنين.
فضلت أدور لحد ما لقيت الدولاب الحديد.
فتحت بابه، ولقيت فعلًا صندوق خشب صغير، مقفول بقفل نحاس قديم.
المفتاح دخل فيه بسهولة.
أول ما فتحته، لقيت جواه حاجات بسيطة جدًا... لكنها كانت أغلى من أي فلوس.
منديل أبيض ملفوف بعناية.
ودفتر حسابات قديم.
وكيس قماش صغير.
فتحت كيس القماش، لقيت جواه خاتمي الدهب اللي كنت بعته زمان، وسلسلة رفيعة كنت سيبتها عند الصائغ عشان نكمل تمن أول ماكينة للمشروع.
شهقت وأنا ماسكة السلسلة.
أنا كنت فاكرة إنهم اتباعوا خلاص.
فتحت الدفتر القديم، ولقيت أول صفحة مكتوب فيها بخط أحمد
دي أول أمانة بين إيدي. نادية باعت دهبها عشان حلمنا يعيش. أقسم بالله أول ما ربنا يوسعها عليا هرجعهولها، حتى
متابعة القراءة